«بلاد الحرمين» و«التطبيع».. هل سينجح النظام السعودي في تمريره شعبياً؟ (تحليل)

«بلاد الحرمين» و«التطبيع».. هل سينجح النظام السعودي في تمريره شعبياً؟ (تحليل)

05:00 ص

01-يوليو-2017

بَاتَت السعودية على أعتاب تطبيعٍ كاملٍ مع "إسرائيل" عبر بوابة جزيرتيْ "تيران" و"صنافير" لتدخُل المملكة في إطار اتفاقية "كامب ديفيد"، ولكن يبدو أن العلاقات ستأخذ منحى أكبر من مجرد التنسيق الأمني بين الطرفين، وهو ما ظهر خلال عملية تمهيدٍ للتطبيع.

فتَح تنازلُ مصر عن جزيرتيْ "تيران" و"صنافير" للسعودية في إطار اتفاقية ترسيم الحدود البحرية بين البلدين، البابَ على مصراعيه لتطبيع - ربما طال انتظاره - بين السعودية و"إسرائيل" خلال الفترة المقبلة.

السعودية بَدَتْ مُستعدة بكل قوة للدخول في عملية تطبيع رسمية مع "إسرائيل" بمجرد استلام الجزيرتين من مصر بعد تصديق الرئيس عبد الفتاح السيسي على الاتفاقية قبل أيام.

وبَاتَ استلام الجزيرتين باباً خلفياً لهذا التطبيع في العلاقات، خاصة مع صعوبة المُضيّ قُدماً في هذا الأمر من دون مُبرّر واقعي، إذ إن السعودية ملتزمة باتفاقية "كامب ديفيد"، بل وشريك رئيسي فيها بموجب الاتفاقية مع مصر.

وهذه الخطوة تعني وجود تنسيق سعودي "إسرائيلي" رسمي حول الملاحة في البحر الأحمر، وهو مُقدّمة لمزيد من التعاون والتنسيق بين الدولتين، خاصة مع ما تنشره الصحافة "الإسرائيلية" من ترحيب كبير بتولّي "محمد بن سلمان" منصب ولي العهد خلفاً لـ "محمد بن نايف" بعد تجريده من كل المناصب التي كان يتمتع بها أخيراً.

وقال وزير الإعلام "الإسرائيلي" "أيوب قرا": "إن إسرائيل والسعودية تُقيمان بواسطة وسطاء أمريكيين قناة تواصل لتطوير العلاقات الدبلوماسية بينهما".

ويُعزّز من مسألة أن استلام السعودية للجزيرتين مفتاح للتطبيع مع "إسرائيل"، أمران:

الأول: ما كشفته الصحف "الإسرائيلية" عن زيارة سرية لرئيس الوزراء "الإسرائيلي" "بنيامين نتنياهو" إلى القاهرة خلال مناقشات اتفاقية ترسيم الحدود البحرية بين مصر والسعودية، أي أنها خطوة كانت مُعدّة سلفاً بتنسيقٍ كاملٍ مع الكيان الصهيوني.

الثاني: تصريحات السيسي حول سعيه لإقامة سلام دافئ في المنطقة مع "إسرائيل" في الشهر الذي أعقب توقيع اتفاقية ترسيم الحدود، أي أن الرجل يُعتبر "عَرَّاب" التطبيع مع الكيان الصهيوني في المنطقة.

نوايـا سابقة

على المستوى الرسمي بَدَا أن السعودية لا تُمانع من التطبيع مع "إسرائيل" وربما تتطوّر إلى علاقات دبلوماسية كاملة بين البلدين مع الحديث عن افتتاح خط طيران بين الرياض و"تل أبيب"، بحسب صحف "إسرائيلية".

هذا الاستعداد كانت ترجمته زيارات قامت بها شخصيات نافذة سعودية غير رسمية إلى الأراضي المحتلة أبرزهم اللواء المتقاعد "أنور عشقي"، ولقاء مسؤولين "إسرائيليين".

وقالت وزارة الخارجية "الإسرائيلية" حينها: إن "عشقي" التقى "دوري غولد" المسؤول في الخارجية "الإسرائيلية" في فندق الملك داوود في القدس.

وتوقيت هذه الزيارة جاء في شهر يوليو العام الماضي أي بعد فترة قليلة من توقيع اتفاقية ترسيم الحدود بين مصر والسعودية.

ويُنظَر إلى "عشقي" باعتباره "عرَّاب" التطبيع السعودي مع "إسرائيل"، خاصة وأن الرجل ليست لديه صفة رسمية؛ وبالتالي يُمكن أن تصف المملكة زيارته والتواصلات مع "الإسرائيليين" في إطار الزيارات الخاصة.

ويرى كثيرون أن هذه الخطوة في التقارب السعودية "الإسرائيلي" تأتي في إطار خطة أمريكية "إسرائيلية" لكسر عزلة الأخيرة في المنطقة، بمساعدة السيسي، خاصة وأن الأخير يدفع باتجاه تسوية الأزمة الفلسطينية على مبدأ حل الدولتين، بما يُتيح علاقات طبيعية بين الكيان الصهيوني ودول المنطقة.

تمهيد للتطبيع

بوتيرةٍ مُتسارعةٍ وانعكاساً لانجراف السعودية تجاه التطبيع مع "إسرائيل"، دَشَّن مُغرّدون وَسْماً على موقع التواصل الاجتماعي "تويتر" تحت عنوان: "سعوديون_مع_التطبيع".

الوَسْم قال عنه البعض: إنه بإيعاز من أجهزة سيادية سعودية؛ ليبدو الأمر وكأنه مطلب شعبي، وأيضاً كخطوة استباقية لمواجهة أي جهد يُبذَل في هذا الإطار ضد خطوات التطبيع.

هذا الوَسْم خرج لتأييد التطبيع المُنتظَر بين السعودية و"إسرائيل" والذي يُروّج له "عشقي" في كل تصريحاته وحواراته الصحفية؛ باعتبار أنه خطوة طبيعية عقب استلام الجزيرتين.

وحفلتْ تعليقات المشاركين بتأييد هذه الخطوة خلال الفترة المقبلة، في إطار الدور الذي تلعبه السعودية في المنطقة، مع ضرورة حل الأزمة الفلسطينية.

ولكن في المقابل ظهَر وَسْمٌ آخر "سعوديون_ضد_التطبيع"، إذ حَفل برفضٍ شديدٍ للغاية لدعوات التطبيع التي ظهرتْ فجأة على مواقع التواصل الاجتماعي لتأييد هذه الخطوة، مستنكرين المشاركة في وَسْم "سعوديون_مع_التطبيع"؛ باعتبارهم ليسوا سعوديين من الأساس.

وأعادوا نشر صور الملك "فيصل"؛ باعتباره أكثر ملوك السعودية رفضاً للكيان الصهيوني وممارساته والدعاء لاستئصال "إسرائيل" تماماً، ودعم قضية فلسطين.

وَسْم "سعوديون مع التطبيع" لم يكن الخطوة الوحيدة للدفع باتجاه قبول هذه الخطوات، بل شهدت الصحف والمواقع مقالات تدفع باتجاه العلاقات مع "إسرائيل"، وكان من بينها مقال في صحيفة "الرياض" لكاتبٍ يُدعَى "مساعد العصيمي" قال فيه: "ما نُؤمن به أن الفلسطينيين قد أبرموا اتفاقات ومعاهدات صُلح، ورضوا بالقليل الذي أعطتهم إياه تلك المعاهدات، وهي قضيتهم وهم أدرى بها وأصحاب المسؤولية عنها.. وهنا حقَّ لي أن أسأل: هل عليّ أن استمرَّ مُستنفراً وَجِلاً مُتوتراً من إسرائيل بعد أن رضوا هم وأهل الدار الأصليون بالسلام، وما زالوا يتفاوضون عليه؟!".

ما العمل؟

الرفض السعودي للتطبيع على المستوى الشعبي يُقوّض من مسألة التقارب السريع مع "إسرائيل" عقب تسلُّم الجزيرتين وبدء إجراءات التنسيق الملاحي حول عبور السفن "الإسرائيلية" برعايةٍ مصريةٍ أمريكيةٍ.

ولكن يبقى السؤال: كيف ستتعامل السعودية مع الرفض الشعبي للتطبيع مع "إسرائيل"؟ إجابة هذا السؤال كانت لدى "عشقي" في الحوار الذي أجراه مع قناة "دويتشه فيله" الألمانية.

"عشقي" ربط تطبيع العلاقات بموافقة "إسرائيل" على المبادرة العربية المطروحة منذ عام 2002، ولكنه استدرك بالإشارة إلى طرح "إسرائيل" مبادرة تختلف قليلاً عن المبادرة العربية يتم دراستها في أمريكا حالياً.

إذن هي محاولات مستمرة لترويج وجود مكاسب للقضية الفلسطينية جرّاء تطبيع العلاقات مع "إسرائيل"، وهي أولاً حل القضية ووجود دولة فلسطينية مستقلة، ثانياً إغراء "إسرائيل" بأن الموافقة على دولة فلسطينية يستتبعه تطبيع العلاقات مع السعودية، وهو ما يُشجّع على اتخاذ عدد من الدول العربية والإسلامية لهذه الخطوة.