«ابن سلمان» وجزيرة «سقطرى».. ترمومتر اختبار العلاقة مع الإمارات (تحليل)

«ابن سلمان» وجزيرة «سقطرى».. ترمومتر اختبار العلاقة مع الإمارات (تحليل)

02:26 ص

29-يونيو-2017

سيُمثّل الدور الذي سيلعبه "خالد بحاح" خلال الفترة المقبلة ترمومتراً لمستقبل العلاقة بين السعودية والإمارات بعد تسمية الأمير "محمد بن سلمان" ولياً للعهد، وما إذا كانت الرياض على استعداد لتنفيذ مقتضيات "صفقة طحنون" أم لا.

علامات استفهام عديدة طرحتها عودة رئيس الحكومة ونائب الرئيس اليمني السابق "خالد بحاح" إلى مدينة "المكلا" - كبرى مدن "حضرموت" شرق اليمن - رغم إقالة الرئيس "عبد ربه منصور هادي" له قبل أكثر من عام مضى (أبريل 2016)، خاصة في ظل استقباله من ضباط إماراتيين.

فالرجل المعروف بأنه ربيب أبو ظبي في اليمن حاول تكثيف ظهوره الإعلامي عقب قرار إقالته بحثاً عن دور سياسي فاعل، لكن يبدو أن حكومة "هادي"، المدعومة من السعودية، لم تأبه لتحركاته، وهو ما تكرَّر لاحقاً مع محافظ عدن السابق "عيدروس الزبيدي"، لكن بمصاحبة إعلان إماراتي للامتعاض من قرار إقالته؛ باعتبار أنه صدر "دون تشاور مسبق".

كل هذه المعطيات قدَّمتْ مؤشراً على تضارب للمصالح بين السعودية والإمارات في اليمن، زاده تعيين الجنرال "علي محسن الأحمر" و"أحمد عبيد بن دغر" في منصبي نائب الرئيس ورئيس الحكومة، كبديلين لـ "بحاح"، حيث يُحسَب الأول على حزب "التجمع اليمني للإصلاح" المدعوم من تيار "الإخوان المسلمين"، وهو ما ترفضه الإمارات بشكلٍ مُطلق.

ومن هنا جاء الرد سريعاً من قبل إعادة أبو ظبي لتفعيل نشاط "الحراك الجنوبي" من جديد باليمن، فخرجت المظاهرات الداعية إلى "الانفصال" بعد قرار إقالة محافظ عدن، في خطوة اعتبرها مراقبون بمثابة استعراض لنفوذ أبو ظبي على الساحة اليمنية، وامتلاكها لأدوات توجيه حراك الجنوب كورقة ضغط كبرى على السعودية، خاصة في ظل استمرار السيطرة الحوثية على شمال اليمن، بدعم من إيران.

ابن سلمان وصفقة طحنون

وفي هذا الإطار، توقَّع مُحلّلون صداماً سعودياً إماراتياً على خلفية الملف اليمني، لكن هذه التوقعات خفتتْ تماماً بعد ظهور ولي ولي العهد السعودي آنذاك، الأمير "محمد بن سلمان"؛ ليقوم بعملية "تسكين" الجبهة الملتهبة.

في لقائه الشهير مع قناة "العربية"، وجَّه "ابن سلمان" هجوماً مباشراً ضد "الإخوان المسلمين" لأول مرة، وأكَّد على استراتيجية علاقة المملكة بالإمارات ومصر، وكان ذلك بداية التمهيد لنقل باقي خيوط السلطة إليه، وتسميته ولياً للعهد، بعد الإطاحة بسلفه، الأمير "محمد بن نايف".

وخلال هذا الانتقال، التقى الحاكم الفعلي للسعودية "طحنون بن زايد"، الشقيق الأصغر لولي عهد أبو ظبي ومسؤول الأمن لديه؛ ليطلب منه تهدئة الوضع في جنوب اليمن، في إطار صفقة تحصل الإمارات بموجبها على تنحية "عبد ربه منصور هادي" عن الرئاسة اليمنية، عبر سحب الرياض دعمها لحكومته، واستبداله بـ "خالد بحاح"، وفقاً لما أورده الكاتب البريطاني "ديفيد هيرست" في تحليل نشره بصحيفة "هافنغتون بوست" الأمريكية، نقلاً عن مصادره.

ولعل ذلك ما يُفسّر حالة السكون الإماراتي المفاجئ بعدما كان الاتجاه نحو التصعيد ضد "إقالات" "هادي" لرجال أبو ظبي في اليمن، عبر تصعيد الحراك الجنوبي، وهو ما سبق لـ "القصة" تناوله في تحليل سابق.  

ومن هنا يُمكن قراءة عودة "بحاح" إلى الساحة مرة أخرى باعتبارها جزءاً من مخطط يُفترض الاتفاق عليه بين السعودية والإمارات، لكن تسريبات رحلة العودة لا تَشِي بذلك.

"بحاح" في الرياض

نقل موقع "عربي 21" عن مصادره أن العودة المفاجئة لرئيس الحكومة اليمنية السابق على متن طائرة إماراتية خاصة، جاءت بعد أيام من وصوله السعودية، في مهمة "لم يُكتب لها النجاح" للقاء مسؤولين سعوديين بإيعاز من الأولى.

وأوضحت المصادر أن "بحاحط وصل المملكة قبل أسبوع تقريباً لإجراء لقاء مع ولي العهد الجديد، بتكليف من قبل أبو ظبي، لكنه فشل في هذه المهمة، وتمَّ تجاهله من قبل المسؤولين السعوديين، ولم يتمكَّن من عقد أي لقاء، وظلَّ في الفندق الذي أقام فيه، دون أن يحظى بأي اهتمام.

بدأت ملامح المهمة تتضح من خلال تصريح أدلى به "بحاح" فور وصوله مطار "الريان" في "المكلا"، الذي حولته "أبو ظبي" إلى قاعدة عسكرية يقع في نطاقه سجن سرّي، ضمن شبكة سجون تُديرها الإمارات في اليمن، ويتعرَّض فيها مئات الأشخاص لأقسى أنواع التعذيب.

الإمارات وجزيرة "سقطرى"

وتُرجّح المصادر أن تحمل عودة "بحاح" إلى "المكلا" إحداث حراك سياسي قد يُشكّل قلقاً للسعودية في حال عدم تنفيذ ما تم الاتفاق عليه في "صفقة طحنون"، خاصة أن السبب الرئيسي لإقالته من رئاسة الحكومة اليمنية هو وضعه اللمسات الأخيرة على قرار يقضي بالتنازل عن إدارة جزيرة "سقطرى" للإمارات لمدة 99 عاماً.

فور علم "هادي" بهكذا مشروع أقال "بحاح" على الفور، وهو ما أثار حفيظة المسؤولين الإماراتيين حينها، وبَدَا أنه مدعوم من قبل السعودية.

هذا يعني أن تنفيذ "ابن سلمان" لصفقة "طحنون"، سالفة الذكر، سيُؤدّي إلى تمكين الإمارات من مشروع يستهدف الهيمنة البحرية على خليج عدن ومضيق باب المندب، أي السيطرة على الملاحة الآتية إلى البحر الأحمر بالكامل.

فـ "سقطرى"، التي تبعد مئات الكيلومترات عن اليمن، باتت جزيرة إماراتية السيطرة، بعد أن أحكمت أبو ظبي قبضتها عليها، عبر شراء مساحات واسعة من أراضيها وهيمنة "رجال أعمالها" على النشاط الاقتصادي بها، وشراء ذمم ممثلي السلطات اليمنية بها، إلى حد التعامل فيها بالعملة الإماراتية (الدرهم) ورفع علم الإمارات في شوارعها وعلى مبانيها الحكومية!.

كما قامت أبو ظبي بتوصيل شبكة اتصالاتها المحلية وربطها بالجزيرة، وعمدت إلى إعطاء تسهيلات للمواطنين ليحصلوا على أرقام هواتف إماراتية.

وبافتتاح خط ملاحي جوي مباشر بين أبو ظبي و"سقطرى" أبدى السكرتير الصحفي في مكتب "هادي" عن وجود أطماع خطيرة للإمارات في الجزيرة اليمنية، متسائلاً: "لماذا لا يتم افتتاح خط ملاحي جوي مباشر بين أبو ظبي وعدن؟".

ميون والهيمنة البحرية

فيما أفادت تقارير صحفية بأن الإمارات تسعى إلى تأسيس قاعدة عسكرية بحرية بجزيرة "ميون" اليمنية، على مضيق باب المندب، فضلاً عن سيطرتها شبه الكاملة على ساحل اليمن الجنوبي بشكل كامل منذ أغسطس 2015.

ويرى مراقبون أن التحركات الإماراتية تَشِي بمخطط أكبر من مجرد سعيها لمد نفوذها البحري، خاصة أن المعلومات الواردة عن إدخال قوات ومعدات عسكرية إماراتية إلى "سقطرى"، العام الماضي، يُعدُّ مؤشراً على أن هناك أهدافاً عسكرية وراء التحركات.

وبحسب مصادر موقع "تاكتيكال ريبورت"، فإن الإمارات تسعى إلى دور مباشر في المنطقة، بالتوافق مع البحرية الأمريكية والبحرية المصرية، حتى وإن تجاوزت البحرية السعودية.

هذه المعطيات تَشِي بتهديد إماراتي للمصالح السعودية، أو تجاهل لها على الأقل، بينما تُؤشّر توجهات ولي العهد السعودي الجديد إلى تحالف استراتيجي مع الإمارات في الفترة المقبلة، فيما لم تكشف "تسريبات" زيارة "بحاح" للرياض سوى عن سير الأمور في اتجاه معاكس لذلك.

ولذلك يرى مراقبون أن مستقبل العلاقة بين ولي العهد الجديد والحاكم الفعلي للسعودية، وبين الرئيس اليمني وحكومته، سيُمثّل علامة فارقة في قراءة التحركات الإماراتية البحرية.

فإذا ما التزم ولي العهد السعودي "بصفقة طحنون" فإن دخول بلاده في نطاق الترتيبات الإقليمية، سالفة الذكر، سيكون أمراً وارداً "في إطار ريادة إماراتية لنفوذ الهيمنة البحرية"، وسيطرتها على منطقة الجنوب اليمني، وإذا كانت الثانية فإن عودة الالتهاب إلى علاقات الرياض وأبو ظبي ستكون مرشحة بقوة، وفي كلا الحالتين فإن المملكة تبدو خاسرة استراتيجياً.