هل «تعرقل» مصر عودة السياحة الروسية أم «تتلاعب» موسكو؟

هل «تعرقل» مصر عودة السياحة الروسية أم «تتلاعب» موسكو؟

02:00 ص

27-يونيو-2017

بين اتهامات روسية لمصر بالتلكؤ، وأخرى مضادة لموسكو بالابتزاز، تبقى السياحة رهينة لتزحزح مواقف تحكمها السياسة بين البلدين.

"مستحيل".. هكذا وصفت روسيا إمكانية استئناف رحلات الطيران وعودة السياحة الروسية إلى مصر قبل نهاية الصيف الحالي.

وبينما ألقت روسيا باللائمة على مصر في عدم اتباع الإجراءات الأمنية التي تطلبها، ترى القاهرة أنها نفذت كل ما طلبته موسكو، وأن الأخيرة تتمادى في مطالب مبالغ فيها.

وبين اتهامات بالعرقلة، وأخرى بالتلاعب تغيب الحقائق، وتبقى عودة السياحة رهينة لتزحزح مواقف الدولتين.

العودة المستحيلة

المصدر الذي كشف استحالة عودة السياحة قبل انتهاء الصيف لوكالة "إنترفاكس" الروسية، اتهم الجانب المصري بتحمل مسؤولية التأخير بقوله: "إن الجانب المصري منذ الربيع لا يبدي أي مبادرة للحوار مع موسكو حول مواصلة الخبراء الروس تفتيش المطارات المحلية والتأكد من أمن صالات الركاب".

وبحسب المصدر ذاته، فإنه "بعد إجراء عملية التفتيش الأخيرة من قبل الخبراء الروس، كان لديهم عدد من الملاحظات حول عمل أمن المطارات المصرية.. ودون اختبارات إضافية ، لا يمكن استئناف الرحلات الجوية بين البلدين".

وقبل شهرين ألغت موسكو تأشيرة دخول الأراضي الروسية لمواطني 9 دول عربية ليس من بينها مصر، في صفعة مفاجئة تزامنت مع ما اعتبر تسويفًا روسيًا في استئناف الطيران إلى مصر وعودة حركة السياحة، حين أعلن نائب رئيس الوكالة الاتحادية الروسية للنقل الجوي أن موظفي شركة AeroMASH – المختصين في أمن الطيران بمطار شيريميتيفو الروسي سيتابعون إجراءات أمن الطيران في مصر.

هاتان الخطوتان المتزامنتان جاءتا بعد شهرين من تصريح لوزير النقل الروسي مكسيم سوكولوف استبعد فيه استئناف رحلات الطيران مع مصر في الوقت القريب، رغم المصادقة قبلها بأيام على مشروع بروتوكول مع مصر للحفاظ على سلامة وأمن الطيران المدني.

الوزير الروسي، قال في تصريحات متلفزة، إن فريق الخبراء الذي اختبر إجراءات الأمن في مطار القاهرة مؤخرًا خلص إلى أنه "من غير الممكن استئناف رحلات الطيران في القريب العاجل".

كل تلك التطورات المتلاحقة جاءت بعد وعود مستمرة كان آخرها ما تلقاه الرئيس عبدالفتاح السيسي شخصيًا، ففي 29 ديسمبر الماضي، أصدرت رئاسة الجمهورية بيانًا ، أفاد بأن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أبلغ نظيره المصري هاتفيًا بأن "الجانب الروسي يعتزم استئناف الرحلات الجوية المنتظمة بين القاهرة وموسكو في القريب العاجل".

نفذنا طلباتكم وأنتم تسوّفون

في المقابل، وعلى الرغم من التصريحات والمواقف الروسية المتهمة لمصر، إلا أن رد القاهرة كان حاسمًا، وعبر تصريحات نقلتها وكالة الأنباء الروسية "سبوتنيك".

رئيس الشركة المصرية القابضة للمطارات، المهندس محمد سعيد، أكد أن الجهات المصرية وفرت كل ما تم الاتفاق عليه مع الجانب الروسي، من متطلبات تأمينية.

"سعيد" قال: "أمنّا مطاراتنا بأجهزة x-ray للكشف على الحقائب، وأجهزة metal detector للكشف على المعادن مع الأفراد، وأجهزة ATD  للكشف عن أبخرة المتفجرات، وأجهزة بيومترية".

وتابع: "وأمنّا أسوار المطارات بكاميرات، وكل المعدات التي تم الاتفاق عليها تم تركيبها في المطارات التي قاموا بالتفتيش عليها، وهي الغردقة، شرم الشيخ، ومبنى الركاب 2 بمطار القاهرة".

وأضاف رئيس الشركة القابضة للمطارات: "تم عمل اختبارات، بحضور وفود روسية، وتابعوها، ووضعوا عدة ملاحظات، وتم تعديلها جميعها، وكل ما طلب مننا اجتهدنا في تنفيذه".

مما سبق يبدو أن الإجراءات والتقنيات التي أعلنت مصر توفيرها في مطاراتها، تتطابق مع مطالب الجانب الروسي في هذا الشأن، فلماذا لا تعيد روسيا طيرانها وسياحتها؟.

التساؤل وسط التفاصيل المحيطة به وتطورات الأزمة على مدار نحو عام ونصف، تضعنا أمام حالة من التلاعب وربما الابتزاز لم تشهد لها البلاد مثيلًا، قد تمتد إلى أغراض ومطامع روسية أخرى.

هل تعاند السلطة؟

الحكومة أو السلطة بشكل عام، لا يمكن وصف تصرفاتها بشأن أزمة السياحة المصرية إلا بالعناد، فعلى الرغم من الضربات المتلاحقة التي تتعرض لها السياحة خلال السنوات الأخيرة، إلا أن الحكومة تمعن في قتلها.

ففي فبراير الماضي قررت زيادة رسوم تأشيرة دخول مصر إلى 60 دولارًا، الأمر الذي قد يشكل إجهازًا على هذا القطاع الحيوي، الذي تقول الحكومة إنها تعمل على إنعاشه بخطة قومية، لمواجهة "الخطة الدولية الممهنجة لضرب السياحة".

"صدمة جديدة تضرب القطاع السياحي تدفع مصر إلي مؤخرة السباق ويجعلها تتزيل قائمة الدول السياحية كما كانت عليه بعد سقوط الطائرة الروسية في سيناء"، هكذا وصف الخبراء السياحيين القرار.

القطاع المهترئ عبر عنه محافظ البنك المركزي طارق عامر، حين كشف أن إيرادات مصر من النقد الأجنبي في قطاع السياحة انخفضت إلى 3.4 مليار دولار في عام 2016 وهو ما يقل 44.3 % مقارنة عن مستواها في 2015.

وعلى الرغم مما شهده عام 2015، من أحداث مأساوية أبرزها مقتل سائحين مكسيكيين بالواحات في سبتمبر، وسقوط الطائرة الروسية في أكتوبر، إلا أن الإيرادات بلغت فيه 6.1 مليار دولار.

إذًا فتضافر العوامل الداخلية والخارجية، تجعل السياحة بحاجة إلى "قبلة حياة"، إلا أن تلك القبلة تبدو أمراً في غاية الصعوبة على مؤسسات الدولة المصرية، باعتراف رأس السلطة فيها الرئيس عبدالفتاح السيسي.

فخلال مؤتمر الشباب بشرم الشيخ أكتوبر الماضي، قال السيسي في معرض حديثه عن حاجة السياحة إلى الاستقرار: "أعمل ده إزاي؟.. معنديش آلية أو ثقافة أداء موجودة".

التوجه الرسمي لحل الأزمة كشف غيابًا لخطط واضحة ووسائل عملية من أجل إعادة السياح، وكما قال السيسي كان موقف رئيس الوزراء شريف إسماعيل بشأن أزمة السياحة أكثر غموضًا.

رئيس الحكومة قال من تحت قبة البرلمان أكتوبر الماضي: "نحاول معالجة موقف السياحة بشئ من السرية لأن مصر مستهدفة بعد 3 حوادث متتالية".

تلك "السرية" التي لم تفسر عن شيء حتى اللحظة، بل زادت الأمور تعقيدًا، وتمخضت عن إجراءات وحيل وُصفت بـ"الخائبة" التي لم تفلح في إي إنجاز يُذكر.

مليارات الروس لا تُغفل

وبغض النظر عن الأهمية السياسية والاستراتيجية لاستئناف حركة الطيران إلى طبيعتها بين البلدين، وعودة السياحة، فإن الجانب الاقتصادي للأزمة لا يمكن إغفاله.

حيث تعد السياحة الروسية مصدرًا مهمًا لدعم موارد مصر من العملات الصعبة، ومحركًا لتنشيط عدة قطاعات أخرى، خصوصا أنها تمثل نحو 50% من إجمالي السياحة الوافدة إلى مصر.

ففي عام 2014، حافظت مصر على مكانتها كأهم وجهة سياحية للمواطنين الروس، وبلغ عدد السياح الروس، الذين زاروا مصر لأول مرة في العام الماضي، 47% من جملة الوافدين.

وبحسب بيانات وزارة السياحة المصرية، فقد حقق السياح الروس 2.5 مليار دولار إيرادات لمصر عام 2014، من أصل 7.3 مليار دولار حققها قطاع السياحة ككل خلال العام نفسه.

التأثر ظهر بحدة في الربع الأول من عام 2016، حيث بلغت إيرادات السياحة في مصر 500 مليون دولار فقط، مقابل 1.5 مليار دولار في الفترة نفسها من 2015.