حبس عمال «طرة» 3 سنوات.. الحكومة «تضرب المربوط ليخاف السَّايب» (تحليل)

حبس عمال «طرة» 3 سنوات.. الحكومة «تضرب المربوط ليخاف السَّايب» (تحليل)

04:00 ص

05-يونيو-2017

الحكم جاء على خلفية اعتصام العمال داخل مصنعهم؛ احتجاجاً على محاولة الاستغناء عنهم؛ وللمطالبة بمساواتهم في الامتيازات المالية والإدارية بكافة العاملين بالشركة.

صدمة كبيرة انتابت أوساط القطاعات العمالية والحقوقية في مصر، بعد إصدار محكمة جنح المعادي، اليوم الأحد، حكماً يقضي بحبس ٣٢ عاملاً بقطاع الأمن في مصنع أسمنت طرة 3 سنوات مع الشغل والنفاذ.

الحكم جاء على خلفية اتهامهم باستعمال القوة والبلطجة بعد اعتصامهم للمطالبة بتنفيذ حكم قضائي يُلزم إدارة الشركة بتعيين كافة العاملين بقطاع الأمن لديها.

وبين مَن اعتبر الحكم كاشفاً للواقع الأليم الذي يَحياه عمال مصر، ومَن اعتبره رسالة من السلطة لكل مَن تُسوّل له نفسه الاعتراض على أوضاعه المعيشية، تنوَّعتْ قراءات الحقوقيين والنقابيين للحكم.

حكاية الاعتصام

بدأتْ حكاية اعتصام عمال طرة أواخر شهر أبريل الماضي حين قرَّرَ عدد من العاملين بقطاع الأمن داخل المصنع الاعتصام داخله؛ احتجاجاً على محاولة الاستغناء عنهم، خصوصاً أن لديهم حكماً قضائياً يُوجب تعيينهم.

كما قرَّر العمال الاعتصام للمطالبة بالمساواة في الامتيازات المالية والإدارية بكافة العاملين، واحتجاجاً على قرار الشركة بتسريحهم بعد مدة خدمة تتراوح بين 10 - 15 سنة، خاصة بعد ورود معلومات إليهم أن الشركة قرَّرت التعاقد مع شركة الأمن "فالكون" عقب الاستغناء عنهم.

وخلال فترة الاعتصام التي زادتْ عن الخمسين يوماً دون تحقيق نتائج، كان عمال الأمن يحرصون على أن تسير حركة العمل في المصنع والدخول والخروج بشكل طبيعي حسب روايتهم، إلا أن إدارة المصنع لم يَرُقْ لها ذلك فاستدعت لهم قوات الأمن وقامت بتحرير محاضر ضدهم؛ الأمر الذي أوصلهم إلى ما هم عليه الآن.

وبحسب العمال فإن قوات الشرطة اقتحمت في 22 مايو مصنع أسمنت "طرة"؛ لفضّ اعتصامهم السلمي، وطاردتهم ‏بالمدرعات داخل المصنع، واعتقلت مجموعة منهم؛ ليصل آخر حصر لعدد العمال المحبوسين إلى 32 عاملاً، واستمرّتْ محاكمتهم حتى أصدرت أمس محكمة المعادي حكماً قضائياً بحقهم يقضي بسجنهم 3 سنوات؛ بتهمة البلطجة وتعطيل العمل.

المثير في الأمر أن العاملين كانوا قد أكّدوا تعرضهم للتعذيب في قسم شرطة المعادي، وأن بعضهم يُعاني من ظروف صحية سيئة، ولا يتقاضى هؤلاء العمال رواتبهم؛ بسبب ‏رفض الإدارة صرفها، دون أن تلتفت المحكمة لذلك.

تضامن حقوقي واسع

ومنذ اليوم الأول لفض اعتصام العمال وإلقاء القبض عليهم، لاقت قضيتهم تضامناً حقوقياً ونقابياً واسعاً، خصوصاً أنها تأتي في ظل قبضة أمنية تُحاول الدولة فرضها على كافة العاملين بالقطاع الخاص والعام في الدولة.

وأعلنت 18 نقابة وحزباً، بالإضافة إلى 350 شخصية ينتمون إلى نقابات مهنية ‏وعمالية مختلفة ومن بينهم شخصيات عامة، تضامنهم مع عمال أسمنت "طرة" المحبوسين بسبب اعتصامهم السلمي ‏داخل مصنعهم.

فيما اعتبر "جمال عيد" - مدير الشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان - أن الحكم الصادر أمس لـ 32 عاملاً من عمال أسمنت "طرة" بالحبس لمدة 3 سنوات هو حكم ظالم.

وقال "عيد" على موقع التواصل “تويتر”: «3 سنوات حبس لـ 32 من عمال أسمنت طرة!»، وتابع: «الإضراب مشروع، مشروع ضد الفقر وضد الجوع.. الظلم المعشّش في مصر».

بينما أكّد "كمال عباس" - المنسق العام لدار الخدمات النقابية والعمالية وعضو المجلس القومي لحقوق الإنسان - أن حكم حبس عمال أسمنت "طرة" 3 سنوات مع الشغل هو عنوان لسوء أوضاع العمال وإلى أي مدى وصلت إليه الانتهاكات بحقهم، مشيراً إلى أن الحكم صادم جداً، ويُعبّر عن أوضاع شديدة السوء.

اضرب المربوط

بحسب مراقبين فإن حكم السجن بحق عمال طرة أمس لا يمكن قراءته بمعزل عن أوضاع عمال مصر خلال السنوات الأخيرة، وتحديداً منذ وصول الرئيس عبد الفتاح السيسي للحكم.

وعلى عكس الوعود البرَّاقة، اتخذ السيسي وحكوماته المتعاقبة خلال الأعوام الثلاثة الماضية، عدداً من القرارات الصعبة التي انعكست آثارها سلباً على ملايين العمال المصريين، وأصبح الكثير منهم في خبر كان، دون حماية أو رعاية أو مساندة لا من الدولة ولا من رجال الأعمال.

الفصل والتشريد من العمل نتيجة إغلاق المصانع تارة، أو تعنُّتْ إدارتها ضد العمال تارة أخرى، باتتْ سمةً رئيسيةً في المصانع المصرية، غير أن الجديد هذه المرة أن قمع العمال سيُصبح رسمياً وبالقانون، حيث لم تكتفِ الحكومة بإخلاف وعودها مع العمال لكنها ضيَّقت الخناق عليهم بحزمةٍ من القوانين والتشريعات الجديدة.

 

فبعد قانون الخدمة المدنية المُثير للجدل والذي أقرّه مجلس النواب سابقاً، يعمل المجلس حالياً على دراسة مشروع "قانون العمل الجديد" والذي يُؤكّد البعض أنه بمثابة القَشَّة التي ستقصم ظهور العمال في مصر حال خروجه للنور، حيث يُناقشه مجلس النواب حالياً، وأوشك على الانتهاء منه بحسب تصريحات للجنة القوى العاملة بالبرلمان.

 

ويُؤكّد كثير من الحقوقين والنقابيين أن مشروع القانون الجديد يحمل الكثير من التعبيرات المطَّاطة التي يُمكن لأصحاب الأعمال أن يستغلّوها في فصل العمال، كما أنه يحظر اعتصام العمال الذي يُؤدّي إلى وقف العمل داخل المنشأة كليًا أو جزئيًا، ويضيَّق حقهم في الإضراب عبر النص على صدور قرارات من رئيس مجلس الوزراء بتحديد المنشآت الهامة التي يحظر فيها الإضراب.

القادم أسوأ

ما يُثير الفزع والقلق لدى عمال مصر، أن قانون العمل الجديد ليس وحده هو السيء الذي سيلقونه خلال الأشهر القلية الماضية، لكن هناك ما هو أسوأ، حيث يُناقش مجلس النواب حالياً مشروع قانون المنظمات النقابية العمالية وحماية حق التنظيم النقابي، والذي سيتم طرحه على الجلسة العامة عقب الانتهاء مباشرة من قانون «العمل الجديد».

ويواجه القانون سيلاً من الانتقادات من قبل ممثلي الاتحادات العمالية والنقابات المستقلة، مشيرين إلى أنه وضع أرقامًا تعجيزية فيما يخصّ تكوين النقابات، وأنه استخدم عبارات مطّاطة بشكلٍ كبير، ويبني فلسفته على التنظيم النقابي الواحد، ويُقيّد حرية العمل النقابي.

ويؤكّد المعترضون على القانون أنه في حالة تمريره من البرلمان فسيتم وضع مصر على القائمة السوداء في منظمة العمل الدولية، وسيتم العودة مرة أخرى إلى النقابات الموالية للسلطة وقت حكم الرئيس المخلوع حسني مبارك.

تمهيد للتسريح

قراءة أخرى لحكم أمس قد يراها البعض واقعية بصورة أو بأخرى، وهي أن الدولة تعمّدت تصعيد قضية عمال "طرة" ووصول الأمر لحد السجن دون التدخل من قبل وزارة القوى العاملة؛ لتحقيق هدف آخر في نفس السلطة، مفاده أن الدولة ستمضي قُدماً في خطة التسريح التي أشار اليها الرئيس عبد الفتاح السيسي في أكثر من موضع؛ وبالتالي فإن مَن سيعترض على خطة التسريح سيلقى مصير عمال "طرة".

وخلال الأشهر الماضية تصاعدت كثير من الأدخنة حول اعتزام الحكومة الحالية تسريح نحو مليونيْ موظف حكومي بالدولة في إطار خطة الإصلاح الحكومي التي اشترطها صندوق النقد الدولي على مصر لإكمال باقي دفعات قرض الـ 12 مليار دولار.

 

الرئيس عبد الفتاح السيسي كان أحد مَن أثاروا تلك الأدخنة حيث صرَّح أكثر من مرة أن مصر تمتلك 7 ملايين موظف لا تحتاج منهم سوى مليوناً واحداً فقط.

"علي عبد العال" - رئيس مجلس النواب - هو الآخر كان قد ألمَح خلال تصريحات سابقة إلى احتمالية تنفيذ مخطط التسريح، أثناء مناقشة قانون الاستثمار، حيث أكّد أن "العقول الموجودة في المحليات غير صالحة في التعامل مع المستثمر، فهناك مشاكل كثيرة في المحافظات وشكاوى خاصة بالاستثمار، وأن على الحكومة الاستعانة بكوادر شبابية لم يَسبق لها العمل بالمصالح الحكومية والمحلية وإدارات التراخيص".

وعلى هذا الأساس فقد قرأ مراقبون تصريحات "عبد العال" أنها تمهيد لخطة تسريح الموظفين، ومن الممكن أن تأتي خطة التسريح في صورة تشريع مقترح على الحكومة من قبل مجلس النواب، في إطار تخفيف الأعباء على الموازنة العامة للدولة.

وبالتالي فقد قرَّرت الدولة إظهار العين الحمراء - كما يقولون - للعمال وللموظفين، حيث ستعمل خلال الفترة المقبلة على تصعيد أي احتجاج عمالي للقضاء وإصدار أحكام قضائية صارمة ضدهم؛ لإجبار الجميع على التزام الصمت والقبول بما ستُقْدِم عليه الحكومة.