الأزمة الخليجية تُطيح بالرجل القوي في السودان.. هل تُصيبها «لعنة المقاطعة»؟

الأزمة الخليجية تُطيح بالرجل القوي في السودان.. هل تُصيبها «لعنة المقاطعة»؟

06:03 ص

16-يونيو-2017

هل أطاحت الأزمة الخليجية بالرجل القوي في السودان؟ وإلى أي مدى يُمكن أن يُمهّد ذلك لأن تُصيب الخرطوم لعنات الدوحة؟.

يبدو أن آثار وتداعيات الأزمة الخليجية، ستخرج عن الحدود الجغرافية لدول الأزمة (السعودية ومصر والإمارات والبحرين من جانب وقطر من جانب آخر)، لتحُطَّ هذه المرة رحالها في السودان.

الخبر الذي تداولته مواقع سودانية، في الساعات الأولى من صباح الأربعاء 14 يونيو الجاري، أفاد بأن السلطات السودانية منعت الفريق "طه عثمان" - مدير مكاتب الرئيس "عمر البشير" - من السفر إلى السعودية بعد استكمال إجراءات سفره.

المنع من السفر يأتي بعد أيام من تداول أنباء على نطاق واسع لم تُؤكّدها أو تنفيها السلطات، بإقالته من منصبه في القصر الرئاسي.

الأسباب التي تم تداولها بشأن إقالة الرجل تنوَّعتْ، بينها ضلوعه في صفقات فساد، فضلًا عن الزَّجِّ باسمه في الأزمة الأخيرة بين دول الخليج وقطر؛ بمزاعم تسريبه مكالمة هاتفية بين البشير وأحد المسؤولين الكبار في معسكر الدول المقاطعة لقطر.

إقالة بضغط قطري؟

تقارير إعلامية كشفت أن الفريق "طه" مُتورّط فى تسريب مكالمات بين "البشير" وشخصية "محورية وأساسية فى معسكر الدول التى تقاطع قطر"، مشيرةً إلى أن تركيا وقطر تمكّنتا من رصد المكالمات، مما أوقع "البشير" في حرجٍ شديدٍ.

نشطاء سودانيون أكّدوا أن الإقالة جاءت بضغطٍ قطري، وحاول "البشير" من خلالها إرضاء الدوحة التي غضبتْ بشدّة من المكالمات، فضلًا عن اعتبار المسؤول المُقال رجل السعودية والإمارات الأول في السودان.

وفي حين أبدتْ قطر ارتياحها لقرار الإقالة، جاء ردُّ الفعل غاضبًا من السعودية والإمارات اللتين طالبتاه باتخاذ موقفٍ واضحٍ لا يحتمل الحياد في الأزمة الأخيرة، إما مع دول المقاطعة أو في صف قطر.

علاقة الإقالة بالأزمة الخليجية ربما تكون مثارة من قبل أطراف داخلية في السودان، لا يروقها الموقف المحايد للبشير من الأزمة، حيث ترى ضرورة اصطفافه مع قطر.

يُعزّز من توجه عدم وجود علاقة ما كشفته التقارير، من اتهام الفريق "طه عثمان" بتلقّي 30 مليون دولار من الإمارات، فضلًا عن اتهامات أخرى بمخالفات مالية والتورط في قضايا فساد كبرى.

الرجل القوي ومبعوث الخليج

الاهتمام بالرجل يأتي على اعتباره المُحرّك لخيوط السلطة في السودان، بعدما أُثير أخيرًا عن كونه اللاعب الأساسي في الحكم في البلاد، فضلًا عن كونه مفتاح علاقات السودان بدول الخليج.

علاقاته القوية بدول الخليج، قادت إلى ترجيح صدور قرار بإقالته لكن لن يتم التنفيذ في الوقت الحالي؛ لما يُمكن أن يُرسله قرار الإقالة من إشارات سلبية للسعودية والإمارات.

مُقرّبُون منه يقولون: إنه يتمتع بنفوذ واسع منذ أن تولّى منصبه الأخير كمدير لمكاتب الرئيس في القصر الرئاسي وحزب "المؤتمر الشعبي" الحاكم.

كما اختاره "البشير" أكثر من مرة ليكون مبعوثه الشخصي إلى دول الخليج، فقد مثّل البشير مؤخرًا في القمة العربية الإسلامية الأمريكية بالرياض، وحمل في يونيو 2014م رسالة من البشير إلى ولي عهد أبوظبي الشيخ "محمد بن زايد"، ورسالة أخرى إلى ولي ولي العهد السعودي الأمير "محمد بن سلمان" في يناير 2016، وأُوفد كمبعوث للرئيس إلى مصر وموريتانيا والسنغال ودول أخرى، بالإضافة إلى زيارات أخرى كثيرة غير مُعلنة أكثرها لدول الخليج.

ما وصل إليه من نفوذ وسلطة، دفعت تقارير إعلامية سودانية إلى استبعاد إقالته أو الاكتفاء بالإقالة دون تحقيق في تهم الفساد؛ "خوفًا من الفريق عثمان الذي هو بمثابة قنبلة موقوتة تحتوي على خفايا وأسرار قد تُطيح برؤوس مئات المسؤولين الكبار في القصر والحكومة".

البشير "بين نارين"

ولعل محاولة السودان منذ بداية الأزمة الخليجية مسك العصا من المنتصف وعدم الميل تجاه طرف على حساب الآخر، جلبتْ له غضب كلا الطرفين.

السعودية والإمارات، من أبرز داعمي البشير، الذي يحظى بقبولٍ واسعٍ لديها خاصة منذ مشاركة السودان بقوة في التحالف العربي الذي تقوده المملكة لمحاربة المتمردين الحوثيين في اليمن.

السودان هي الدولة الوحيدة، بحسب تقارير، التي تُشارك في التحالف بقوات برية من وحدات الصاعقة والنخبة داخل الأراضي اليمنية في "عدن" وغيرها، تُقدّر بنحو 6 آلاف مقاتل.

كما استجاب "البشير" بسرعةٍ لافتةٍ لطلب المملكة إعلانه قطع العلاقات مع إيران، عقب خطوة سعودية تلَتْ حادثي اقتحام سفارتها في طهران وقنصليتها بمدينة "مشهد" الإيرانيتين.

الرياض كانت تنتظر أيضًا من السودان استجابة فورية في قرارات مقاطعة قطر، إلا أن البشير خذلها.

أما قطر ومِن ورائها تركيا، فيتمتّعان بعلاقات قوية مع السودان، من خلال مشروعات تنموية وإنسانية وإغاثية كبيرة، فضلًا عن الدور السياسي الذي تلعبانه خاصة في الأزمة الأخيرة بين مصر والسودان؛ بسبب مثلث "حلايب" الحدودي، على خلفية العلاقات المتوترة بين القاهرة وكل منهما على حدة.

وهكذا قد يكون سعي البشير لإرضاء جميع الأطراف وبالًا عليه، وربما يقوده إلى سيناريوهات لم يكن يتوقعها.

اللعنة تصيب الخرطوم

تجلّيات الغضب السعودي الإماراتي من السودان، ربما تمتد لتضع الخرطوم مع الدوحة في خندقٍ واحدٍ.

ومع استمرار الدعم القطري للبشير، وتَمَاهِي مواقف البلدين، وربما تَحوُّل موقف الدوحة من الغضب إلى الرضا، وفي الوقت نفسه التباعد بين معسكر السعودية والإمارات وبين السودان، قد تؤول الأمور إلى ما لا تُحمَد عقباه.

احتمالية أن تتخذ دول مقاطعة قطر الموقف ذاته من السودان، في حال تطورت الأمور إلى أبعد من الوضع الحالي تبقى قائمة، وربما يُعزّزها دعوة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب من أسماها "دول أخرى في المنطقة"، بجانب قطر؛ للتوقف "فورًا" عن تمويل الإرهاب.

لكن ثَمَّة ما يُبطل هذا الاحتمال، وهو القرار الأمريكي في مايو الماضي، برفع اسم السودان من لائحة الدول الراعية للإرهاب.

قد يقول قائل: إنه لا ثوابت في السياسة، لكنها تكون مُتغيّرة ومُتبدّلة وفق مصالح الدول، وظروف الزمان والمكان، وهو الذي يفتح الباب على مصراعيه أمام سيناريوهات كثيرة.