سلاح الإعدامات.. شواهد صفقة «رئاسية – قضائية» لقبضة طوارئ حديدية

سلاح الإعدامات.. شواهد صفقة «رئاسية – قضائية» لقبضة طوارئ حديدية

12:23 ص

25-أبريل-2017

"توقيت" إعدامات "كرداسة" لا يخلُو من أغراض سياسية، خاصة في ظلّ تداول أنباء عن استجابة "النواب" لمطالب إعادة النظر في تعديل قانون السلطة القضائية، الذي أثار غضباً كبيراً في أوساط المستشارين.

جاء حكم محكمة جنايات القاهرة، الإثنين (24 أبريل)، بإحالة أوراق 20 متهماً إلى المفتي لاستشارته في الحكم بإعدامهم، بعدما نَسبتْ إليهم السلطات التورُّط في أعمال عنف بمركز "كرداسة" (محافظة الجيزة)، تلَتْ مذبحة فضّ اعتصامين لمؤيدي الرئيس السابق محمد مرسي؛ ليَدُقَّ جرس إنذار جديد حول مؤشراتٍ لاتجاه بـ "تسريع الإعدامات" في الفترة المقبلة، بحسب مراقبين.

تصريحات الرئيس المصري، عبد الفتاح السيسي، بعد جريمة تفجير الكنيستين، بطنطا والإسكندرية، وقراراته بإنشاء مجلس أعلى لمكافحة التطرف والإرهاب، وإعلان حالة الطوارئ، وانتقاداته المتكررة لمنظومة المحاكمات الحالية، أكَّدَت اتجاه الرئاسة لإجراءات من شأنها فرض "قبضة حديدية" تضمن تسريع التقاضي وتنفيذ الأحكام في الفترة المقبلة.

وتضمَّنتْ قرارات السيسي ما اعتمد عليه المراقبون في تحليلاتهم بشأن هذا المستقبل، فإعلان الطوارئ يعني عودة محاكمها غير القابلة للطعن على ما تُصدره، الأمر الذي يراه كثير من مؤيدي السلطة كفيلاً بحلّ إشكالات الأداء القضائي البطيء - من وجهة نظرهم - فيما يراه معارضوها مدخلاً لإعدامات سياسية بالجملة.

لكن ما علاقة هذه التحليلات بإعدامات "كرداسة"؟ وما هي دلالة صدورها في هذا التوقيت تحديداً رغم تداولها منذ عام 2013، وصدور حكم الإعدام الأول في شهر فبراير من عام 2015؟.

تعميم الطوارئ

مدخل التوقيت هو ما ارتكز عليه تحليل معارضي السلطة، خاصة أن شبهة التَّسييس في أعمال القضاء لم تعُد تحتاج إلى كثير جدل في ظل أحكام سابقة بالسجن المؤبد والإعدام بحق معارضي النظام الحالي، أكَّدت العديد من منظمات حقوقية دولية (بينها "هيومن رايتس ووتش" والعفو الدولية) انتهاكها لأبجديات المحاكمة العادلة.

فإعدامات "كرداسة" صدرت بعد إعلان رئيس مجلس النواب، الدكتور علي عبد العال، موافقة المجلس، من حيث المبدأ، على مشروع بقانون لتعديل أحكام قانون الإجراءات الجنائية.

وتشمل التعديلات المقترحة تعديل إجراءات الطعن على الأحكام الجنائية، بما يُقلِّص عدد مراحل التقاضي إلى اثنين فقط.

وبناء على هذا التعديل فإن المحاكمات الجنائية ستكون على درجة واحدة، على أن تنظر محكمة النقض "موضوعياً" في طعونها، وتُقرّر ما إذا كانت ستُؤيّدها أم لا، وهو ما يُخالف المبدأ المستقر تاريخياً باعتبار النقض محكمة قانون لا محكمة موضوع، بمعنى أن تفصل في إعادة المحاكمة من عدمها، لا أن تنظر في موضوع القضية محل النظر.

ووفق هكذا إجراء، ستبُتُّ محكمة النقض في إعدام المتهمين بالإرهاب، دون إعادتهم للمحاكمة إلى دائرة جنايات أخرى، كما هو مُتّبع حالياً.

وبإضافة تمرير التعديل إلى بدء المجلس الأعلى للقضاء في التنسيق مع رئاسة الجمهورية بشأن تشكيل محاكم أمن الدولة للطوارئ من المستشارين بمحاكم الاستئناف، وفقاً لإعلان حالة الطوارئ، يُمكن الوصول إلى استنتاج مفاده أن "الطوارئ تستهدف المستقبل"، أما الحاضر فتعديل الإجراءات الجنائية كفيلٌ به.

فالسيسي وأنصاره يُطالبون بتسريع القضاء الجنائي، ومن ثَمَّ تسريع تنفيذ أحكام الإعدام، بما يُمثّل رادعاً للإرهابيين، حسب توصيفهم، وهذا مضمون بمحاكم الطوارئ مستقبلاً، لكنه غير مضمون لمن هم على ذمة قضايا فعلاً بأروقة المحاكم الجنائية المدنية، بتهمة التورط في أعمال تصفها السلطة بأنها "إرهابية"، وعددهم بالآلاف.

تعديل الإجراءات الجنائية، وفق ما تم إعلانه، سيكون كفيلاً بضمان "الحاضر"، عبر ذهاب المتهمين إلى محاكم مدنية لا تختلف كثيراً، في مضمونها، عن محاكم الطوارئ.

تصفية الماضي

لكن تظلّ ملفات "الماضي" بحاجة إلى "تصفية"، كي يتحقّق للرئيس ما يُريده، ولا يُمكن تصفية هذا الماضي، إلا عبر "تحفيز" السلطة القضائية الحالية على البَتّ في الطعون المُقدّمة لديها بالفعل، ثم قطع السبيل على حق تقديم هذه الطعون، سواء بشكل مباشر (محاكم الطوارئ)، أو بشكل غير مباشر (تعديل قانون الإجراءات الجنائية).

من هنا يرَى معارضو السلطة أن "توقيت" إعدامات "كرداسة" لا يخلُو من أغراض سياسية، خاصة في ظل تداول أنباء عن استجابة "النواب" لمطالب إعادة النظر في تعديل قانون السلطة القضائية، الذي أثار غضباً كبيراً في أوساط المستشارين.

وسبق لـ "القصة" تقديم تحليلات مُعمّقة حول دلالات التعديلات المقترحة من قبل النائب المُقرّب من الرئاسة، محمد أبو حامد، وردود الأفعال الصاخبة قضائياً بشأنها.

وفي حال تحقَّقت هذه الأنباء على أرض الواقع، فإن حديث "الصفقة"، المتداول بين معارضي السلطة، لا يُعبّر عن القضاء والبرلمان بقدر ما يُعبّر عن القضاء والرئاسة في الحقيقة.

فكثيرٌ من القضاة لا يعتبرون البرلمان سلطة حقيقية، ويرون فيه واجهة لتوجهات الرئاسة، وهو ما يُعبّر عنه تصريح لرئيس جهاز المحاسبات السابق، المستشار هشام جنينة، صراحةً بقوله: "لما يبقى عندنا برلمان يبقى نتكلّم عن تشريعات".

وسيُمثّل تمرير هكذا صفقة - في حال صحتها - انتهاكاً لأبسط مبادئ المحاكمة العادلة، وبالتالي إعدام الكثير من الأبرياء، حسبما يرَى العديد من خبراء القانون ومراقبي حقوق الإنسان.

ضد الدستور

وفي هذا السياق، تجدر الإشارة إلى المادة 240 من الدستور، الذي تمّ إقراراه عام 2014، تنصُّ على: تكفل الدولة بإجراءات تنظيم التقاضي الجنائي على درجتين (ابتداء واستئناف) قبل العرض على محكمة النقض في النهاية، وذلك في مدة لا تتجاوز 10 سنوات، بما يعني أن تعديلات قانون الإجراءات الجنائية تُمثّل سيراً في عكس اتجاه الدستور تماماً.

لكن خبراء القانون والدستور، الموالين للسلطة (يصفهم المعارضون بالترزية)، يرون في مدة الـ 10 سنوات ما يُبرّر التعديلات ويُمرّرها، ففي الوقت مُتسعٌ، وهو كفيل بتصفية من تراهم السلطة "إرهابيين"، ومن ثَمّ يمكن تقنين إعادة التقاضي الجنائي إلى درجتين.

ويُعزّز من حديث المعارضين عن الصفقة وخلفياتها تزامن إعدامات "كرداسة" مع قرار أصدرته محكمة النقض في اليوم ذاته (الإثنين 24 أبريل) برفض طعن المتهم "فضل المولى" (أحد مؤيدي الرئيس الأسبق محمد مرسي).

أيّدت "النقض" الحكم الصادر ضد "فضل المولى" بالإعدام في القضية المعروفة إعلامياً بـ "أحداث شغب الإسكندرية (15 أغسطس 2013)، كما رفضت طعن باقي المتهمين بالقضية وأيّدت عقوبة السجن ضدهم.

لكن حديث الصفقة يظلّ مرفوضاً لدى أنصار السلطة الحالية، حيث عبَّرُوا عن تأييدهم لأحكام الإعدام الأخيرة، وطالبوا بالمزيد منها لضمان مكافحة ناجعة للإرهاب، بلسان مقالٍ يُطابق الحال: "تحيا مصر.. تحيا مصر.. تحيا مصر".