من «الحجب» إلى «الاستحواذ ».. السيسي يُحكم سيطرته على الإعلام (قراءة)

من «الحجب» إلى «الاستحواذ ».. السيسي يُحكم سيطرته على الإعلام (قراءة)

03:24 ص

30-مايو-2017

لم يكن حجب النظام الحالي برئاسة عبد الفتاح السيسي لعددٍ من المواقع الإلكترونية التي يَعتبرها "معارِضة" الحلقة الأولى في سيناريو السيطرة على الإعلام المصري. وبشكلٍ مُفاجئ حَجَبَت السلطات المصرية عدداً كبيراً من المواقع الإلكترونية العاملة خارج مصر ولكن الأزمة كانت مع أخرى تعمل من الداخل، من دون معرفة الجهة التي تقف وراء هذه الخطوة. وفي خلفية المشهد تقبَع محاولات أخرى للسيطرة على الإعلام ليس عن طريق إسكات الأصوات المعارضة، ولكن عن طريق "سياسة التكويش"؛ لتشكيل ظاهرة الصوت الواحد. السيسي لم يُخفِ ضيقه الشديد من الأداء الإعلامي المصري بما فيه القنوات والصحف الموالية له، بما يستدعي ترتيب جديد للساحة الإعلامية، خاصة قبل انتخابات الرئاسة المقبلة.

لم يكن حجب النظام الحالي برئاسة عبد الفتاح السيسي لعددٍ من المواقع الإلكترونية التي يَعتبرها "معارِضة" الحلقة الأولى في سيناريو السيطرة على الإعلام المصري.

وبشكلٍ مُفاجئ حَجَبَت السلطات المصرية عدداً كبيراً من المواقع الإلكترونية العاملة خارج مصر ولكن الأزمة كانت مع أخرى تعمل من الداخل، من دون معرفة الجهة التي تقف وراء هذه الخطوة.

وفي خلفية المشهد تقبَع محاولات أخرى للسيطرة على الإعلام ليس عن طريق إسكات الأصوات المعارضة، ولكن عن طريق "سياسة التكويش"؛ لتشكيل ظاهرة الصوت الواحد.

السيسي لم يُخفِ ضيقه الشديد من الأداء الإعلامي المصري بما فيه القنوات والصحف الموالية له، بما يستدعي ترتيب جديد للساحة الإعلامية، خاصة قبل انتخابات الرئاسة المقبلة.

سياسة التكويش

عامٌ واحدٌ كان كفيلاً لسيطرة رجل الأعمال "أحمد أبو هشيمة" على عددٍ كبيرٍ من المؤسسات الإعلامية سواء المرئية أو المقروءة، في إطار ما يُمكن تسميته بـ "سياسة التكويش".

إمبراطورية "أبو هشيمة" التي سعَى لتشكيلها في مجال الإعلام، كانت تستلزم تأسيس شركة تُدعَى "إعلام المصريين"، وهي المالكة لعدد من الوسائل الإعلامية.

وبَانَ أن استراتيجية رجل الأعمال الشاب في السيطرة على عددٍ كبيرٍ من وسائل الإعلام ما هي إلا محاولة لتأميم المجال العام، إذ أنها تقضي على فكرة التنوّع فيه بشكل تام.

رجل الأعمال الشاب المالك لصحيفة "اليوم السابع" الموالية للنظام الحالي، بدأ في التوسع في مجال الإعلام بشراء مجموعة قنوات "on tv" من رجل الأعمال "نجيب ساويرس" في منتصف مايو العام الماضي.

وتعتبر قناة "on tv" أحد الوسائل المُؤثّرة على صورة النظام الحالي؛ نظراً لطبيعة مُقدّمي البرامج والذين تم وقف عملهم في القناة بصورة ما، وأولهم "يسري فودة" في سبتمبر 2014.

ودخل "أبو هشيمة" بثقله لشراء القناة الفضائية، ليشنَّ حملةً لفصل أي شخص يعمل في القناة غير مؤيد للنظام الحالي، عبر تتبع حسابات العاملين الشخصية عبر مواقع التواصل الاجتماعي.

وتوسَّعَ في شراء عددٍ من الصحف والمواقع الإلكترونية مثل موقع "دوت مصر" وصحيفة "صوت الأمة" وجريدة "عين"، إضافة لصحيفة "اليوم السابع" وما يصدر عنها من مواقع صحفية.

وبحسب تقارير إخبارية وما يتم تداوله في أوساط صحفية، يسعى "أبو هشيمة" لشراء إذاعة "النيل" – تضم عدة إذاعات -، وقناة "الحياة"، من دون تأكيدات واضحة حول هذه الصفقات الجديدة.

اندماج المصالح

"التكويش" لم يكن من نصيب "أبو هشيمة" وحده، ولكن ظهر جناح آخر مُقرَّب من النظام الحالي مُتمثّلاً في شركة "دي ميديا" المالكة لإذاعة "90:90" وموقع "مبتدأ"، وأخيراً اتجهت إلى تأسيس شبكة قنوات فضائية باسم "dmc".

ولكن الأدهى أن الشركتين "إعلام المصريين" و"دي ميديا"، أعلنتا توقيع عقد اندماج بينهما، والبدء في تنفيذ هذه الخطوة بين المديرين التنفيذيين للشركتين.

وما كان لـ "أبو هشيمة" وشركة "دي ميديا" الاتجاه للسيطرة على سوق الإعلام المصري بشكل كامل خلال الفترة المقبلة إلا بموافقة النظام الحالي وأجهزة الدولة، وهو ما يعني وجود ضوء أخضر لهما باتخاذ هذه الخطوات، بل وربما وجود توجيه من قبل النظام الحالي.

وضَخَّت الشركتان أموالاً طائلة في سبيل إقامة استديوهات جديدة والتجهيزات الفنية واستقطاب كوادر وخبرات بمبالغ كبيرة، بما يُوحِي بوجود رغبة في تصدُّر المشهد الإعلامي، هذا على الرغم من وجود أزمات مالية في أغلب المؤسسات الإعلامية.

الصوت الواحد

الترتيبات الجديدة التي بدأتْ تظهر على الساحة الإعلامية المصرية تحت دعاوى تشكيل كيان إعلامي مصري لاستعادة الدور الرّيادي إقليمياً ودولياً، لا ينفي وجود مخاطر على الوضع الإعلامي لناحية سيطرة الصوت الواحد.

تصدير الصوت الواحد والسير في هذه الخطوة يتكشَّف في الحملات التي تُنفّذها وسائل الإعلام الموالية للنظام الحالي ضد خصومه، فضلاً عن محاولة تمجيد قراراته بما يسمح بتوجيه رسائل للرأي العام.

خطوة الاندماج بين "إعلام المصريين" و"دي ميديا" كفيلة بتوضيح وجود اتجاه لتصدُّر الصوت الواحد في الإعلام المصري، بما يَقضي على التنوُّع في الإعلام وإن كان هناك تعدّد.

ويُدرس في مناهج الإعلام أن عدم وجود تنوّع في محتوى وسائل الإعلام بما يسمح بإتاحة الفرصة لكل الأصوات يُعدُّ من سمات الأنظمة الديكتاتورية والشمولية.

ويكفي القول إن بإمكان هذه المؤسسات الإعلامية منع ظهور أي من معارضي النظام الحالي، فضلاً عن توجيه رسائل معينة في صورة موضوعات صحفية؛ بغرض دعم السيسي.

ترتيب المشهد الإعلامي تأتي في إطار رغبة من السيسي للسيطرة على وسائل الإعلام، ولكنها كانت مُؤجّلة منذ وصوله للحكم في 2014، قبل أن يبدأ التنفيذ الفعلي العام الماضي؛ استعداداً لانتخابات الرئاسة المقبلة 2018، بحسب تقارير إخبارية.

رؤية السيسي

منذ وصول السيسي إلى الحكم وهو دائم توجيه انتقادات لوسائل الإعلام، وأبدَى أكثر من مرة قلقه مما يُنشَر وبعضه يتعرَّض له شخصياً، وهذا قد يُفسّر أن ترتيب المشهد الإعلامي والاعتماد على "سياسة التكويش" كان من خلال رؤية السيسي نفسه.

رؤية السيسي ظهرتْ جَليَّة في حواره مع الصحف القومية في أغسطس 2014، إذ دعَا إلى تشكيل جبهة إعلامية للتصدّي للكيانات الإعلامية المُضرّة بمصر؛ لتحصين المواطنين ضد الشائعات التي تتبنَّى الفوضى.

حديث السيسي كان عبارة عن توجيهٍ وضوء أخضر بالمُضيّ قُدُماً في ترتيب الساحة الإعلامية بتشكيل جبهة واحدة موالية لنظامه.

ولكن مع مرور الوقت بَدَا أن السيسي يَضِيق حتى بأداء الإعلام الموالي له، وبحلول نهاية 2015 أي بعد مرور عام ونصف تقريباً على تنصيبه رئيساً لمصر احتدَّ الرئيس الحالي على الإعلام وقال: "هو قطاع الإعلام مافيهوش كارثة ولا إيه، قولولي: أنا أسأت لمين، والمرة الجاية هشتكيكوا للشعب".

وكان هذا نقطة تحوُّل في رؤية السيسي التي بدأها بالغضب من الإعلام الخارجي، لينتقل بعدها للموالين له، لتبدأ من هذه اللحظة محاولات السيطرة على الإعلام.

السيطرة على الإعلام لم تكن فقط عبر "سياسة التكويش" التي بدأها رجال أعمال موالون له، ولكن أيضاً امتدتْ للمطالبة بصلاحيات واسعة للمجالس الوطنية المسؤولة عن الإعلام بأنواعه المختلفة.

وأفصح السيسي بشكلٍ واضحٍ عن المُضيّ في تنفيذ رؤيته للسيطرة على الإعلام، وأشار إلى أن نقطة الخلاف الآن "هو عدم وجود قيادة للإعلام".

ويبدو أن السيسي يتخوّف من زيادة الاحتقان والغضب الشعبي ضده بفعل الأزمات التي تَمُرُّ بها مصر منذ وصوله للحكم، وذلك عبر الأداء الإعلامي الذي يكشف أوجه الخلَل والقصور والفشل في التعامل مع الأزمات المتلاحقة.