غزة على حافة اللاعودة.. كيف يمكن نزع فتيل الحرب القادمة بين حماس وإسرائيل

غزة على حافة اللاعودة.. كيف يمكن نزع فتيل الحرب القادمة بين حماس وإسرائيل

03:00 ص

01-يوليو-2017

لكن ثبت أن هذا الافتراض خاطئ مرة أخرى؛ فالضغط على غزة يتصاعد بشكل دوري حتى تقرر حماس استخدام القوة في محاولة لتغيير قواعد اللعبة. وهكذا..

"غزة على حافة اللاعودة".. صحيحٌ أن الباحثة بينيديتا بيرتي لم تكن بِدعًا من الباحثين الأجانب الذين أطلقوا تحذيرًا مشابهًا خلال الفترة الماضية، إلا أن الكاتبة المتخصصة في شؤون السياسة الخارجية والأمن لم تكتفِ بذلك، بل استفادت من خبرتها في مجال الأمن البشري والنزاعات الداخلية وآليات نشر الاستقرار وترسيخه بعد النزاعات وإدارة الأزمات والوقاية منها، لتقدِّم بعض التوصيات عبر دورية فورين أفيرز التي ترى أن بإمكانها المساعدة في نزع فتيل الحرب المقبلة بين حماس وإسرائيل.

حافة الهاوية

تفرض أزمة الكهرباء المستمرة ضغوطا هائلة على غزة، وإذا لم يتم التصدي لها؛ يمكن أن يصل بها المطاف إلى انهيار سياسي، وكارثة إنسانية كاملة، وجولة أخرى من العنف بين حماس وإسرائيل.

إن وجود مزيج خطير من: التنافس الفلسطيني-الفلسطيني، وعدم وجود استراتيجية إسرائيلية طويلة الأمد للتعامل مع حماس، والقصور الدولي، وعدم وجود عملية سياسية؛ يزيد من مأزق غزة المرير يفاقم احتمالات نشوب صراع.

الأسوأ من ذلك أن هذه العوامل ذاتها تُغرِق القطاع في أعمق أزمة إنسانية شهدها خلال عقد من الزمان. باختصار، غزة على شفا جُرُفٍ إنساني، وربما سياسي، لا عودة منه.

تصعيد عسكري.. تخفيف الحصار.. ضغوط اقتصادية وسياسية: حلقة مفرغة من التصعيد بين حماس وإسرائيل

رصدت الكاتبة نمطًا مشابهًا لحلقات التصعيد بين حماس وإسرائيل على مدى السنوات العشر الماضية: على الرغم من فشل محاولات إسرائيل المتكررة للإطاحة بحماس من السلطة عن طريق عزل غزة، فإنها لا تزال تعتمد على منظومة القيود ذاتها لإبقاء حماس تحت السيطرة.

كان الافتراض الذي تنطلق منه هذه الرؤية هو أن حماس، الراغبة في مواصلة حكم قطاع غزة، يمكن منعها من شن الأعمال العدائية العسكرية من خلال التهديد بزيادة العقوبات الاقتصادية والعمل العسكري. ينطوي هذا المنطق على الاعتقاد بإمكانية ممارسة ضغط كاف على حماس لإبقائها ضعيفة، بموازاة عدم ممارسة ضغوط كبيرة جدًا على الحركة تكفي لجعلها يائسة: إذا لم يكن لديها ما تخسره فلن يكون ردعها ممكنًا.

لكن ثبت أن هذا الافتراض خاطئ مرة أخرى؛ فالضغط على غزة يتصاعد بشكل دوري حتى تقرر حماس استخدام القوة في محاولة لتغيير قواعد اللعبة. وهكذا، فإن الصراعات العسكرية قصيرة الأجل يعقبها تخفيف مؤقت في سياسة العزلة. ومع مرور الوقت، ينعكس الاتجاه، مما يؤدي في النهاية إلى جولات إضافية من الصراع.

حدث ذات النمط بعد الحرب الأخيرة في عام 2014: عقب تخفيف مؤقت للإجراءات المتعلقة بدخول وخروج السلع والأشخاص، شهد القطاع زيادة كبيرة في الضغط السياسي والاقتصادي، مما أدى في نهاية المطاف إلى زيادة فرص نشوب جولة أخرى حرب.

في مرحلة ما بعد عملية "عمود الدفاع" (نوفمبر 2012)، تصرفت إسرائيل وفقا لمنطقين منفصلين يحتمل أن يكونا معارضا:

- من ناحية، تبنت إسرائيل فكرة أن الضغط الشديد على غزة يمكن أن يؤدي إلى نتائج عكسية. وهي تدرك أن إعادة الإعمار والإغاثة الإنسانية يمكن أن تؤدي دورا رئيسيا في توفير قدر من الاستقرار.

- لكن من ناحية أخرى، لم تتماشى الإجراءات المتخذة مع تلك السياسة، من المنظور العملي. حيث فرضت إسرائيل قيودا متزايدة على حرية تنقل الأشخاص والبضائع خاصة منذ أواخر عام 2016.

وعلى الرغم من أن هذا النمط من القيود المتنامية مألوف، فإن حجم الضغط الذي فرض على غزة في الأشهر القليلة الماضية لم يسبق له مثيل، مما دفع القطاع إلى نقطة اللاعودة.

إمدادات الكهرباء.. كسلاح سياسي

بالإضافة إلى السياسة الإسرائيلية، وعلاقة مصر المعقدة مع حماس، تدفع السلطة الفلسطينية في رام الله بقوة لتطبيق سلسلة من السياسات تهدف إلى إضعاف حماس.

تشمل هذه السياسات، من بين أمور أخرى، تخفيضات مرتبات موظفي الخدمة المدنية المدرجات على كشوف مرتبات السلطة في غزة، وإعلان خطة للتقاعد المبكر لجزء كبير من موظفي الأمن الذين يتقاضون رواتبهم في القطاع، وتخفيض شحنة الأدوية والمعدات الطبية إلى غزة.

أهم ما يثير القلق- بحسب الكاتبة- هو أن وصول غزة إلى الكهرباء أصبح أيضا سلاحا سياسيا في الصراع الدائر بين حماس والسلطة الفلسطينية.

حتى قبل وصول أزمة الكهرباء الأخيرة إلى ذروتها في منتصف يونيو، لم يستطع القطاع تلبية سوى نصف احتياجاته الإجمالية من الطاقة، وكان ذلك أساسا عبر الشحنات القادمة عبر إسرائيل.

بيد أن الوضع سرعان ما تحول إلى الأسوأ في الأشهر القليلة الماضية: توقفت محطة توليد الكهرباء الوحيدة في غزة عن العمل في شهر أبريل؛ لأن المحطة لم تتمكن من تحمل تكاليف مدخلات الوقود التي تضخم سعرها نتيجة الضرائب المفروضة من السلطة الفلسطينية.

تصاعدت الأمور مع إعلان السلطة الفلسطينية أنها لا تنوي تحمل كامل فاتورة الكهرباء في غزة، وهو تطور أعقبه قرار إسرائيل بتنفيذ طلبات السلطة الفلسطينية بتخفيض أكثر من 40 في المئة من إمدادات غزة من الكهرباء.

على المدى القصير، تجمدت آثار الكارثة بسبب قرار مصر في اللحظة الأخيرة بإمداد محطة توليد الكهرباء الوحيدة في غزة بالوقود، ومع ذلك، ما لم يتم حل مشكلة انقطاع التيار الكهربائي، فإن إمدادات الكهرباء في غزة قد لا تكفي حتى لفترة الـ4-6 ساعات المتاحة حاليًا في اليوم.

إستراتيجية خطيرة

أعلنت اللجنة الدولية للصليب الأحمر بالفعل أن نقص الكهرباء يعرض الخدمات الأساسية للخطر، بما في ذلك الرعاية الصحية ومعالجة مياه الصرف الصحي وإمدادات المياه.

هذا يعني تفاقم الوضع الصحي العام في غزة بشكل ملموس؛ ذلك أن نقص الطاقة يعوق بشدة مرافق المياه والصرف الصحي التي تعاني من ضغوط شديدة في غزة، مما يؤدي إلى تقليص إمكانية الحصول على المياه النظيفة وظهور مشكلات محتملة تتعلق بالصرف الصحي من بينها انتشار الأمراض المنقولة عن طريق المياه.

وبعيدا عن تدهور الوضع الإنساني في غزة، فإن نقص الطاقة يقلل أيضا من الإمكانيات المستقبلية، مما قد يؤدي إلى إلحاق أضرار بيئية دائمة وشاملة، ويجعل غزة غير صالحة للسكن في المستقبل القريب. فعلى سبيل المثال، تتلوث سواحل المنطقة بصورة متزايدة، وتتعرض مياهها للخطر؛ بسبب مياه المجاري المعالجة جزئيا وغير المعالجة التي تضخ في البحر.

حتى مع دفع غزة إلى نقطة اللاعودة من منظور إنساني، فإن الاستراتيجية الحالية تزيد من استقطاب المشهد السياسي الفلسطيني، وتقلل من فرص المصالحة.

علاوة على ذلك، على الرغم من أن حماس قد تحاول حل أزمة الكهرباء مع مصر، فإن فرص المواجهة العنيفة بين حماس وإسرائيل ستزيد إلا إذا تراجعت الضغوط.

خطوات لنزع فتيل الكارثة

لنزع فتيل الكارثة الإنسانية، ومنع نشوب حرب صيفية أخرى بين إسرائيل وحماس، تنصح الكاتبة إسرائيل بإلغاء التخفيضات الأخيرة في الكهرباء.

وتضيف: "إن احترام طلب السلطة الفلسطينية بوقف إمدادات الكهرباء، ليس مجرد إشكالية كبيرة من منظور القانون الإنساني الدولي، ولكنه أيضًا يتعارض مع مصالح إسرائيل.

على المدى الأطول، فإن معالجة الوضع الإنساني المتردي في غزة يتطلب من جميع الأطراف- بما في ذلك حماس وإسرائيل والسلطة الفلسطينية- وقف تسييس الوصول إلى السلع والخدمات العامة الأساسية مثل المياه والكهرباء.

بالإضافة إلى ذلك، من المهم تذكُّر أن المشاكل الحالية ليست فقط نتيجة سياسات السلطة الفلسطينية التي تتزايد عدوانية، ولكنها أيضًا تتويج حتمي لعقد من السياسات القائمة على العقاب والمستندة إلى مفهوم العزلة.

ولا يمكن وقف انزلاق القطاع إلى نقطة اللعودة الإنسانية والسياسية إلا بتنقيح هذه السياسات، والاستثمارات في إعادة إعمار غزة".