متهرب ومبرر وحالم وعاجز.. وزير التموين «كله إلا الفشل»

متهرب ومبرر وحالم وعاجز.. وزير التموين «كله إلا الفشل»

09:35 ص

12-فبراير-2017

عدة أقنعة ارتداها وزير التموين خلال اجتماع اللجنة الاقتصادية بمجلس النواب، حول أسعار السلع التموينية، فماذا قال الوزير في كل قناع؟.

الوزير الذي خلع زيه العسكري واستبدله من أشهر معدودة بآخر مدني، يبدو أنه حنّ إليه، فارتداه متنكرًا لبضع ساعات، أو يبدو أنه نسي ذلك، واعتقد انه لا يزال لواء الجيش الذي لا يجرؤ أحد على مقاطعته أو نقده، أو حتى مناقشته.

هكذا كان حال وزير التموين اللواء محمد علي مصيلحي، في اجتماع "كشف الحساب" أمام اللجنة الاقتصادية بمجلس النواب، اليوم الأحد.

الاجتماع الذي تناول أزمة السلع التموينية، لم يقدم فيه الوزير ولو إجابة منطقية واحدة عن سبب الأزمة، أو خطة الحكومة ووزارته لعلاجها.

فقط التبشير بـ"الدعم النقدي" كان المخرج الوحيد الذي حاول الوزير إقناع نواب اللجنة به، كحل للخروج من الأزمة.

فهل يمهد الوزير بحديثه عن عدم وصول الدعم لمستحقيه، خطوة لإلغاء الدعم العيني، رضوخًا لباكورة اشتراطات صندوق النقد الدولي؟.

اعترافه بداية القصة

مصيلحي اعترف في الاجتماع أن دعم الدولة للسلع التموينية لا يصل لمستحقيه، بسبب أبواب الفساد والتلاعب، التي رأى أن التحول للدعم النقدي سوف يغلقها.

ولعل الحديث الرسمي سواء من رئيس الحكومة أو الوزراء عن الدعم النقدي ليس جديدًا، بل تكرر عشرات المرات خلال الأشهر الماضية، منذ توقيع اتفاق قرض صندوق النقد الدولي.

ومنذ ذلك الحين يتردد أن التحول للدعم النقدي يقع ضمن اشتراطات الصندوق على مصر، من أجل استكمال باقي قيمة القرض البالغة 12 مليار دولار.

تلك الاشتراطات تمثلت في مجموة من القرارات الاقتصادية الصعبة، أبرزها رفع الدعم التدريجي على البنزين والمواد البترولية والكهرباء، وإقرار ضريبة القيمة المضافة، وزيادة جمارك مئات السلع، والارتفاعات غير المسبوقة في أسعار السلع والخدمات الأساسية.

وبشكل عملي فإن تحيل الدعم إلى نقدي، سوف يترك المواطن فريسة لأسعار السوق التي يتحكم فيها بالمقام الأول جشع التجار.

الأمر ربما يزداد سوءًا عندما نرى أن الحكومة التي لا تزال تقدم الدعم العيني ويفترض أن تراقب الأسعار، تقف عاجزة عن ضبطها، فما بالنا إذا تحول الدعم للنقدي؟.

من ذلك يتضح أن تنقية البطاقات التموينية التي أعلن الوزير أنه بموجبها تم حذف مليون و200 ألف مواطن، ما هي إلا خطوة على طريق رفع الدعم بشكل كلي.

البُعد الاخر، والذي لا يقل أهمية عما سبق يتمثل في المعاناة التي سوف تلحق بالمواطن البسيط، الذي سيفاجأ بأن مبلغ الدعم النقدي ثابت والرواتب ثابتة، مقابل زيادات متوقعة للأسعار، في ظل رفع الدولة يدها عن السوق.

عاجز ومتهرّب

عجز الدولة عن السيطرة على الأسعار، بدا واضحًا للغاية بل ومعترف به من قبل وزير التموين خلال لقائه بأعضاء اللجنة الاقتصادية.

الوزير قال نصًا: "ابحثوا عن من يُخفي السلع ويحارب البلد اقتصاديًا ويُظهر الحكومة في شكل المُقصر".

"مصيلحي" الذي ظهر وكأنه يوجه أمرًا لضباط ومجندين في وحدة عسكرية، أبدى عجزًا واضحًا وفشلًا غير مسبوق في التعاطي مع أزمة، هو المسؤول الأول عنها.

ليس عجزًا فقط بل إلقاء بالمسؤولية تجاه من قال إنهم "الفئة اللي عايزة تخرب البلد"، وعلى نفس الرتم المتهرب من المسؤولية في أزمة الأرز، قال الوزير: "الرز اتاخد واتخبى".

وزير التموين يفترض أن يفصح في المقام الأول عن تلك الفئة والمتورط في إخفاء سلعة أساسية، وفي المقام الثاني محاسبة من تورط في هذا والذرب على يديه.

لم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل استدعى وزير التموين "نغمة" الإرهاب، لكن في موضع جديد بعيدًا عن مفهومه الأمني والعسكري.

ذلك حين قال: "الإرهاب الاقتصادي لا يقل خطورة عن الإرهاب الأمني، البلد تواجه حربًا اقتصادية".

وكعادة مسؤولي النظام الحالي وفي مقدمتهم الرئيس عبدالفتاح السيسي، يبدو أن مصيلحي تواجهه اتهامات بتعليق الفشل على شماعة الإرهاب، وتقديم المبرر الجاهز لهذا الفشل، فضلًا عن تمهيده ربما لقرارات غاية في الصعوبة في الفترة المقبلة بحجة مواجهة هذا الإرهاب الاقتصادي.

وعلى مدار نحو 6 أشهر من تعيينه وزيرًا للتموين، لم يتخذ مصيحي قرارًا واحدًا ضد هؤلاء "الإرهابيين"، بل صبت جميع قراراته في اتجاه نهش جيوب المواطنين وزياددة معاناتهم.

رفع أسعار السلع التموينية الساسية كالزيت والسكر والأرز أكثر من مرة، كان الحل الوحيد الذي اتبعه الوزير للخروج من المأزق.

وجه آخر ارتداه الوزير مصيلحي خلال اجتماع اللجنة، فمع تعطل ىلية القرارات الحاسمة لحل أزمات المواطنين، يبدو أنه لم يكن أمامه سوى "الحلم".

هذا "الحلم" لم يقدم الوزير غيره في رده على أزمة زيادة استيراد السلع التموينية، والتي وصلت إلى حد 100% من الاستهلاك في سلعة زيت الطعام.

فدون حديث عن خطوات عملية جادة للحد من الاستيراد، وتعظيم الإنتاج المحلي وغيره، اكتفى مصيلحي بقوله: "أنا نفسي أنام واحلم وأصحى الصبح ألاقي البلد بتصدر".

مبرر للفشل

اللواء مصيلحي، كشف أن الدولة تعاني من "فجوة استهلاكية في جميع السلع التموينية"، وعلى الرغم من دوره كمسؤول في علاج أسباب تلك الفجوة، إلا أنه وكالعادة ألقى بالمسؤولية في اتجاه آخر.

الوزير قال إن الزيادة السكانية "لها دور محوري في هذه الفجوة"، بل إن تلك الزيادة "تأكل أي نمو اقتصادي يتحقق في مصر".

ليس هذا فحسب، بل إن وزير التموين وصف البناء على الرقعة الزراعية بأنه "آفة" يجب التخلص منها.

من وجهة نظر الوزير إذًا أنه تعددت الأسباب والأزمة واحدة، المهم ألا يكون من بين تلك الأسباب فشله أو حتى تقصيره في أداء مهامه.

مرتديًا قناع العسكري

الطابع العسكري الذي نشأ عليه وزير التموين، تجلى بقوة خلال اجتماع اللجنة الاقتصادية بالبرلمان، في مواضع سابقة، إلا أنه ظهر بشدة في الموقف التالي:

أثناء الاجتماع وقعت مشادة كلامية بين الوزير والنائب "فتحي الشرقاوي"، خلال مناقشة مشكلة ارتفاع أسعار السلع التموينية، حين قال النائب للوزير، مستشعرًا هموم المواطنين: "حرام عليكو".

هنا الدنيا قامت ولم تقعد، ولم يكتف الوزير "اللواء" بانفعاله الشديد على النائب مرددًا أكثر من مرة عبارة "ما تقوليش حرام عليك، ما تقوليش كده، ما تقوليش بعد كل اللي قلته ليك حرام عليك، ما تقلوليش حرام عليك".

النائب تمسك بموقفه، الطبيعي للغاية، ورفض الاعتذار للوزير أو سحب كلمته، الأمر الذي دفع مصيلحي إلى التهديد بالانسحاب من الاجتماع.

قمة الكوميديا السوداء تجلت هنا في تهديد الوزير بالانسحاب، الوزير الذي يفترض أنه عضو سلطة تنفيذية يخضع للسؤال والمراقبة من قبل الشعب ممثلًا في مجلس النواب.

لقطة أخرى كان بطلها "مصيلحي" أيضًا لكنه الدكتور علي مصيلحي رئيس اللجنة الاقتصادية بالمجلس، والذي بدلًا من تفعيل رقابته على أداء الوزير، اتجه إلى النائب وطالبه بالخروج من قاعة الاجتماع.

كلمات قاسية أخرى وجهتها النائبة نادية هنري، للوزير وهددته هي هذه المرة، قائلة: "نحن نعرف المأزق الذي فيه الحكومة، ولكن عليها أن تستثمر صبر المصريين المتحملين بدلًا من ارتفاع نسب الجريمة والإنفلات الأمني..".

"هنري" تابعت: "يوجد مشكلة في الدعم، لكن لابد أن نعرف أن الدعم من أموال الشعب، وفي حاجة اسمها حد الكفاية نحن نتكلم عن السلع الغذائية، لا سمك ولا لحوم ولا فراخ، الجمعيات الاستهلاكية فاضية، الأوقع أن تقدم السياسة والحل لتوفير الأمن الغذائي لمعظم الشعب المصري".