اختطاف جزيرة «ميون».. هل تخطَّت الإمارات خطوط أمريكا الحمراء؟

اختطاف جزيرة «ميون».. هل تخطَّت الإمارات خطوط أمريكا الحمراء؟

06:00 ص

09-يوليو-2017

حوَّلَت الإمارات جزيرة "ميون" على مضيق "باب المندب" إلى قاعدةٍ عسكريةٍ سرّاً ودون علم الرئيس اليمني، بما يؤشر إلى ظهور تناقضات مصالح بين أبو ظبي والرياض مستقبلاً، وربما تدخل الولايات المتحدة طرفاً فاعلاً في إدارة هذا الصراع.

علاقاتٌ متوترةٌ بَاتَتْ تشُوب التعامل بين حكومة الرئيس اليمني "عبد ربه منصور هادي" ودولة الإمارات العربية المتحدة، منذ إعلان قرار إقالة محافظ "عدن" السابق الموالي لأبو ظبي "عيدروس الزبيدي" وصولاً إلى تواتر المعلومات بشأن سعي الإمارات نحو الهيمنة على ساحل الجنوب اليمني والجزر القريبة منه، إضافة إلى مضيق "باب المندب".

ومثَّلَت الأوضاع في جزيرة "ميون" الواقعة بالمضيق الاستراتيجي فصلاً جديداً من فصول التوتر، إذ إن السيطرة عليها تعني التحكُّم فعلياً في مرور الملاحة عبر المضيق، الأمر الذي يُمثّل أهمية اقتصادية وجيوسياسية كبيرة للإمارات، فيما يعتبره "هادي" محاولة مُتدرّجة لتحويل اليمن إلى مُلحقية إماراتية.

من هنا ظهرتْ تناقضات صراعٍ مكتُومٍ بين رُعاة حكومة "هادي" بالمملكة العربية السعودية ورعاة خصومه بالحراك الجنوبي اليمني، إلى حد تنظيم الجنوبيين مظاهرات حاشدة تُطالب بالانفصال عن اليمن المُوحّدة من جديد بمباركة أبو ظبي.

وسبق لـ "القصة" تناول تفاصيل هذا الصراع وتداعياته، وتأثير تسمية الأمير "محمد بن سلمان" ولياً للعهد في السعودية على إعادته إلى طَيّ الكتمان مرة أخرى بعدما كاد يطفُو على السطح، في تحليل سابق.

تطورات الأحداث بـ "ميون" جاءت في إطار السعي الإماراتي الدؤوب باتجاه "توسيع النفوذ البحري"، ووصلت إلى حد تحويل أبو ظبي للجزيرة اليمنية إلى قاعدةٍ عسكريةٍ في قلب مضيق "باب المندب" دون علم حكومة "هادي".

وبحسب ما نقله موقع "عربي 21" عن مصدر خاص، فإن الولايات المتحدة هي التي أبلغت "هادي" بالخطوة الإماراتية في الجزيرة التي تبلغ مساحتها 13 كيلو متراً مربعاً، وأرسلت له صوراً للأقمار الاصطناعية تُؤكّد مصداقية المعلومات بشأن تأسيس القاعدة العسكرية بها في الخفاء.

خطوط أمريكا الحمراء

ويُؤشّر هذا التحرُّك الأمريكي إلى ثلاثة احتمالات رئيسية، الأول هو أن توسيع الإمارات لنفوذها البحري على مدخل البحر الأحمر تجاوز الخطوط الحمراء لدى واشنطن، بما يَعنِي أن الولايات المتحدة ستسعى لوقف هذا التوجُّه في المستقبل المنظور، الأمر الذي ربما يتعدّى صداه إلى تخفيف الرئيس الأمريكي دونالد ترامب من إبدائه الانحياز لأبو ظبي في أزمة الخليج الراهنة.

الاحتمال الثاني يتمثَّل في استمرار تَبنِّي واشنطن لاستراتيجية "إدارة الصراعات" بالمنطقة، لا حلّها، بما يجعل من الولايات المتحدة مرجعية نهائية لكل الأطراف المتصارعة، بما يُحقّق مصالحها في نهاية المطاف.

هذه الاستراتيجية عبَّرتْ عنها إدارة الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما بجَلاءٍ، حيث تركت سوريا لمصيرها المأساوي دون تدخُّل فعّال من جانب واشنطن، وهو ما تكرَّر في اليمن بعد ذلك.

ويُعزّز من نسب ترجيح هذا الاحتمال تناقض المواقف بين البيت الأبيض ووزارتي الخارجية والدفاع في أزمة الخليج (حصار قطر) الراهنة، ما اعتبره مراقبون نوعاً من "توزيع الأدوار" بين مؤسسات الحكم الأمريكية، وليس تناقضاً حقيقياً فيما بينها.

التهاب الصراع المكتوم

أما الاحتمال الثالث فهو أن الصراع المكتوم بين السعودية والإمارات، سالف الذكر، لا يزال مستمراً، لكن الرياض لا تُريد تصعيده من جانبها بشكلٍ مباشرٍ، فلجأت إلى حليفها الأمريكي لضبط جموح الإماراتيين.

ويُعزّز من نسب ترجيح هذا الاحتمال توجيه المعلومات والصور الأمريكية إلى "هادي" تحديداً، الذي تعمل حكومته تحت الهيمنة الكاملة للسلطات السعودية، وتحظَى باعترافٍ دولي.

ربما يُمثّل هذا "التوجيه" تمهيداً لاستغلال "الشرعية الدولية" لحكومة "هادي"، في إطار سياسة سعودية لمواجهة غير مباشرة، تَضمَن لها كبح الجموح الإماراتي دون الدخول في صدامٍ مباشرٍ مع أبو ظبي في الوقت ذاته.

فالكثير من المصالح الاستراتيجية الأخرى تربط السعودية والإمارات حالياً، خاصة بعد تسمية "ابن سلمان" ولياً للعهد في الأولى وعلاقته الوثيقة بـ "محمد بن زايد" ولي عهد الثانية، الأمر الذي ترجمته المواقف المشتركة إزاء أزمة مقاطعة قطر.

لكن استمرار توسُّع أبو ظبي في نفوذها البحري وهيمنتها على الجنوب اليمني لا تلقَى ترحيباً لدى السعوديين، وهو ما يتوقّع مراقبون أن يبحث "ابن سلمان" و"ابن زايد" عن "حل وسط" بشأنه، خاصة أن الأطماع الإماراتية لم تتوقّف عند جزيرة "ميون"، بل تشمل عدداً من المواقع الاستراتيجية في الساحل اليمني، أبرزها جزيرة "سقطرى"، وموانئ "عدن" و"المكلا" وفي "المخا" على البحر الأحمر.

وأياً ما كان الاحتمال المُرجَّح، فالمُؤكّد أن الوفاق السعودي الإماراتي يَنطوي على تناقضات، ربما تطفو على السطح في الأيام المقبلة، وربما تصل فيها القيادتان إلى حلٍّ وسطٍ، أما اليمنيون فهم الخاسر الأكبر في كل الاحتمالات.

المعلومات تُشير إلى استمرار انتشار وباء الكوليرا باليمن على عتبة الباب السعودي والنفوذ الإماراتي، بعد دمار شامل حَاقَ بالبلاد خلال 27 شهراً من الحرب التي يَشُنّها التحالف العربي وقتلت ما يقرُب من 10 آلاف شخص، وشرَّدت 3.1 مليون آخرين.

وإزاء ذلك يتساءل الكاتب البريطاني "ديفيد هيرست": "هل أصبحت الحدود الجنوبية للمملكة أكثر أمناً بعد كل هذا القتل والدمار؟ وهل يشعر اليمنيون بأنهم مدينون للسعوديين أو الإماراتيين بعد ما مرُّوا به من تجارب؟.