من ألغى حجب المواقع الإخبارية؟ هل هي رسالة من مناوئي السيسي داخل النظام؟

من ألغى حجب المواقع الإخبارية؟ هل هي رسالة من مناوئي السيسي داخل النظام؟

07:23 م

16-يونيو-2017

توقيتُ إلغاء الحجب مُثيرٌ للاستغراب، ليس فقط لارتفاع دعوات الاحتجاج والغضب، بل إنه تزامن مع موجة اعتقالات لمجموعاتٍ شبابيةٍ مناهضة للسيسي، وأن كثيراً من هذه المواقع المحجوبة التي عادت للظهور مرة أخرى، تجاوبت مع موجة الاعتقالات تلك بالنشر، وكذلك مع دعوات التظاهر والاحتجاج.

قبيل فجر اليوم الجمعة، عادتْ جميع المواقع الإلكترونية الإخبارية المحجوبة في مصر للظهور مرة أخرى، رفعُ الحجب جاء مواكباً لدعوات بالتظاهر، والاعتراض على تمرير البرلمان لاتفاقية ترسيم الحدود البحرية بين مصر والسعودية، ومن ثَمَّ تنازل مصر عن جزيرتي "تيران" و"صنافير" الحيوتَيْن بالبحر الأحمر.

قرارات الحجب لم تكن دفعة واحدة، بل إنها استمرت خلال الأسبوعين الماضيين بالتتابع، آخرها قبل يومين، ودون إعلان رسمي من الحكومة، أو من الجهات الأمنية، معظمها مواقع إلكترونية بالمعارضة "الداعمة للإرهاب".

مساء الليلة الفائتة، التقى الرئيس عبد الفتاح السيسي، "مايك بومبيو" - مدير وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية -، بحضور "خالد فوزي" - رئيس المخابرات العامة –، و"ريك واديل" - نائب مستشار الأمن القومي -، و"ستيفن بيكروفت" - السفير الأمريكي بالقاهرة -، وما خرج للإعلام كان محدوداً للغاية، وقالت وسائل الإعلام الحكومية، والقريبة من النظام المصري: إن الزيارة مُرتَّبٌ لها منذ فترة، وأن الطرفَيْن شدَّدَا على مواجهة الإرهاب، دون التطرُّق لأي مسألة أخرى، ومن ضمنها مسألة إلغاء الحجب عن المواقع الإخبارية المحظورة.

توقيت رفع الحجب

توقيت إلغاء الحجب مُثير للاستغراب، ليس فقط لارتفاع دعوات الاحتجاج والغضب، بل إنه تزامن مع موجة اعتقالات لمجموعات شبابية مناهضة للسيسي، وأن كثيراً من هذه المواقع المحجوبة التي عادت للظهور مرة أخرى، تجاوبت مع موجة الاعتقالات تلك بالنشر، وكذلك مع دعوات التظاهر والاحتجاج.

ربما نحن أمام سيناريوهات، أدَّتْ لدفع الحظر والحجب عن المواقع الإلكترونية الإخبارية، جميعها تصُبُّ في خانة أن الأوضاع ستؤول لمزيدٍ من التصعيد، وأن جهاتٍ ما لديها رغبة في التفاعل مع حراك مناهض للسيسي، أو على الأقل توتير المشهد.

السيناريو الأول

أن من قام بعملية إلغاء الحجب هو السيسي، وأجهزته المعنية، وأن ضغوطاً ما مُورستْ على السيسي، منها زيارة مدير الاستخبارات المركزية الأمريكية، وأن نصيحة قُدّمتْ له بضرورة تخفيف الضغط على الإعلام؛ وبالتالي تخفيف حالة الاحتقان المجتمعية، ضد قرار التنازل عن جزيرتي "تيران" و"صنافير".

ولكن ما يستبعد هذا السيناريو هو السيسي نفسه، فالرجل معروف عنه العناد الشديد فيما يخصُّ الإعلام، والتحرّكات المعارضة له، سواء من داخل الجيش، أو الأجهزة الأمنية، أو معارضيه المدنيين.

ليس هذا فحسب، بل إن الحملة الأمنية التي قامت باعتقال عشرات من شباب القوى السياسية، في اليومين الماضيين، لم تُفرِج عنهم وزارة الداخلية إلى الآن كشكلٍ من أشكال تخفيف الاحتقان، كما أن الشرطة تعاملت بخشونةٍ مع تظاهرتيْ نقابة الصحفيين و"طلعت حرب" بوسط القاهرة، كما أنها نشرتْ عديداً من القوات الخاصة والتدخل السريع في كثير من النقاط الحيوية بالقاهرة والإسكندرية، اليوم الجمعة، كما أن وحدات من الجيش "التدخل السريع التابعة للمنطقة المركزية العسكرية" لُوحِظ تحركها على عدة محاور بالعاصمة.

وبناء على كل هذه المعطيات فإن رغبة السيسي بالتهدئة ليست على جدول النقاش، كما أن عودة هذه المواقع للظهور على شبكة الإنترنت في مصر يُوفّر مادةً إخباريةً عن التظاهرات، وتحركاتها، والتدخل الأمني إنْ أمكن، إلا إذا كان لديه الرغبة في ذلك عن قناعة وليس لضغوطٍ مُورستْ عليه؛ لكي تقوم هذه المواقع وصحفيوها بنشر ما سيحدث من قمعٍ وربما قتل من باب الإخافة والترويع للمواطنين؛ وبالتالي ابتعادهم عن التظاهر والنزول للاعتراض.

السيناريو الثاني

أن عملية إلغاء الحجب تمَّت بمعزلٍ عن رغبة السيسي، وأن جهةً بالدولة لديها "سطوة وقوة" قرَّرت التدخل في مواجهة السيسي، وإتاحة الفرصة للمواقع المحجوبة للعودة للعمل، وممارستها دوراً نقدياً للسيسي.

منذ اندلاع أزمة "تيران" و"صنافير" في أبريل 2016، وهناك حديث مُتداول، ومصادر متطابقة تتحدّث عن صراع بين السيسي وشخصيات عسكرية ومسؤولين بأجهزة أمنية واستخباراتية، وأن مناوئي السيسي هؤلاء تواصلوا مع عددٍ من القوى السياسية المعارضة، وأنهم أمَدُّوا معارضي اتفاق ترسيم الحدود البحرية مع السعودية بوثائق تُثبت مصرية "تيران" و"صنافير"، ولكن مع الوقت تعرَّضتْ هذه المجموعة لإقالات من جهاز المخابرات العامة، وكذلك اعتقالات واسعة في صفوف المعارضة السياسية.

(التفاصيل في هذا التحليلات السابقة لـ القصة، الأول، الثاني، الثالث).

وعليه فإن هذه المجموعة على الأقل طبقاً لما هو ظاهر ليس لديها القدرة على مواجهة السيسي علناً، ومن ثَمَّ تحدّيه، وإيقاف قرار أجهزته الأمنية بحجب عشرات المواقع المعارضة، إلا إذا كانت التحركات التي قام بها السيسي ضدهم لم تُصبهم بالعجز، أو أنهم امتصُّوها، ونجحوا في القيام بعملية ارتداد ناجحة، وسيطرتهم على بعض مفاصل الدولة دون معرفه السيسي.

السيناريو الثالث

ربما هذا هو الأقرب، ويرتكز على اتباع المجموعة المناوئة للسيسي خطة إثارة الأزمات، والبلبلة، بمعنى أدقّ، تَمكُّن هذه المجموعة من القيام باختراق ما لنظام الحجب الإلكتروني؛ ومن ثَمَّ أعادوا فتح جميع المواقع المحجوبة، بما فيها مواقع قد حُجبتْ منذ فترة طويلة.

هذه العملية تتشابه مع حادثة اختراق خدمة الرسائل القصيرة لصحيفة "الوطن" (المقربة من السلطة)، في الرابع من أبريل الماضي، وبَثّ رسالة للمشتركين تُفيد بوجود تحرُّك عسكري بالجيش لصالح "شفيق"، وسرعان ما خرج "شفيق"، ونفَى صلته بالأمر، واحترامه للسيسي.

هناك عدة مكاسب من رفع الحجب، في حال وقوف مجموعة ما بالسلطة مناوئة للسيسي ورائه بالاختراق التقني، هو إتاحة الفرصة لهذه المواقع لنقل تظاهرات اليوم الجمعة بشكلٍ أريحي، حتى يقوم النظام بحجبها مرة أخرى، مع يقينٍ منهم بأن النظام لن يقول: إن ما تمّ اختراق لنظامه الأمني والإلكتروني؛ كي لا يبدو وأنه فشل في حماية منظومته، والمكسب الثاني، هو إتاحة إحداث حالة بلبلة تجاه قدرة السيسي على السيطرة على الأوضاع، أما المكسب الثالث، فهو رسالة بأن ما تم من تسريبات سابقة من داخل مكاتب وزارة الدفاع ومكالمات لرموز نظام السيسي بدايةٌ، وأن المواجهةَ مُمتدةٌ، وأن هذا قادر على المواجهة بطرق مختلفة، وأن الانتخابات الرئاسية المقبلة في الربع الثاني من العام المقبل ستكون مختلفة.