الغاز المصري يشعل التحليلات.. القاهرة مصدرة أم مستوردة؟ ولمن تصدر؟ «تحليل»

الغاز المصري يشعل التحليلات.. القاهرة مصدرة أم مستوردة؟ ولمن تصدر؟ «تحليل»

01:04 م

31-مارس-2017

واقعيا، هناك سؤالان يملآن فراغ التحليلات حول ها الشأن، أولهما: كيف ستتحول مصر إلى مركز عالمي للطاقة بفضل اكتشافاتها الأخيرة واحتياطياتها الهائلة، وفي نفس الوقت توقع عقدا لاستيراد الغاز الإسرائيلي؟ ولمن ستصدر مصر غازها؟

البشريات المصرية "الرسمية" بتحول مصر إلى عملاق إقليمي أو عالمي في مجال الغاز الطبيعي لا تكاد تتوقف، بل إنها تتصاعد بشكل لافت منذ شهور، لكن لا يبدو التناقض بين هذه البشريات والخطوة الفعلية الأخيرة بتوقيع القاهرة عقدا لاستيراد الغاز الطبيعي من "إسرائيل"، منذ أيام بقيمة 20 مليار دولار، ولمدة 15 عاما، هو الوحيد.

مصر ستتحول إلى أكبر مركز للطاقة والغاز في الشرق الأوسط بحلول 2020، كان هذا هو التصريح (القديم – الجديد) الذي أعيد تداوله على نطاق واسع بوسائل الإعلام المصرية، بعد لقاء الرئيس عبد الفتاح السيسي بثلاثة من رؤساء شركات بترول عالمية في 27 مارس، وقد التقى كلا منهم بشكل منفصل، قبل لقاء "بروتوكولي" ضم الجميع أمام كاميرات الصحافة والإعلام، وهي شركات "إيني" الإيطالية، و "بريتش بتروليم" البريطانية، و "روزنفت" الروسية.

كلمة السر، بحسب التقارير الإعلامية، تدور حول حقل ظهر، في منطقة امتياز "شروق" بالبحر المتوسط، والذي تتقاسم شركات "إيني" و "بريتش بتروليم"، السيطرة عليه، أكبر حقل غاز في البحر المتوسط، وفق تقديرات.

وبحسب السفير علاء يوسف، المتحدث الرسمي باِسم رئاسة الجمهورية، فإن رؤساء شركات البترول العالمية، عبروا خلال اللقاء عن تفاؤلهم بمستقبل الطاقة في مصر، في ضوء الاكتشافات الأخيرة من الغاز الطبيعي، والاهتمام البالغ والمتواصل الذي توليه القيادة السياسية لتطوير مشروعات الغاز والنفط في مصر.

تصدير أم استيراد؟

المثير أنه في نفس اليوم كان هناك وفد من شركة "دلك" الإسرائيلية في القاهرة لوضع اللمسات الأخيرة على الاتفاق الذي وقعته مصر، عبر شركتي (دولفين) و (علاء عرفة) لاستيراد الغاز من "تل أبيب"، لمدة 15 عاما بعقد قيمته 20 مليار دولار.

واقعيا، هناك سؤالان يملآن فراغ التحليلات حول ها الشأن، أولهما: كيف ستتحول مصر إلى مركز عالمي للطاقة بفضل اكتشافاتها الأخيرة واحتياطياتها الهائلة، وفي نفس الوقت توقع عقدا لاستيراد الغاز الإسرائيلي؟

أما السؤال الثاني، فيتعلق بالأسواق التي قد تصدر لها مصر غازها الطبيعي "الهائل"، وفقا للتصريحات الصحفية.

تعويض "إسرائيل"

عند محاولة الإجابة على السؤال الأول، ثمة تحليل بارز يشير إلى أن استيراد مصر للغاز الإسرائيلي، تم بصيغة "تعويضية"، لإرضاء "تل أبيب"، مقابل عدم تحريك الأخيرة دعاوى تحكيم دولي ضد القاهرة، ستكلفها ملايين الدولارات.

لكن قيمة العقد المعلن عنها، منذ أيام، لاستيراد الغاز الإسرائيلي، والبالغة 20 مليار دولار، ومدتها التي تصل إلى 15 عاما، تثيران الشكوك حول هذه الفرضية، فإجمالي التعويضات التي كانت تطالب بها "تل أبيب" لم تكن ستتجاوز 2 مليار دولار فقط، فهل يكون التعويض بقمية 20 مليار؟

التحليل الثاني هو أن الصفقة سياسية، مقابل تعهد إسرائيلي باستمرار دعم السيسي لفترة رئاسية جديدة، أو فترات، ولعب أدوارها المعهودة في الضغط أمريكيا وأوروبيا للإبقاء على شرعية الرئيس المصري، وهو تحليل له جانب من المنطقية حاليا، ويعزز تلك المنطقية قيمة عقد استيراد الغاز الإسرائيلي.

إنتاج "صوري"

التحليل الثالث، يشير إلى أن الأحاديث المصرية عن الإنتاج الأسطوري لحقل "ظهر" ليس واقعيا، ويأتي فقط للاستهلاك المحلي، ومحاولة رفع الروح المعنوية لملايين المصريين، لا سيما الذين أيدوا السيسي.

أصحاب هذا التحليل، وأبرزهم نائل شافعي، مؤسس موسوعة "المعرفة" والمحاضر في معهد ماساتشوستس للتقنية والاستشاري ببرنامج الأمم المتحدة الإنمائي، يرون بوضوح أن مصر ستعلن عن بداية الإنتاج من حقل "ظهر"، خلال العام المقبل، ولكن بشكل صوري.

"شافعي" تحدث عن أفضلية مصرية عن "إسرائيل" في مسألة تصدير الغاز، إن كانت الإرادة المصرية حقيقية، وأبرز أسباب تلك الأفضلية هو إحجام المستثمرين عن تمويل خطوط الغاز الإسرائيلة للتصدير، بسبب الخوف من استهداف تلك الخطوط دوريا بواسطة مسلحين، استنادا إلى كثرة أعداء "إسرائيل" في المنطقة.

أين السوق؟

السؤال المحوري الآخر، على افتراض صحة الأرقام المصرية ونوايا التصدير، فأي سوق قد يكون مستعدا لاستقبال الغاز المصري؟

لا تزال أوروبا تمثل سوقا مزدهرة للغاز الطبيعي، لكن السوق الأوروبي يخضع في معظمه للدب الروسي، ولن تسمح موسكو لأحد أن ينافسها في ذلك السوق، ووفقا لذلك التحليل، فإن مصر لن تكون قادرة على استهداف الأسواق الأوروبية.

ثمة واقعة يستشهد بها أصحاب هذا الرأي، تتعلق برفض روسي للخطوة التي حدثت في ديسمبر 2016، عندما وقعت المغرب اتفاقية مع نيجيريا، التي تمتلك احتياطيات غازية هائلة، لاستيراد الغاز النيجيري، وتمريره – عبر المغرب – إلى أوروبا، وهي خطوة نظرت إليها موسكو على أنها تهديد لفرصها في السوق، فأرسلت أمين مجلس الأمن القومي الروسي إلى الرباط لمناقشة الأمر مع الملك المغربي محمد السادس، وتردد أن الروس هددوا بتشجيع البوليساريو  (جبهة تدعو لانفصال جنوب المغرب) على تهجير السكان من الشرق وإسكانهم بالقرب من (الكركرات) مما يعني تهديدا مباشرا للمشروع".

أفريقيا مملوءة

ما سبق قد يعني أيضا عدم وجود سوق في أفريقيا لاستقبال الغاز المصري، في ظل الاحتياطيات الهائلة التي تملكها نيجيريا، والتي تمكنها من التصدير لوسط القارة وغربها، علاوة على اكتشافات غازية ضخمة في شرق أفريقيا، وبالتحديد في تنزانيا وموزمبيق، وهناك أيضا دول أفريقيا في جنوب الصحراء، والتي تمتلك احتياطيات كبيرة من الغاز.

بالطبع، لن يكون مفيدا الحديث عن إمكانية تصدير الغاز المصري إلى الأسواق الخليجية، التي لديها فائض في إنتاج الغاز، لا سيما دولة قطر.

وفقا لما سبق، وإذا كان من ترجيح، فإن الأمر يذهب أكثر إلى افتراضية أن تكون التصريحات المصرية حول التصدير وتحولها إلى سوق طاقة عالمي مجرد زوبعة في فنجان، لإنعاش الرأي العام الداخلي في البلاد.... ليس إلا..!!