الشياطين تعظ.. استدعاء رموز مبارك في الأزمات عجز أم استعانة بالخبرات؟

الشياطين تعظ.. استدعاء رموز مبارك في الأزمات عجز أم استعانة بالخبرات؟

09:00 ص

06-مارس-2017

هل استدعاء رموز مبارك في الأزمات عجز عن حلها، أم استعانة بخبراتهم في مواجهتها؟.

يبدو أن استدعاء رموز نظام الرئيس الأسبق حسني مبارك في الأزمات، بات أمرًا روتينيًا، وعادة ربما لا تستحق حتى التعليق عليها، وما الضير إذا عجزت مصر عن حل أزماتها دون الاستعانة بهؤلاء؟.

أوليس هؤلاء هم الذين ثارت عليهم ملايين الشعب المصري في 25 يناير 2011، أوليس استدعاؤهم يمثل استدعاءً للفساد، واستعانة بمجموعة من الفشلة الذين أودوا بنظام حكم كانوا رموزه إلى الهاوية؟.

لكن أليس هؤلاء جميعهم ثبتت براءتهم من اتهامات لاحقتهم لسنوات، أوليسوا أهل خبرات بحق في مجالاتهم المختلفة، واستدعاؤهم يبقى علامة إيجابية للاستعانة بالخبرات المتواجدة لمواجهة الأزمات؟.

من أفسد لا يصلح

ولعل أبرز حلقات الاستعانة برموز مبارك، كانت استضافة وزير المالية في عهد مبارك الهارب يوسف بطرس غالي، عبر قناة (dmc) التي تعد أحد أبرز الفضائيات الناطقة باسم للنظام والمقربة للسلطة، والتي أثيرت حولها تكهنات بتبعيتها لجهاز المخابرات الحربية.

الإعلامي أسامة كمال استضاف غالي مساء الأربعاء الماضي، في الظهور الأول له منذ ثورة 25 يناير 2011، بهدف "طرح رؤيته حول الأوضاع الاقتصادية في مصر وما يتم من إجراءات اقتصادية".

"غالي" تحدث عن أسباب لجوء مصر لصندوق النقد الدولي وتقييمه لفكرة وصول الدعم لمستحقيه وفرص مصر للخروج من الأزمة الاقتصادية، وبالطبع دافع أسامة كمال عن ضيفه، مشيرًا إلى أن حواره مع اقتصادي وليس سياسي.

إلا أن الواقعة الأكثر غرابة، وسبقت استضافته، هي إزالة موقع الشرطة الجنائية الدولية "الإنتربول" في أكتوبر الماضي، اسم وصورة يوسف بطرس غالي من على قوائم المطلوبين لديها.

مصادر كشفت أن الإنتربول المصري قرر رفع اسم غالي، بعد ورود طلب من جهات قضائية برفع اسمه بشكل مؤقت لحين إتمام عملية التصالح معه بعد أن قدم طلبًا بذلك للجنة الوزارية المشكلة من جهاز الكسب غير المشروع.

آخر وزير مالية في عهد مبارك، والمقيم في بريطانيا منذ الثورة، صدر ضده حكمًا بالسجن المؤبد 25 عامًا غيابيًا لإدانته بارتكاب جرائم العدوان على المال العام والإضرار العمدي به بما قيمته نحو 20 مليون جنيه، والتزوير فى محررات رسمية واستعمالها.

كما صدر ضده حكم بالسجن 30 عامًا لإدانته بتهمة إهدار المال العام بالإضرار العمدي بأموال أصحاب سيارات كانت قيد التحفظ في إدارة الجمارك بمطار القاهرة، وكذلك استغلال النفوذ، وتسخير العاملين في الوزارة لدعايته الانتخابية، وتضمن الحكم إعادة 30 مليون جنيه، ودفع غرامة 30 مليونًا أخرى.

كما صدر حكم بسجنه 10 سنوات في قضية اللوحات المعدنية التي اتُهم فيها بإهدار المال العام بما يبلغ 92 مليون جنيه.

الآن تقترب لجنة الكسب غير المشروع من حسم قيمة المبالغ المطلوبة من غالي، لإتمام عملية التصالح وانقضاء كافة الدعاوى الجنائية ضده، الأمر الذي يمهد لعودته إلى مصر.

وزير "الغلابة" يعود

ومن جديد عاد علي المصيلحي آخر وزير للتموين والتجارة الداخلية في عهد مبارك إلى منصبه، بعد 6 سنوات من الثورة، حيث تضمن التعديل الوزاري الأخير في فبراير الماضي اسمه.

وعلى الرغم من الاتهامات التي وُجهت للرجل، في أعقاب ثورة 25 يناير، إلا أنه لم يُسدتعى إلى تحقيق قضائي واحد، عكس غالبية رموز نظام مبارك، الذين عجت المحاكم بقضاياهم خلال تلك الفترة.

أبرز تلك الاتهامات كانت استحواذه على الحوافز المخصصة لبقالي التموين والتي تقدر بجنيه شهرياً عن كل بطاقة تموين، في ظل وجود أكثر من 11 مليون بطاقة تموينية، مما يعني الاستيلاء على 11 مليون جنيه شهريًا، خلال فترة توليه وزارة التضامن.

أموال الدعم المخصصة للسلع التموينية، ومخصصات الجمعيات الأهلية أُشيع أن "المصيلحي" استخدمها في الدعاية الانتخابية لانتخابات مجلس الشعب 2010.

ومن الاتهامات أيضًا استعانته بقيادات هيئة البريد، التي تولي رئاستها من 2002 وحتى 2005، وقيادات أمنية للعمل في وزارة التضامن رغم اختلاف التخصصات.

بدلات اللجان للمقربين منه بوزارة التضامن والتي وصلت إلى ملايين الجنيهات، كانت مثار اتهام آخر لاحق "المصيلحي"، بالإضافة إلى اتهامات بإهدار 5 ملايين جنيه بالهيئة القومية للبريد، على تدريب طلاب شعبة البريد بكلية التجارة وإدارة الأعمال، دون تعيينهم، مقابل تعيين حملة الدبلومات والمعاهد الفنية وحملة المؤهلات غير المتخصصة فى المحاسبة البريدية عن طريق الوساطة.

الفساد السياسي كان وجهًا آخر لاتهامات واجهها الرجل، تمثلت ملامحه في تزوير انتخابات مجلس الشعب عامي 2005، و2010، واستغلال أجهزة الدولة لصالحه، واستخدام البلطجية ضد منافسيه.

"ترزي" مجلس الشعب

واقعة الظهور الأول ليوسف بطرس غالي، لم تكن الأولى من نوعها، بل سبقها عدة وقائع لاستدعاء رموز نظام مبارك، من بينهم أحمد فتحي سرور رئيس مجلس الشعب السابق.

ففي يناير الماضي قررت لجنة الشؤون الدستورية والتشريعية بمجلس النواب، الاستعانة بكتب الإجراءات الجنائية التي أعدها سرور لاستخدامها في تعديل قانون الإجراءات الجنائية.

"سرور" الذ اشتهر بلقب "ترزي مجلس الشعب"، يعد صاحب أطول فترة جلوس على عرش رئاسة البرلمان، حيث استمر لمدة 20 عامًا بدأها في ديسمبر 1990 حتى ثورة يناير 2011.

وبعد حكم البراءة الذي حصل عليه سرور في قضية قتل المتظاهرين بميدان التحرير يومي 2 و3 فبراير 2011، والمعروفة إعلاميًا بموقعة الجمل، وكذا إخلاء سبيله من جهاز الكسب غير المشروع، دأب سرور على الظهور العلني.

ففي أكتوبر 2015 شهد مجمع محاكم المحلة، بالغربية، الظهور الأول لسرور، أثناء دفاعه عن متهمين بالقتل في إحدى القضايا.

وفي نوفمبر من العام نفسه أدلى رئيس مجلس الشعب الأسبق، بصوته في انتخابات مجلس النواب بمدرسة الإبراهيمية، في جاردن سيتى، وذلك للمرة الأولى منذ ثورة يناير.

شهاب "عراب" تيران وصنافير

الحلقة الأولى من سلسلة استدعاء رموز مبارك، كانت في مارس 2016، حين التقى شريف إسماعيل رئيس مجلس الوزراء، الدكتور مفيد شهاب وزير الشؤون القانونية والمجالس النيابية الأسبق في عهد مبارك.

الغرض من الاستدعاء كان الإعداد لاتفاقية ترسيم الحدود البحرية بين مصر والسعودية، وهي الاتفاقية التي أسفرت عن التنازل عن جزيرتي تيران وصنافير للمملكة.

الاستعانة بشهاب ذُكر على لسان الرئيس عبدالفتاح السيسي في لقاء الأسرة المصرية أبريل الماضي، عندما سأل شهاب قائلاً: "أقول للذين يتهموني بأنني أنفرد بالقرارات والمواضيع، إنني أستعين بالخبرة، مش كده ولا إيه يا دكتور مفيد؟"، ثم سأله مباشرة: "هل أول مرة تحضر هذا الاجتماع أم حضرت أكثر من مرة؟"، فقال شهاب: "حضرت جميع الاجتماعات الخاصة باللجنة".

مصادر كشفت أنه تمت الاستعانة بشهاب لإعداد الصياغة النهائية للاتفاقية، وسؤاله عن الجوانب القانونية الخاصة بالموضوع، خاصة أن واحدة من بين الوثائق التى قدمتها وزارة الخارجية كانت بتوقيعه عندما كان رئيساً لقسم القانون الدولي.

عجز أم استفادة

اللافت في هذه الاستدعاءات المتكررة أنها توجه، في حد ذاتها، اتهامات مباشرة للسلطة الحالية بالعجز عن إدارة الأزمات، والوقوف أمام المشاكل التي تواجهها إلى الحد الذي وصل بها للاستعانة بمحسوبين على نظام ثار الشعب ضده.

فهل وقفت السلطة، بما لها من إمكانات وتضافر لأجهزتها المختلفة، عاجزة أمام أزمات ربما كانت هي المسؤولة عنها؟، أم أنها فشلت في حلها على مدار سنوات فقررت اللجوء إلى من تعتبرهم أهل خبرة للاستعانة بهم على حلها؟.

تبدو القصة كالكوميديا السدواء، حيث سلطة فاشلة عجزت عن حل أزمة، فقررت الاستعانة برموز سلطة سابقة عليها، إلا أن هذه الرموز سبق وأن حققت فشلًا ذريعاً في ذات الملفات المستعان بهم على إدارتها.

إذًا فالأمر ليس مجرد فشل في حل أزمة، أو عجز عن مواجهتها، بل هو استدعاء تفوح منه رائحة المكايدة السياسية بمنح فرصة الظهور لأشخاص انتفض الشعب ضد ممارساتهم، في ثورة يعترف بها النظام الحالي.

"الشعب أراد التغيير في 2011" هكذا دومًا يردد السيسي في خطاباته، لكن الواقع يقول شيئًا مختلفًا، فها هو يستعين بهؤلاء الذين اتفقت إرادة المصريين على ضرورة تغييرهم.

بُعد آخر يظهر في الأفق وهو قضية الافتقار إلى الكفاءات أو حتى تغييبها عمدًا، ويبرز التساؤل: هل عقمت مصر أن تنجب مثل هؤلاء، أم أن الظروف الحالية لا تُظهر الخبرات المتوفرة؟.