«توازن الرَّدع».. هل يُمهِّد «اصطياد الأسد» صفقة الحلّ السوري بين واشنطن وموسكو؟

«توازن الرَّدع».. هل يُمهِّد «اصطياد الأسد» صفقة الحلّ السوري بين واشنطن وموسكو؟

05:30 ص

13-أبريل-2017

لكن إلى أي مدىً يُمكن لهذه الاستراتيجية النجاح في ظلّ ردود الأفعال الروسية والإيرانية على ضربة "الشعيرات" الأخيرة؟ وهل ثَمَّة احتمالات لسيناريو المواجهة المباشرة بين أمريكا وحلفائها من جانب، وروسيا وحلفائها من جانب آخر؟.

"البراميل خط أحمر".. هكذا أعلن البيت الأبيض، الإثنين (10 أبريل)، أن الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، مُستعدٌ لوضع محظور جديد لنظام بشار الأسد في سوريا، يتمثَّل في البراميل المُتفجّرة، وذلك بعد أيام على الضربة الأمريكية لقاعدة "الشعيرات" العسكرية؛ رداً على هجوم النظام على مدينة "خان شيخون" بأسلحة كيماوية.

وكشف هذا الإعلان عن استراتيجية ترامب الجديدة إزاء الملف السوري، التي تعتمد على فرض واقع جديد على الأرض يُمثل رادعاً صارماً لنظام بشار الأسد وخطوة للأمام في إطار تعزيز توازن الرَّدْع مع روسيا.

الولايات المتحدة بحاجة ماسَّة إلى هذه الاستراتيجية، وفقاً لإدارة ترامب، بعد تراجع مكانتها بالشرق الأوسط في عهد سلفه، باراك أوباما، وتركها لفراغ شغله الدُّبّ الروسي، فضلاً عن تحوّل الأراضي السورية إلى أحد مراكز تنظيم "داعش".

لكن إلى أي مدى يمكن لهذه الاستراتيجية النجاح في ظل ردود الأفعال الروسية والإيرانية على ضربة "الشعيرات" الأخيرة؟ وهل ثَمَّة احتمالات لسيناريو المواجهة المباشرة بين أمريكا وحلفائها من جانب، وروسيا وحلفائها من جانب آخر؟ وكيف يتشكَّل توازن الرَّدع بين الجانبين بعد صعود ترامب إلى الحكم؟.

عنصر المفاجأة

تعتمد إدارة ترامب على عنصر المفاجأة في ترسيخ واقعها الجديد على الأرض السورية، وهو ما يُفسّر تكرار الرئيس الأمريكي تأكيده على أن ردوده العسكرية لن تكون "مُعلنة" قبل تنفيذها، بما يعني توجيه رسالة مفادها أن المفاجآت العسكرية واردة في أي وقت، وأن الرادع الأمريكي بَاتَ حاضراً بقوّته المُباشرة على الأرض.

تلقَّفتْ موسكو الرسالة الأمريكية بمزيد من التصعيد، بالتنسيق مع إيران، في إطار محاولة لحفظ نوع من توازن الرّدع مع واشنطن، خاصة في ظل المُكتسبات التي حصَل عليها الدُّبّ الروسي في سوريا، والذي يعتبره المحللون السبب الرئيس في بقاء نظام "بشار الأسد" حتى اليوم.

وفي هذا السياق، هدَّدتْ روسيا وإيران بالرَّدّ على أي هجوم أميركي جديد على سوريا، واعتبر كل منهما ضربة "الشعيرات" "تجاوزاً للخطوط الحمراء"، في رسالة مفادها أن خطوط واشنطن الحمراء سيُقابلها خطوطاً أخرى روسية – إيرانية.

صدام حتمي

من هنا جاء تحذير الجنرال الأمريكي المتقاعد، "جون ألين"، من أن "استمرار الولايات المتحدة في هذا النهج، وتصعيدها ضربة "الشعيرات" إلى استهداف شامل لقواعد قوات الأسد وقدراتها العسكرية يعني صدامًا حتميًّا مع أنظمة الدفاع الجوي الروسية القادرة على إسقاط الطائرات الأمريكية".

وتوقَّع المسؤول السابق في ملف الدفاع بإدارة أوباما، "أندرو إكسوم"، الأمر ذاته، مشيرًا إلى أن طائرات الولايات المتحدة تحرَّكت عبر أنظمة الدفاع الجوي الروسية خلال العامين الماضيين، دون استهداف؛ لأن ضرباتها كانت مُركّزة باتجاه أهداف لتنظيم "داعش".

وأشار "إكسوم" إلى أنه في حال تكرار الاستهداف الأمريكي المباشر للنظام السوري فإن روسيا ستكون لديها الذريعة الكافية للبدء في استخدام أنظمة مُضادة للطائرات، مُحذرًا من أن تحرُّكًا من هذا القبيل يمكن أن يُثير بعض شركاء الائتلاف الأمريكي ويدفعهم إلى الانسحاب من القتال.

وفي حال حدوث هذا السيناريو، فإن الولايات المتحدة ستكون في قلب الحرب السورية، الأمر الذي يُعرّض حياة كثير من الأمريكيين للخطر، ويجعل أولوية الحرب ضد "داعش" أصعب، بحسب الخبير الأمريكي.

تحاول روسيا إذن الرَّدّ على الردع الأمريكي بردعٍ مُضاد يحفظ توازن الحالة السورية، التي تراها تصُبُّ في صالحها، طالما استمر نظام بشار الأسد، الأمر الذي تنبَّهتْ له إدارة أوباما بتعديل تصريحاتها الرسمية.

إسقاط الأسد

رصد المراقبون هذا التعديل بعد استدراك السفيرة الأمريكية لدى الأمم المتحدة، "نيكي هالي"، لتصريح سابق، أكَّدتْ فيه أن إسقاط بشار الأسد ليس أولوية على أجندة بلادها، باعتبار أن القضاء على تنظيم "داعش" يأتي في مقدمة الأهداف.

عادت "هالي"، بعد ضربة "الشعيرات"؛ لتُؤكّد أن إسقاط الأسد أولوية أمريكية، وأنه لا يُمكن الوصول إلى حلٍّ سياسي في سوريا في ظل بقائه بالسلطة.

ويُعدّ هذا الاستدراك بمثابة الرّد الأمريكي على "خط روسيا الأحمر"، عبر الإشارة إلى استهداف حياة الأسد شخصياً، وهو ما أشارت إليه تقارير العديد من الصحف الغربية التي تحدَّثت عن إجراءات جديدة لتأمين حياة رئيس النظام، تتضمَّن "اختبائه" في مكان سرّيّ تحت الأرض، ومنع استخدامه للهاتف المحمول حتى لا تترصده الأقمار الصناعية.

ولذا يرى مراقبون أن هذه الورقة ستكون هي عنصر الضغط الأمريكي في لعبة توازن الردع مع روسيا خلال الفترة المقبلة، وهو ما عبَّر عنه السيناتور الأمريكي "ليندسي جرام"، عندما وجَّه رسالة إلى الأسد قال فيها: "إذا كنتَ عدوّاً للولايات المتحدة ولا تهتم بماذا يُمكن أن يفعله ترامب بك فى أية لحظة، فأنتَ مجنون".

ودعا السيناتور، الداعم لقرار ترامب الخاص بضربة "الشعيرات"، العسكريين الأمريكيين إلى تدريب المعارضة السورية المعتدلة على "اصطياد الأسد".

توازن الردع

ولعل ذلك ما يُفسّر ترحيب عضو المجلس الوطني التركماني السوري، "محمد الشمالي"، بالمعادلة الأمريكية – الروسية الجديدة على الأرض، داعياً الجيش الحُرّ لاستغلال هذه الفرصة لبناء استراتيجية وتكتيكات جديدة، للتقدُّم في جبهات أخرى.

وقال "الشمالي": إن توازن الردع الجديد، والتصعيد باستهداف الأسد شخصياً مرة أخرى، سيُشكّل ضغطًا أكبر على النظام، وربما يدفعه للقبول بحلٍّ يُؤدّي إلى هيئة حكم انتقالية بصلاحيات تنفيذية كاملة، دون الأسد، مع طلب محاكمته ورموزه على جرائمهم بحق السوريين.

الشواهد تُؤكّد أن كثيراً من أطراف المعارضة السورية على استعداد لقبول حل سياسي مع "النظام"، لكن دون وجود "الأسد"، وأن موسكو تُريد الحفاظ على مصالحها بالدرجة الأولى، وليس على شخص "بشار" بالضرورة، فإذا تمَّ تأمين هذه المصالح في إطار مستقبل "سوريا الجديد" فلا مانع من رحيل "الأسد".

فهل تصل واشنطن لاتفاق "حلول وسط" مع موسكو وفق هذه الصيغة؟ هل ينضم "بشار الأسد" إلى قائمة "معمر القذافي" و"صدام حسين" أم أن إدارة ترامب لديها رؤية أخرى؟.

المُؤكّد أن واشنطن باتتْ تُمثّل الفعل، فيما أصبحت روسيا وإيران في خانة رد الفعل، وهو ما استهدفه الرئيس الأمريكي منذ بداية فترة ولايته، واصفاً سياسات سلفه (أوباما) بالكارثية.

الأيام القادمة ستكشف الكثير في توازن الرَّدع الأمريكي – الروسي، والمُؤكَّد أن ما بعد ضربة "الشعيرات" ليس كما قبلها.