الداخلية تعتقل 500 طالبٍ أزهريٍّ من «تركستان الشرقية».. لماذا؟

الداخلية تعتقل 500 طالبٍ أزهريٍّ من «تركستان الشرقية».. لماذا؟

01:39 ص

06-يوليو-2017

حملةٌ أمنيةٌ غريبةٌ ومُريبةٌ في نفس الوقت، لماذا تُقدِم مصر على اعتقال طلاب وافدين إليها يبحثون عن دراسة العلوم الشرعية بأعرق مؤسسة دينية في العالم؟.

"اعتقال 500 طالب بالأزهر في أيام قليلة".. خبر صادم تداولته عدد من الصحف ومواقع التواصل الاجتماعي في مصر خلال الأيام الماضية، لكن الأشدَّ صدمة في الأمر أن الطلاب المعتقلين ليسوا مصريين، لكنهم من الطلاب المُبتعثين للأزهر من خارج مصر طلباً للعلم الشرعي.

وحسب ما نشره موقع "تركستان تايمز" فإن أجهزة الأمن في مصر ألقت على مدار الأيام الماضية القبض على حوالي 500 طالب من الطلاب التركستانيين الذين يدرسون بالأزهر الشريف؛ تمهيداً لترحيلهم إلى بلادهم.

الموقع التركستاني أكّد أن الطلاب المُبتعثين تم اعتقالهم من أماكن إقامتهم، ومن المطاعم والأماكن العامة التي يُمكن أن يتردّدوا عليها، وأن مَن حاول الخروج من زملائهم خارج مصر، تم اعتقاله في المطار!.

فلماذا تُقدم الداخلية على اعتقال طلاب "تركستان الشرقية" على وجه الخصوص؟ وهل هناك علاقة بين تلك الحملة وبين الزيارة التي قام بها نائب وزير الأمن العام الصيني لمصر الشهر الماضي؟ وما موقف الأزهر من تلك الحملة؟ ومَن يقف وراءها؟.

مَن هم الطلاب التركستانيون؟

يُطلَق على طلاب "تركستان الشرقية" الطلاب الأوغوريين أو (مسلمي الصين)، وهم يتبعون دولة "تركستان الشرقية"، التي كانت دولة مستقلة بذاتها، لحين تم احتلالها من قِبَل الصين، وهي دولة تبلغ مساحتها 1.660 مليون كم2، وتأتي في الترتيب التاسع عشر بين دول العالم من حيث المساحة، إذ تُعادل مساحتها ثلاثة أضعاف مساحة فرنسا، وتشكل خُمس المساحة الإجمالية للصين.

ويوجد في تركستان الشرقية 86 مدينة، يقوم الصينيون بإعادة تقسيمها وتسميتها، وتُدار تحت مظلّة الحكم الذاتي (اسمًا)، ويُقدَّر العدد الحالي للسكان المسلمين بـ 18 إلى 20 مليون نسمة، فهم يُمثّلون حوالي 90 - 95% من سكان بعض المدن التركستانية.

وفي محاولة لتصيين "تركستان الشرقية" ديموغرافيًّا، أطلق الصينيون عليها اسم إقليم "سينكيانج"، كما تتعرَّض لتطهير عرقي وتهجير حتى تقل نسبة المسلمين فيها، والتي كانت قد وصلت إلى 95% من نسبة السكان، ولكنها بعد الممارسات القمعية والتطهير العرقي والتهجير وعمليات الاستيطان المستمرة قلَّتْ هذه النسبة.

لماذا يتم اعتقالهم؟

استهداف طلاب "تركستان الشرقية" السبب من وراءه هو سعي مصر لإرضاء الصين؛ بهدف زيادة العلاقات بينهما ومد جسور التواصل الاقتصادي بين البلدين.

ففي 19 يونيو الماضي، قام وفد أمني صيني رفيع المستوى بزيارة القاهرة، بقيادة نائب وزير الأمن العام الصيني "تشن زيمين"، وعدد من معاونيه، والتقى وقتها باللواء "مجدي عبد الغفار" -  وزير الداخلية - وبَحَثَا التعاون الأمني المشترك ووقَّعا وثيقة تعاون فني للتعاون في عدد من المجالات الأمنية المُتخصّصة مع أجهزة الأمن الصينية.

وخلال تلك الزيارة أكَّد نائب وزير الأمن العام الصيني أهمية مصر ودورها المحوري في الشرق الأوسط، مُشيداً بالجهود التي تبذلها وزارة الداخلية لمكافحة الإرهاب وتدعيم الاستقرار في البلاد، مُعرباً عن رغبة بلاده في تفعيل قنوات تبادل المعلومات ذات الصلة بالتنظيمات المتطرفة، وأنشطة الهجرة غير الشرعية، فضلاً عن الاستفادة من الخبرات الأمنية المتميزة لوزارة الداخلية المصرية، خاصة في مجال مكافحة الإرهاب والتعامل مع الأيديولوجيات المتطرفة.

وعلى هذا الأساس لم تُكذّب الداخلية المصرية خبراً، حيث قامت بعد نحو 3 أسابيع فقط من تلك الزيارة بشَنّ حملات اعتقال ومداهمات واسعة لطلاب "تركستان الشرقية" المسلمين الذين يدرسون في الأزهر، والذين تعتبرهم الصين منبعاً للتطرف والإرهاب.

المُثير أن حملات الداخلية المصرية تأتي في ظل تكتم رسمي من قبل الوزارة، كما تأتي في ظل تجاهل الإعلام المصري والصيني الرسمي لها، ما يُؤكّد أنها من أجل إرضاء الصين وليست مبنية على دلائل واتهامات واضحة ضد المعتقلين.

إلغاء الدراسة بالأزهر

وخلال الأشهر القليلة الماضية، أصدرت السلطات الصينية قراراً بإلغاء ابتعاث الطلاب التركستانيين للأزهر، ومنعتهم من الدراسة به، وطالبتهم بالعودة إلى تركستان، وقرَّرت أن مَن يمتنع عن العودة والإصرار على استكمال الدراسة فسيتم اعتقال ذويهم والزَّجّ بهم في السجون، وهذا ما حدث فعلاً، بحسب تقارير إعلامية.

غير أن الكارثة أن مَن عاد إلى تركستان وامتثل للأمر، قامت السلطات الصينية بمحاكمته، ويُواجه بعضهم عقوبة السجن لفترات تتراوح من 15 سنة إلى السجن المؤبد، وقد تصل إلى الإعدام في بعض الحالات، دون توجيه اتهامات منطقية واضحة.

ويبدو أن الداخلية المصرية قرَّرتْ مساعدة الأجهزة الأمنية المصرية في تطبيق هذا القرار فقامت بشَنّ حملات اعتقال واسعة ضد الطلاب التركستانيين الذين يدرسون في مصر، واعتقلت حتى الآن نحو 500 طالباً، قامت بترحيل عددٍ كبيرٍ منهم، فيما لا تزال تُحقّق مع الباقين.

وتسعى مصر لإقامة علاقة قوية مع الصين لنفوذها العالمي وكونها إحدى القوى الكبرى التي يمكن بدعمها أن يُحافظ النظام الحالي على مكتسباته وأهمها الدعم الدولي.

اختفاء قسري وترحيل

ووفقاً لما قاله أحد الطلاب الذين تمكُّنوا من الاختفاء عن أعين الأمن المصري، فهم لا يعرفون أي شيء عن الطلاب الذين تم اعتقالهم وأماكن تواجدهم، كما أكّد بعض الفارّين أنهم تركوا زوجاتهم وبناتهم ولجأوا لأماكن للاختباء؛ خوفاً من الاعتقال.

"سارة ليا ويتسن" - مديرة قسم الشرق الأوسط في "هيومن رايتس ووتش" - أبدَتْ قلقها أيضاً من اعتقال عدد كبير من طلاب "تركستان الشرقية" الذين يدرسون بالأزهر، واصفةً ذلك بأنه "تطور مُثير للقلق".

وقالت في تصريحات لها: "إن السلطات المصرية ألقت القبض على عشرات الطلاب الأيغور، على ما يبدو لترحيلهم بطلب من الحكومة الصينية".

وتابعت: "على السلطات المصرية أن تكشف عن أماكن تواجدهم، وتُصرّح عن سبب اعتقالهم، وتسمح لهم بالوصول إلى محامين، وعلى مصر ألا تُرحّلهم إلى الصين حيث يتعرّضون للملاحقة والتعذيب".

أين شيخ الأزهر؟

ومع تزايد اضطهاد طلاب "تركستان الشرقية" في مصر، يتساءل الكثيرون عن موقف شيخ الأزهر "أحمد الطيب" من حملة قمعية بحق طلاب يقعون بالأساس تحت مسؤوليته، حيث إنهم غادروا بلادهم وبيوتهم من أجل الدراسة بالأزهر الشريف.

وناشد بعض الكُتَّاب والمفكرين شيخ الأزهر بالتدخل السريع لوقف تلك الحملة الأمنية، وأنه لا يصح أن يُترَكوا نهباً لصفقات سياسية قصيرة النظر، خصوصاً أن هؤلاء الطلاب في الأمد البعيد هم سفراء مصر الحقيقيين، بما يتبوأونه من مناصب أو أعمال أو ريادات دينية أو ثقافية أو سياسية أو دبلوماسية، كما يُشكّلون قوةً ناعمةً لمصر والأزهر في كل دول العالم.

فيما توقّع بعض المراقبين أن يكون الأزهر نفسه مقصوداً بتلك الحملة من قبل بعض أجهزة الدولة؛ لتشويه صورته عالمياً، وإظهاره بأنه مؤسسة تضُمّ الكثير من الطلاب أصحاب الفكر المتطرف والذين تلاحقهم بلادهم؛ تمهيداً لمنع استقبال الأزهر لطلاب وافدين من كل أنحاء العالم.

ويُنتظر من شيخ الأزهر أن يُصدر خلال الأيام المقبلة بياناً توضيحياً لما يَجري مع طلاب "تركستان الشرقية"، خصوصاً وأن الأزهر كانت له بيانات سابقة تُدين اضطهاد الصين لمسلمي "تركستان الشرقية"، من بينها انتقاد مشيخة الأزهر العام قبل الماضي قيام الصين بمنع المسلمين في إقليم "تركستان الشرقية" من الصيام في شهر رمضان.