ما مصير السياحة الروسية بعد استثناء موسكو القاهرة من تأشيرتها دون شروط؟!

ما مصير السياحة الروسية بعد استثناء موسكو القاهرة من تأشيرتها دون شروط؟!

08:28 ص

18-أبريل-2017

هذا التزامن، يُعزِّز الأحاديث المُتردِّدة بشأن الصفقة التي اتفق البلدان على تنفيذها، فمقابل عودة السياحة الروسية إلى مصر، تقبل القاهرة بنشر قوات روسية على أراضيها..

من جديد تَتعسَّر أزمة عودة السياحة الروسية إلى مصر، وتواصل موسكو ما بدأته على مدار نحو عامين، ويُمكن أن نُسمّيه ابتزازًا بحق القاهرة منذ سقوط طائرتها فوق سيناء أواخر أكتوبر 2015.

نائب رئيس الوكالة الاتحادية الروسية للنقل الجوي أعلن أن موظفي شركة AeroMASH  المختصين في أمن الطيران بمطار "شيريميتيفو" الروسي سيُتابعون إجراءات أمن الطيران في مصر.

اللافت أن ما اعتبر تسويفًا روسيًا في استئناف الطيران إلى مصر وعودة حركة السياحة، يأتي تزامنًا مع إلغاء موسكو تأشيرة دخول الأراضي الروسية لمواطني 9 دول عربية ليس من بينها مصر.

فهل هذا جزاء مصر، التي قدمت ما لم تُقدّمه لأحد في إطار التعاون مع روسيا؟ وما الرسالة التي تحملها مواقف الدُّبّ المُتعاقبة؟.

صفعة مزدوجة

ما قدّمته مصر، عَدَّه كثيرون تنازلات، سعَتْ من خلالها إلى توطيد العلاقة مع روسيا من جانب، والإلحاح في عودة السياحة من جانب آخر.

آخر شواهد تلك التنازلات ما نشرته وكالة "رويترز" منتصف مارس الماضي، حين نسبتْ إلى مصادر خاصة قولها: إن روسيا نشرتْ قوات خاصة في قاعدة "سيدي براني" بمرسى مطروح.

المصادر نفسها كشفت أن روسيا استخدمت قاعدة مصرية أخرى إلى الشرق من "سيدي براني" بمرسى مطروح في أوائل فبراير الماضي.

الغريب أن تلك الأنباء التي جاءت على لسان مسؤولين أمريكيين ومصادر أمنية مصرية، لم تُسمّها الوكالة، تزامنت مع تصريحات روسية بشأن قرب توقيع بروتوكول مع مصر يُمهّد لعودة الطيران المتوقف بين البلدين واستئناف حركة السياحة.

هذا التزامن، يُعزِّز الأحاديث المُتردِّدة بشأن الصفقة التي اتفق البلدان على تنفيذها، فمقابل عودة السياحة الروسية إلى مصر، تقبل القاهرة بنشر قوات روسية على أراضيها.

لكن يبدو أن الرّهان المصري كان خاسرًا، حيث قدَّمت القاهرة "السبت" لكن "الأحد" لم تَردُّه موسكو، بل رَدّها كان بمثابة الصفعة المُدوّية، التي ربما تلقّتها القاهرة بنفسٍ راضية، حتى الآن.

الصفعة المزدوجة شكَّلها حدثان: استثناء مصر من إلغاء تأشيرة دخول روسيا، والتعثُّر الذي أصاب ملف السياحة رغم ما أبدته مصر من مُرونةٍ مُعلنة في تنفيذ الاشتراطات الروسية المتعلقة بالجانب الأمني في المطارات، إلى الحد الذي أكَّد فيه رئيس الشركة المصرية القابضة للمطارات، المهندس محمد سعيد أن "الجهات المصرية وفَّرتْ كل ما تمَّ الاتفاق عليه مع الجانب الروسي، من متطلبات تأمينية".

تنازلات أخرى

وعلى الرغم من أن التواجد العسكري الروسي، يُعدُّ أبرز ما قدمته مصر من "تنازلات" إلا أن ممارسات أخرى يمكن أن تدخل ضمن هذا الإطار.

فلا تزال "صفقة الذهب" تحظَى بالتناول، تلك الصفقة التي يتمُّ بموجبها إرساء مزايدة لاستخراج الذهب بـ 4 مناطق فى الصحراء الشرقية، بالإضافة إلى موقع بمدينة "دهب" بمحافظة جنوب سيناء، لشركة "سينتيز" المملوكة للحكومة الروسية.

خبراء وجيولوجيون أكَّدوا أكثر من مرة أن مصر لا تزال تمتلك احتياطيات هائلة من الذهب، لا سيما تحت رمال صحرائها الشرقية، وهو ما أظهرته بيانات الأقمار الصناعية.

ومن بعيد تلُوحُ في الأفق مليارات المصريين التي أنعشت خزينة موسكو، في صفقات سلاح هبطت إلى القاهرة، خاصة خلال عامي 2015 و2016، اختلف المختصون في تقدير أهميتها.

وفي إطار الحديث عمّا قدّمته مصر من أجل نيل "الرِّضَا الروسي"، يبرُز اتفاق تمويل موسكو لإنشاء محطة "الضبعة" النووية، بقرض قيل إن قيمته مبالغٌ فيها، حيث يتخطَّى 20 مليار دولار، تتحمَّل تكاليفه أجيال قادمة.

وبعيدًا عن صراعات السلاح، فإن دهاليز السياسة والدبلوماسية تشهد على مساندة مصرية لروسيا لم يَسبق لها مثيل، وهو ما ظهر جليًا في موقف مصر من الأزمة السورية على المستوى السياسي، وفي مجلس الأمن أيضًا.

هل وصلت الرسالة؟

ورغم ما تقدّم، فإن لسان حال روسيا وكأنها تُخاطب مصر متساءلة: هل وصلت الرسالة؟ رسالة تبدو واضحة المعالم، عبر مراحل ملف عودة السياحة، وثبَّتتها أزمة التأشيرة الأخيرة.

ولعل الموقف الروسي يُمكن قراءته في إطار "العقاب" الذي تُوجّهه لمصر، بعد تقاربها الأخير مع أمريكا، وهو ما ظهر بشدة في أثناء وعقب زيارة الرئيس عبد الفتاح السيسي لواشنطن ولقائه نظيره دونالد ترامب.

هذا العقاب، يبدو أن مصر لم تقف بعده صامتة، بل كان ردها سريعًا للغاية، بما يُوحي أن ردَّها على السؤال الروسي: "نعم.. وصلت الرسالة وهذا ردُّنا".

التحدّي المصري - إن جاز التعبير - كان محله مجلس الأمن الدولي قبل أيام، حيث أيَّدتْ مصر مشروع القرار الأمريكي الأوروبي الذي يُدين نظام بشار الأسد في مجزرة الكيماوي بـ "خان شيخون"، بينما استخدمت موسكو حقّ الفيتو لإجهاضه.

القرار المصري لم يكن تحديًا لروسيا فقط، بل إمعانًا في تأكيد التقارب مع أمريكا، إلى حَدٍّ أجبر القاهرة على اتخاذه رغم تعارضه مع موقفها المُعلن قبل التصويت على مشروع القرار، والذي اكتفت فيه بالإعراب عن قلقها إزاء حالة الاستقطاب داخل المجلس.

إذًا فالشواهد الروسية وَرَدُّ الفعل المصري الوحيد - إلى الآن - تصبُّ جميعها في احتمالية عودة القاهرة إلى أحضان أمريكا، والابتعاد عن المعسكر الروسي، بعد سنوات من التقارب.

لماذا السياحة الروسية؟

من المُؤكّد أن الحرص المصري على عودة السياحة الروسية، لا يقتصر مرجعه إلى رغبة في توطيد العلاقات مع هذه الدولة القوية فحسب، بل يتعدَّاه إلى أغراض اقتصادية بحتة.

تُعدُّ السياحة الروسية مصدراً مهماً لدعم موارد مصر من العملات الصعبة، ومُحرّكاً لتنشيط عدة قطاعات أخرى، خصوصًا أنها تُمثِّل 50% من إجمالي السياحة الوافدة إلى مصر.

ففي عام 2014، حافظت مصر على مكانتها كأهم وجهة سياحية للمواطنين الروس، وبحسب بيانات وزارة السياحة المصرية، فقد حقَّق السياح الروس 2.5 مليار دولار إيرادات لمصر عام 2014، من أصل 7.3 مليار دولار حقَّقها قطاع السياحة ككل خلال العام نفسه.

التأثر ظهر بحِدّة في الربع الأول من عام 2016، حيث بلغت إيرادات السياحة في مصر 500 مليون دولار فقط، مقابل 1.5 مليار دولار في الفترة نفسها من 2015.

كما انخفضت عائدات السياحة بواقع النصف في السنة المالية 2015 - 2016 لتصل إلى 3.77 مليار دولار، متأثرةً بعدّة عوامل أبرزها تراجع السياحة الروسية.