قصة صراع «الجيش والمخابرات والداخلية» على تجارة منافذ السلع (رصد وتحليل)

قصة صراع «الجيش والمخابرات والداخلية» على تجارة منافذ السلع (رصد وتحليل)

07:10 ص

16-مايو-2017

يربط البعض بين انشغال الجهات الثلاث بإنشاء منافذ للسلع، وتراجع الوضع الأمني بشكل كبير خلال الفترة الماضية؛ لعدم التفرُّغ لأداء المهام التي ينص عليها الدستور والقانون، وهو ما يُثير علامات الاستفهام حيال تعظيم مكاسب هذه الأجهزة في إطار محاولة استرضاء السيسي لهم لضمان استمرار الولاء له.

دخلت ثلاث جهات في الدولة مُمثَّلة في المؤسسة العسكرية والمخابرات العامة ووزارة الداخلية، في تنافس وصراع على إنشاء منافذ لبيع السلع الغذائية واللحوم المستوردة، تحت شعار "التخفيف من أعباء ارتفاع الأسعار".

لكن هذا الصراع يأتي في إطار ما يَصطلح المراقبون على تسميته "صراع أجهزة"؛ لتحقيق مكاسب شعبية من جهة، ومن جهة أخرى نيل رضا الرئيس عبد الفتاح السيسي عنها، فضلاً عن تحقيق مكاسب كبيرة اعتماداً على الإعفاءات من الجمارك والضرائب.

ويربط البعض بين انشغال الجهات الثلاث بإنشاء منافذ للسلع، وتراجع الوضع الأمني بشكل كبير خلال الفترة الماضية؛ لعدم التفرُّغ لأداء المهام التي ينص عليها الدستور والقانون، وهو ما يُثير علامات الاستفهام حيال تعظيم مكاسب هذه الأجهزة في إطار محاولة استرضاء السيسي لهم لضمان استمرار الولاء له.

والغريب في توجهات السيسي أنه لا يُحاول دعم الاستثمارات المدنية والتخفيف من أعباء الضرائب والجمارك، بما يسمح بخفض أسعار السلع المستوردة من الخارج.

الجيش والمخابرات

بدأ الجيش المصري في التوسُّع لإقامة معارض للسلع الغذائية خلال السنوات القليلة الماضية، مُستغلاًّ ارتفاع الأسعار بشكل كبير؛ بسبب الأزمة الاقتصادية التي تُواجه مصر.

المؤسسة العسكرية دخلت بثقلها في إقامة معارض للسلع في مختلف المحافظات سواء للمنتجات الزراعية بفعل امتلاك مساحات كبيرة منزرعة، أو للحوم المستوردة.

ويُسهّل من عملية توسع الجيش في بيع المنتجات الغذائية الاعتماد على جهاز مشروعات الخدمة الوطنية التابع لوزارة الدفاع، بما أتاح إمكانية تحديد عدد من السيارات التابعة للجهاز لبيع السلع بأسعار أقل نسبياً من المعروض في الأسواق المصرية.

وفتح الرئيس عبد الفتاح السيسي المجال واسعاً للمؤسسة العسكرية لزيادة نشاطها الاقتصادي منذ وصوله للحكم في 2014، حتى أنه أصدر قرارًا بإتاحة تأسيس المؤسسة لشركات خاصة سواء بمشاركة رأس مال وطني أو أجنبي.

وتمركزت سيارات الجيش في الميادين والشوارع الرئيسية في مختلف الأحياء بمحيط محافظتي القاهرة والجيزة، بخلاف معارض السلع وبيع اللحوم.

وأبَى جهاز المخابرات العامة أن يُفوّت على نفسه فرصة بيع السلع الغذائية واللحوم لمنافسة الجيش المصري، خلال الفترة الماضية.

ويمتلك جهاز المخابرات عدداً من الشركات في عدة قطاعات من بينها الصناعات الغذائية، والتي تعمل في السوق المصري بشكل طبيعي، ولكنها في النهاية مملوكة للجهاز بشكل مباشر.

وأقام الجهاز عدة معارض في مختلف المحافظات لبيع اللحوم المستوردة، ففي نهاية العام الماضي أنشأ 12 منفذاً لبيع اللحوم البلدية والسودانية بمحافظة الدقهلية، إضافة لـ 6 منافد لتوزيع السلع الغذائية المدعمة تحت شعار "القضاء على الغلاء ورفع المعاناة عن المواطنين".

الداخلية على الخط

وما كان من وزارة الداخلية إلا الدخول على خط افتتاح معارض للسلع الغذائية وبيع اللحوم في عدة محافظات، تحت شعار "القضاء على الغلاء".

وبدأت وزارة الداخلية في إتباع نهج المؤسسة العسكرية والمخابرات العامة متأخراً، إذ أنها خطَتْ تلك الخطوة بشكل واضح العام الماضي.

وبحلول العام الماضي، افتتح عددٌ من مديري الأمن عشرات المنافذ التابعة لوزارة الداخلية والمخصصة لبيع المنتجات الغذائية بأسعار مخفضة، في إطار مشروع أطلقوا عليه منافذ "أمان".

وجاءت توجيهات إقامة هذه المنافذ من وزير الداخلية اللواء "مجدي عبد الغفار"، أي أن تلك الخطوة جاءت بعد موافقة رأس السلطة التنفيذية وهو السيسي.

وتمتلك الوزارة رؤية واسعة المدة لزيادة عدد المنافذ لتكون بشكل دائم خلال الفترة المقبلة، فبحسب تصريحات لمسؤولين فإن افتتاح 441 منفذاً خلال العام الماضي جاء في إطار مرحلة أولى فقط.

وقال اللواء "مدحت عبد الله" - رئيس مجلس إدارة منافذ "أمان" -: إن الوزارة أصبحت تمتلك مصانع تعبئة ومخازن خاصة بها لإنتاج السلع الغذائية، ومن المُقرَّر أن تقوم بإنشاء متاجر ضخمة لبيع السلع بأسعار مخفضة للمواطنين.

وأضاف "عبد الله" أن وزير الداخلية أصدر توجيهات بتوفير كافة أنواع الدعم المادي لمنافذ "أمان"؛ لبيع السلع بأسعار تقل عن مثيلاتها في الأسواق بنسبة تقارب 20 بالمئة.

سبوبة

ويرى مراقبون أن منافذ بيع السلع الغذائية واللحوم المستوردة ما هي إلا "سبوبة" للجهات الثلاث "المؤسسة العسكرية والمخابرات العامة ووزارة الداخلية".

وتعتمد منافذ الجهات الثلاث على بيع السلع بأسعار مخفضة عن السوق المحلي، بما يفتح مجالاً للتساؤل حول الجدوى الاقتصادية جرَّاء بيع هذه السلع.

وما يُعزّز أن هذه المنافذ عبارة عن "سبوبة"، هو أن اللحوم والسلع المستوردة تدخل السوق المصري مُعفَاة من الضرائب والجمارك، بما يهدر القيمة التنافسية لنظيراتها من السلع.

ويتحمَّل التجار ورجال الأعمال أعباء الضرائب والجمارك؛ وبالتالي فإن السلع التي تُقدَّم في الأسواق تكون أغلى من نفس السلع في منافذ الجهات الثلاث.

وتُعتبر هذه المنافذ استثمارات للجهات الثلاث بشكل مباشر، فالمكاسب العائدة عليها كبيرة، خاصة في ظل امتلاك شركات بالأساس وعدم دفع مزيد من الرواتب للعمال في ظل الاعتماد على المُجنَّدين بشكل أساسي، ولا يتقاضون إلا رواتب ضعيفة للغاية مقارنة بالعاملين في الشركات والمصانع المدنية.

كما أن الجهات الثلاث تحصل على تسهيلات في عمليات استصدار التراخيص والحصول على قطع أراضي مميزة والتي تكون في الغالب عبارة عن تخصيص من الدولة.

وهنا يُثار تساؤل حول اتجاه النظام الحالي لتمييز الجهات الثلاث والاتجاه إلى الاستثمار بعيداً عن طبيعة عملها وفقاً للدستور والقانون، وعدم اتخاذ نفس الخطوات والتسهيل على المستثمرين، بما يُساهم في خفض الأسعار بشكل كبير.

صراع أجهزة

لم يتوقَّف التنافس بين الجهات الثلاث على منافذ وسيارات بيع السلع، ولكن امتدَّ إلى الرغبة في تحقيق مكاسب شعبية لكل جهة، من خلال توزيع "شنطة أو كرتونة" في المناسبات على عدد من المحافظات.

بدأت هذه الخطوة من قبل المؤسسة العسكرية ليتبعها المخابرات العامة، ولم تدخل وزارة الداخلية على هذا الخط، وإن كان هذا متوقع في إطار ما يَصطلح مراقبون على تسميته "صراع الأجهزة".

وتتنافس الجهات الثلاث على تحقيق مكاسب شعبية لناحية التقارب مع الشعب المصري والظهور بمظهر التخفيف من الأعباء الحياتية وغلاء الأسعار.

وانصرفت الجهات الثلاث عن مهام عملها الأساسية باعتبارها مؤسسات ذات طابع يتعلّق بالعمل العسكري والأمني، في وقت تُواجه جميعها انتقادات تتعلّق بالتقصير الأمني والفشل في مواجهة المجموعات المسلحة التي ظهرت في مصر خلال الأعوام القليلة الماضية.

وتُحاول هذه الجهات التنافس إرضاء النظام الحالي والتواجد بشكل أكبر في الشارع المصري، ومساعدة النظام في مواجهة ارتفاع الأسعار.

وبحسب تقارير إخبارية، فإن السيسي تدخَّل في أكثر من مرة؛ لتوحيد جهود هذه الجهات وعدم الصدام والعمل بشكل منفرد؛ للقضاء على صراع الأجهزة.