من وحي الأزمة الخليجية.. الدب الروسي وبانوراما الاستحواذ الشرق أوسطي (قراءة)

من وحي الأزمة الخليجية.. الدب الروسي وبانوراما الاستحواذ الشرق أوسطي (قراءة)

05:30 ص

27-يونيو-2017

استغلّت روسيا الأوضاع المضطربة التي تشهدها منطقة الشرق الأوسط، في سبيل تعاظم نفوذها مرة أخرى في تلك البُقعة، بما يَشِي بوجود "حربٍ بادرةٍ" جديدة مع أمريكا، ربما ستتزايد حرارتها بعد إسقاط أمريكا لطائرة سورية.

بدأتْ روسيا في تعظيم نفوذها في منطقة الشرق الأوسط عقب عقود من المحاولات الخجولة، تحديداًمنذ قرَّرت التدخل العسكري في سوريا لصالح بشار الأسد، حيث كانت هذه الخطوة بمثابة موطئ قَدَمٍجديد لها في المنطقة، يُؤشّر لمرحلة أكثر ديناميكية بها.

وتمكّنت أمريكا على مدار سنوات طويلة من بسط نفوذها وسيطرتها على منطقة الشرق الأوسط، في المقابل حاولت روسيا نقل مسرح العمليات بين الدولتين لمركز ثقل الولايات المتحدة في تلك البُقعة المُلتهبة.

ويُمكن القول: إن ترجمة نفوذ روسيا بدأ يظهر جليّاً مع محاولات التدخُّل لحل الأزمة الخليجية، بما يخدم مصالحها الاقتصادية، أولاً، ويُعطيها مكاسب أخرى أمام غريمتها التقليدية..أمريكا..

أمريكا هى الأخرى باتت حريصة على مصالحها من خلال إسقاط طائرة سورية قصف مجموعة مسلحة معارضة للأسد في طريقها لطرد تنظيم "داعش" من الرقة.

موطئ قدم

لم تجد روسيا أفضل من دعم أحد أبرز حلفائها في منطقة الشرق الأوسط وهو النظام السوري برئاسة "بشار الأسد"، في سبيل وضع موطئ قدَم لها في تلك المنطقة.

أهداف روسيا من التواجد العسكري ودعم حليفها"الأسد"، لم يكن هدفاً في حد ذاته ولكن وسيلة للعودة مرة أخرى إلى دائرة النفوذ في الشرق الأوسط، والتي تتمتع الولايات المتحدة الأمريكية بنفوذٍ متعاظمٍ في تلك المنطقة على مدار سنوات طويلة.

ولولا التدخل الروسي العسكري بثقله في دعم "الأسد"، لما استمرَّ النظام السوري حتى الآن أو على الأقل لمَا تمكَّن من استعادة بعض الأراضي المُحرَّرة مثل "حلب" العام الماضي.

روسيا أعلنت عن نواياها في التواجد الدائم ولعب دور على مسرح الأحداث في الشرق الأوسط، إذ أعلنت في شهر أكتوبر العام الماضي رغبتها في إرسال قوات بحرية دائمة إلى قاعدة "طرطوس" السورية على البحر المتوسط، وبالفعل وقَّعتْ مع سوريا اتفاقية لاستغلال القاعدة البحرية لمدة 49 عاماً قابلة للتجديد.

وبَدَا أن التواجد العسكري في منطقة الشرق الأوسط بشكلٍ مُوسَّعٍ يستتبعه محاولات لتغلغل النفوذ في تلك المنطقة الملتهبة؛ لسد الفراغ الذي خلّفته أمريكا.

وتحت غطاء محاربة الإرهاب في سوريا –في إشارة إلى المعارضة المسلحة-، دفعت روسيا بوحداتٍ عسكرية فضلاً عن قصف متواصل لمعاقل المعارضة؛ بما أتاح استرداد نقاط مُحرَّرة برعاية الدُّبّ الروسي.

كما أن هذا التوسع العسكري الروسي يُقوّض من أي تدخل أمريكي ضد "الأسد"، خاصة وأن أمريكا تراجعت عن الضغط لإزاحة "الأسد"؛ لعدم إتاحة الفرصة أمام ما تعتبره "المعارضة المُتشدّدة".

تصاعد النفود

وعلى الرغم من الصدام الذي بَدَتْ عليه العلاقات بين روسيا ودول الخليج، والأخيرة تدفع بقوة لإزاحة "الأسد" عن الحكم؛ لما ارتكبه من جرائم في حق السوريين.

ولكن روسيا بدأتْ في مَدّ جسور التواصل مع دول الخليج وغيرها من دول المنطقة؛ تحت دعاوى إيجاد حل سياسي للأزمة السورية بالمفاوضات.

وخلافاً لموقف السعودية قبل وفاة الملك "عبد الله"، ورفضه لأي تواصل مع روسيا والضغط عليها من باب النفط، إلا أن تغيُّراً قد طرأ مع وصول الملك "سلمان" للحكم، وبَدَا أن نجله "محمد" وهو ولي ولي العهد، قد أخذ بزمام التقارب مع روسيا.

وكانت أول زيارة لـ "محمد بن سلمان" إلى روسيا في 2015، وبعدها توالَت الزيارات وكان آخرها زيارة الشهر الماضي، في إطار التجهيز لزيارة مرتقبة للملك "سلمان".

واستغلّت روسيا النظامَ المصري الجديد برئاسة عبد الفتاح السيسي الذي بَاتَتْ مواقفه مُتماهِية مع الدُّبّ الروسي، لناحية الرغبة في دعم الجيش السوري الذي يُقاتل لصالح "الأسد".

روسيا اعتمدت في تقوية العلاقات مع القاهرة، على وجود توتر في العلاقة بين السيسي والرئيس الأمريكي السابق "باراك أوباما"، والأخير كانت لديه تحفُّظات على إدارة المشهد في مصر، فضلاً عن اعتراضات على تردّي أوضاع حقوق الإنسان.

ورفضت روسيا ارتماء السيسي في أحضان الرئيس الأمريكي الجديد دونالد ترامب، والذي أطلق والرئيس المصري تصريحات في إطار "الغزل السياسي".

وبعد الضربة العسكرية المصرية على أهداف في ليبيا، وتوجيه السيسي رسالة إلى ترامب حول ضرورة مكافحة الإرهاب، زارَ وزيرَا خارجية ودفاع روسيا مصرَ؛ للتباحث حول سُبل مواجهة الإرهاب وإطلاق تصريحات حول عدم وجود شروط مُسبقة لرفع حظر السياحة إلى مصر، والذي جاء بعد سقوط الطائرة الروسية فوق سيناء 2015.

ليبياكانت حاضرة في سياسة روسيا الخارجية أيضاًنحو توسيع نفوذها في الشرق الأوسط؛ استغلالاً لعدم وضع هذه الأزمة على أجندة أولويات السياسة الخارجية لأمريكا.

وفتحت روسيا أبوابها لأطراف الأزمة الليبية وتحديداً معسكر برلمان "طبرق" بقيادة "عقيلة صالح" وقائد القوات الموالية للبرلمان بقيادة "خليفة حفتر".

في المقابل تحركات روسيا كانت قوية باتجاه تركيا، الحليف الأمريكي القوي في الشرق الأوسط، وعضو حلف الناتو، وباتتْ روسيا حريصة على التقارب بشكلٍ كبيرٍ مع تركيا.

وآثرتْ روسيا عدم تعريض تلك العلاقات إلى التأثر سلباً بفعل بعض الحوادث، منها اغتيال سفيرها في أنقرة "أندريه كارلوف" العام الماضي، فضلاً عن إسقاط مقاتلة "سوخوي" 2015.

وبَاتَ واضحاً أن روسيا تُدرك حاجتها لعدم وجود استمرار عداء تركي لدعم موسكو للأسد، فضلاً عن اللعب على وتر التوتر في العلاقات بين أنقرة وواشنطن؛ بفعل سعي الأخيرة لدعم قيام دولة كردية على حدود تركيا.

الأزمة القطرية

تجلّيات النفوذ الروسي في المنطقة ظهرتْ في الأزمة الخليجية الأخيرة، بعد قطع دول خليجية (السعودية والإمارات والبحرين) إضافة إلى عدة دول أخرى علاقاتها مع قطر.

وسعت روسيا بشدة إلى حل الأزمة الخليجية وأجرَى الرئيس الروسي "فلاديمير بوتين" اتصالات بأطراف الأزمة، إذ اتصل بالملك "سلمان" وأمير قطر الشيخ "تميم بن حمد آل ثاني"، والرئيس المصري "عبد الفتاح السيسي".

موسكو حرصت منذ بداية الأزمة على الوقوف بشكلٍ مُحايدٍ؛ لعدم إغضاب أي طرف من الأزمة سواء السعودية أوقطر؛ لوجود مصالح مشتركة مع الطرفين.

وفي ظل عدم وضوح الموقف الأمريكي تماماً حيال الأزمة، حاولت قطر معادلة كفتها من خلال محاولة التقارب أكثر مع روسيا.

وزار وزيرُ خارجية قطر الشيخ "محمد بن عبد الرحمن آل ثاني"، موسكو قبل أيام، والتقى نظيره الروسي "سيرجي لافروف"، والأخير وعد بتحرُّك روسي لحل الأزمة.

مكاسب اقتصادية

"حرب باردة" جديدة.. هكذا يُمكن تلخيص الصراع بين أمريكا وروسيا في منطقة الشرق الأوسط، وبَدَا أن "بوتين" يسعى بقوة لعودة نفوذه في تلك المنطقة.

وتمكَّنتْ روسيا بشكلٍ جيدٍ في التحرُّك خلف أمريكا وسَدّ الفراغ في بعض الدول؛ اعتماداً على القوة العسكرية لروسيا، عبر بوابة سوريا.

وهنا يبرُز سعي موسكو لترجمة هذا النفوذ المتزايد في المنطقة في صورة مكاسب اقتصادية كبيرة، ومنازعة أمريكا في استمالة الأموال عبر استثمارات في روسيا.

وتمكَّنتْ روسيا من استغلال الصراع في المنطقة واستعراض القوة وتسويق السلاح الروسي مرة أخرى، إلى تعظيم المكاسب من مبيعات السلاح وعقد صفقات مع عدة دول، فضلاً عن مفاوضات على صفقات أخرى، إذ بلغتْ قيمة صفقات الأسلحة لأكثر من 18  مليار دولار منذ عام 2006.

كما نجحتْفي تسويق التكنولوجيا النووية للأغراض السلمية، وكانت أولى هذه المحاولات المحطة النووية المصرية في "الضبعة"، فضلاً عن السعي من خلال التنسيق مع دول الخليج؛ لاستقرار أسعار النفط دولياً.

وتُحاول موسكو تشكيل تحالف دولي أومنظمة من الدول المُصدّرة للغاز الطبيعي؛ وهو ما يُعزّز من سيطرة شركاتها العاملة في هذا المجال، والتي يُقدَّر عددها بنحو 15 شركة حول العالم.

صدام مرتقب

تزايدت حرارة "الحرب الباردة" بين أمريكا وروسيا خلال اليومين الماضيين، في ظل الخلاف الكبير على التعامل مع الأزمة السورية.

وأقدمت أمريكا على إسقاط طائرة سورية قصفت أهدافا لقوات معارضة في مدينة الرقة، إذ أنه مسرح عمليات أمريكا التي توفر غطاء جويا لقوات "سوريا الديمقراطية" التي تتقدم على الأرض لدحر تنظيم "داعش" بسوريا.

روسيا في المقابل هددت أمريكا باستهداف طائرات التحالف الدولي لمكافحة الإرهاب إذا ما حلقت غرب نهر الفرات، من خلال الأنظمة الصاروخية والطائرات الحربية.

وأعلنت وزارة الدفاع الروسية أنها ستلغي اتفاقا مع واشنطن بشأن السلامة الجوية فى سوريا يستهدف منع التصادم والحوادث الخطيرة هناك.

في المقابل رد البيت الأبيض على التصعيد الروسي، قائلا: "إن قوات التحالف التي تقاتل تنظيم الدولة الإسلامية في سوريا تحتفظ بحق الدفاع عن النفس".

الموقف الروسي مبرر في إطار الدفاع عن مصالحها في سوريا، والتي تنطلق منها لتعزيز وتعظيم نفوذها في منطقة الشرق الأوسط.