عمليات حركة «حسم» المسلحة.. استراتيجية «الثأر» (قراءة)

عمليات حركة «حسم» المسلحة.. استراتيجية «الثأر» (قراءة)

03:11 ص

05-مايو-2017

القبضة الأمنية المفروضة والمُلاحقات المستمرة لأبناء التيار الإسلامي، دفعت بعضهم لتشكيل مجموعات عُنف ناشئة، لا ترتبط بعقيدة "الجهاد" التي تُصدّرها التيارات الجهادية، ولكن بفكرة "الثأر" بعد إراقة الدماء.

نفَّذَتْ حركة سواعد مصر "حسم" – أحد جماعات العنف الناشئة - 12 عملية ضد قوات الشرطة ومستشارين منذ بداية ظهورها على الساحة المصرية في يونيو 2016.

وأعلنت الحركة مسؤوليتها عن استهداف كمين مدينة نصر، الثلاثاء الماضي، الذي أسفر عن مقتل ضابطين وإصابة 5 آخرين من أفراد الشرطة.

وبَدَتْ "حسم" أكثر تطوّراً عن نظيراتها من جماعات العنف الناشئة في مصر، والتي ظهرت في أعقاب الإطاحة بالرئيس المعزول محمد مرسي في 3 يوليو 2013، كرَدّ فعل على العنف الشديد تجاه مؤيدي "مرسي".

وتعتمد الحركة الناشئة على استراتيجية "الثأر"، حيث استهداف رجال الشرطة والقضاة من الذين صَدَر منهم أي ظلم لمؤيدي "مرسي"، بحسب بياناتها الإعلامية.

استمرار عمليات الحركة المسلحة، يُنذر بفشل الأجهزة الأمنية في تفكيك الخلايا التابعة لها، على الرغم من الإعلان بين الحين والآخر عن تصفية عناصر تابعة لـ "حسم".

ظروف النشأة

ظهرت حركة "حسم" في يونيو 2016، في ظل أوضاع صعبة حيث التوسُّع في الاعتقالات والتصفيات الجسدية التي تُنفذها الأجهزة الأمنية.

وتعيش مصر أوضاعاً مضطربة منذ الإطاحة بالرئيس المعزول "محمد مرسي" من الحكم في 3 يوليو 2013، خاصة بعد فضّ اعتصاميْ أنصاره في ميداني "رابعة العدوية" و"النهضة"، وما صاحبه من سقوط مئات القتلى والمصابين فضلاً عن الاعتقالات.

وظهرتْ في مصر عدة جماعات يُصطلح على تسميتها "جماعات العنف الناشئة" – تعتبر "حسم" جزءاً منها - للرد على عمليات القتل والاعتقالات وممارسات الأجهزة الأمنية في مواجهة التيار الإسلامي.

ولم تتمكَّن جماعات العنف الناشئة من الاستمرار في عملياتها مثل "المقاومة الشعبية" و"العقاب الثوري"، وما ترتَّب عليه من توقف عمليات استهداف قوات الأمن، لتظهر حركة "حسم".

وفي تلك الأثناء التي ظهرت فيها حركة "حسم" لم يكن يعمل على الساحة المصرية سوى تنظيم "الدولة الإسلامية" (داعش) عبر مجموعاته في محافظات الوادي والدلتا وتحديداً في إطار القاهرة الكبرى.

وخلافاً لتلك المجموعات التابعة لـ "داعش"، لم يُستدلّ على تبعية الحركة الناشئة لأي من التنظيمات الجهادية أو نسبتها لأي من التيارات الإسلامية الرافضة للنظام الحالي.

استراتيجية الثأر

القبضة الأمنية المفروضة والملاحقات المستمرة لأبناء التيار الإسلامي، دفعت بعضهم لتشكيل مجموعات عنف ناشئة، لا ترتبط بعقيدة "الجهاد" التي تُصدّرها التيارات الجهادية، ولكن بفكرة "الثأر" بعد إراقة الدماء.

ويتحدّث البعض عن أن "حسم" إحدى تلك المجموعات التي نشأت بالأساس على مبدأ أساسي "الثأر"، وحصرت عملياتها في إطار استهداف كل من شارك في إراقة الدماء أو الظلم الواقع على المعتقلين في السجون.

ويتَّضح من تحليل طبيعة عمليات الحركة الناشئة على الساحة المصرية، استهداف فئتين بشكل أساسي وهما "الشرطة والقضاة"، والأول كان أكثر استهدافاً.

وتُؤكّد الحركة على استراتيجية الثأر، في ختام بياناتها بالقول: "فلتدفعُون ثمن جرائمكم أضعافاً مضاعفة لكل دم أُسيل ويُسال ولكل مظلوم ذاق مرارة الظلم والقهر بأيديكم القذرة.. فلا أمن ولا أمان لكم ما دمنا نحمل سلاحنا مجاهدين في سبيل الله فإما نصرٌ أو شهادة".

دلائل الانتماء

وبنظرة على بانوراما عمليات "حسم" يَظهر أنها اختارت أهدافها بعناية بعد عملية تجميع معلومات حولها، خاصة في عمليات الاغتيالات لضباط وأفراد الشرطة، فمع كل "بلاغ عسكري" – بحسب توصيفها - تُعدِّد للانتهاكات التي ارتكبها هؤلاء الأفراد.

ومن واقع البيانات الخاصة بالحركة، يتضح أنها لا ترتبط بأي أفكار جهادية، فالمفردات المستخدمة بعيدة كل البعد عن تعبيرات وأحكام حاملي الأفكار الجهادي.

كما أن الحركة لم تجنح إلى إطلاق أحكام تكفيرية على رجال الشرطة والقضاة، ولكن اعتمدت على إطلاق لفظة "المجرم"، ولم تُعلِن عن سعيها لإقامة الخلافة الإسلامية.

ولكن الفكرة الإسلامية لم تُفارق الحركة، حيث استخدام مصطلحات مثل "الشهادة"، وختام بياناتهم بآية (قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُّؤْمِنِينَ).

وهنا حاولت الحركة تمييز نفسها عن مجموعات "داعش" التي تعمل في محافظات الوادي والدلتا، وأصدرتْ بياناً للتبرُّؤ من عمليات استهداف المسيحيين والكنائس.

ولم تُنفّذ الحركة أي عمليات على مؤسسات في الدولة بخلاف المباني الخاصة بوزارة الداخلية مثل زرع عبوة ناسفة في محيط نادي الضباط بمحافظة دمياط، في سبتمبر 2016.

تكتيك العمليات

تعتمد حركة "حسم" على التنوّع في تكتيك التنفيذ الذي يتناسب مع كل عملية مسلحة، وهو ما بَدَا واضحاً من تحليل "البلاغات العسكرية".

ونفَّذت الحركة 12 عملية مسلحة استخدمت فيها العبوات الناسفة والمواجهات المباشرة والتصفيات الجسدية وأخيراً السيارات المُفخَّخة.

عمليات "حسم" بَدَا عليها التطور عن نظيراتها من حركات العنف الناشئة، لناحية التخطيط واختيار الأهداف بعناية بعد عمليات رصد ومتابعة دقيقة لتحقيق الهدف المرجو لديهم.

ولأول مرة تستخدم حركات العنف الناشئة السيارات المفخخة في عملياتها، إذ نفَّذت الحركة الجديدة استهداف موكب النائب العام المساعد المستشار "زكريا عبد العزيز" باستخدام سيارة مُفخَّخة، في 29 سبتمبر 2016.

كما كرَّرتْ نفس الأسلوب في استهداف المستشار "أحمد أبو الفتوح" في 4 نوفمبر 2016، ونجا "عبد العزيز" و"أبو الفتوح" من الاستهداف؛ لعدم قدرة الحركة على استخدام السيارات المفخخة بالوضع الأمثل مقارنة بجماعات جهادية لديها بَاعٌ طويلٌ في هذا الصَّدَد، لناحية اختيار التوقيت فضلاً عن حجم المتفجرات التي تتمكَّن من إصابة الهدف بشكل مباشر.

ويُؤشّر مُجمل عمليات الحركة بوجود تطور كبير لديها، بما قد يسمح بمزيد من التطوّر الذي يضع الأجهزة الأمنية في حرج، خاصة بعد عملية استهداف كمين مدينة نصر قبل يومين، ومقتل ضابطين وإصابة 5 آخرين من أفراد الكمين.

وربما لا تعتمد الحركة على عدة مجموعات مسلحة لها في محافظات مختلفة؛ نظراً لقلة عدد العمليات مقارنة بتوقيت نشأتها، فضلاً عن تنفيذ عملية خاطفة في محافظة ما وعدم الظهور فيها مُجدّداً، ولكن هذا لا يمنع وجود صلات بأطراف في هذه المحافظات دون غيرها.

ومحور عمليات الحركة كان في نحو 6 محافظات هي: (القاهرة – الجيزة – القليوبية – الفيوم – بني سويف – دمياط).

فشل الداخلية

التحدِّي الأكبر الذي يُواجه الحركة هو قدرتها على البقاء والاستمرار في تنفيذ عملياتها وعدم الوقوع في نفس أخطاء نظيراتها من حركات العنف الناشئة، التي تلازمها أزمة التخفي والاختباء عن أعين الأجهزة الأمنية.

وعادة ما تكون الحركات الناشئة قليلة الخبرة بالتعامل مع الأجهزة وقدرتها على تأمين عناصرها عبر التخفي، مقارنة بالحركات الجهادية التي يتلقَّى كوادرها دورات مُخصَّصة على التخفّي خاصة في الصراعات التي تكون في المدن.

ويُنذر استمرار عمليات "حسم" بفشل الأجهزة الأمنية في تفكيك خلايا الحركة خلال الفترة الماضية، على الرغم من إعلان وزارة الداخلية بين الحين والآخر تمكُّنها من تصفية عناصر تابعة للحركة.

وفي 8 أبريل الماضي، أعلنت وزارة الداخلية، عن مصرع عدد من العناصر المنتمية لجماعة "حسم" و"لواء الثورة"، بعد مداهمة مزرعة كائنة بقرية "الإمام الغزالي" بمحافظة البحيرة.

وفي 7 مارس الماضي، أعلنت عن تصفية ما وصفته بـ "أخطر" عناصر "حسم" بمحافظة الإسماعيلية.

ولكن الحركة لم تُعلن عن تصفية أحد عناصرها باستثناء إصدارها لنعي "محمد عاشور دشيشة"، الذي أعلنت الداخلية تصفيته في ديسمبر الماضي.

وتعتمد عمليات "حسم" على إرباك وتشتيت أجهزة الأمن، من خلال تنفيذ عمليات مسلحة في عدة محافظات، دون التركيز على محافظة بعينها يسهل معها استهدافهم.

ويفتح نعيُ الحركة لـ "دشيشة" واتباعها أسلوب كشف أسماء عناصرها الذي يتعرَّضون للتصفية الجسدية، البابَ واسعاً أمام هويّة الشباب الذين تُعلن وزارة الداخلية تصفيتهم ومدى علاقتهم بأي من الجماعات المسلحة التي تعمل على الساحة المصرية.