يتبرّع بـ 2 مليار ويرفض سداد 2 مليون!.. قراءة في ألغاز «رئيس جمهورية سيناء»

يتبرّع بـ 2 مليار ويرفض سداد 2 مليون!.. قراءة في ألغاز «رئيس جمهورية سيناء»

08:00 ص

09-يوليو-2017

هل قرَّر رجل الأعمال الشهير "حسن راتب" أن يَحمي نفسه من فتح ملفاته القديمة، وقناته من الإغلاق كقناة "الحياة"، عن طريق التبرُّع بثلث ثروته لصالح مؤسسة اجتماعية تدعم الشباب؟.

يُطلِق عليه البعض "رئيس جمهورية سيناء" وآخرون يصفونه بـ «كولومبس الاستثمار المصري»؛ وذلك لكونه أول رجل أعمال مصري يذهب إلى سيناء للاستثمار بها، ويُحقّق أموالاً طائلة ونجاحات واسعة.

"حسن راتب" هو رجل الأعمال المعروف والقريب من السلطة، في عهدي الرئيس الأسبق حسني مبارك والرئيس الحالي عبد الفتاح السيسي، وصاحب قناة "المحور"، قرَّر وبدون مقدمات التبرع بـ "ثلث ثروته" لصالح إقامة مشروعات للشباب، مُعلناً عن إنشاء مؤسسة اجتماعية لبدء القيام بهذا الدور.

فهل حقاً قرَّر "راتب" التبرع بثلث ثروته لصالح دعم الشباب؟ وما هي دوافعه وراء ذلك؟ وكم تُقدَّر تلك الثروة؟ وهل قرَّر "راتب" أن يفدي نفسه بهذا التبرع حتى لا يقع تحت مقصلة الدولة التي تدور حالياً على رجال الأعمال؟ وهل يخشى "راتب" فتح ملفات قديمة؟ ولماذا لم يتبرع بها لصالح صندوق "تحيا مصر"؟.

من هو حسن راتب؟

هو رجل أعمال مصري، 70 عاماً، كان أحد رجال أعمال "مبارك"، وعضواً بالحزب الوطني المنحل، ويمتلك العديد من المشروعات الاستثمارية في سيناء، حتى بَاتَ يُطلَق عليه وصف "رئيس جمهورية سيناء".

من بين المشروعات التي يمتلكها في سيناء، شركة "أسمنت سيناء"، وهو رئيس مجلس إدارة جامعة سيناء، وصاحب مجموعة شركات "سما" و"سما العريش"، وصاحب الشركة المصرية للسياحة والمشروعات الترفيهية بسيناء، وصاحب مؤسسة سيناء للتنمية، وصاحب "سما" للتنمية الاجتماعية، ورئيس جمعية مستثمري شمال سيناء.

"راتب" أيضاً هو واحد من أقدم من امتلكوا قنوات فضائية في مصر بمشاركته في انطلاق قناة "المحور" عام 2001، وذلك برأسمال 30 مليون جنيه وبمساهمات عديدة أخرى من رجال الاقتصاد والأعمال القريبين من جمال مبارك أمثال: "مصطفى السلاب" و"سمير النجار" و"حسام بدراوي" و"محمد جمال أبو العينين"، فضلاً عن كونه صاحب مجموعة قنوات "المحور" الفضائية.

كذلك فإن "راتب" استفاد من علاقاته القوية بنظام مبارك، فحقَّق مكاسب استثمارية قوية، كما استطاع الاستيلاء على أراضٍ ضخمة في سيناء وإقامة مشروعاته عليها، وهو الملف الذي ظلَّ مغلقاً طوال عهود مبارك، وفُتح عقب ثورة يناير ثم كُتب له الإغلاق مجدداً.

قضايا تلاحقه

ولأن "راتب" كغيره من رجال أعمال مبارك تُلاحقهم كثير من قضايا الفساد أو الاستيلاء على الأراضي، أو الشبهات المالية، إضافة لتغوّله الكبير في سيناء، وقدراته الضخمة هناك، فإن اسمه بات يتردّد بين الحين والآخر في الصحف المصرية.

عقب ثورة يناير أقام أحد المحامين يُدعى "مجدي عبد الهادي" دعوى قضائية ضد "حسن راتب" اتهمه فيها بالاستحواذ على عقد توريد "الطفلة" إحدى الخامات الرئيسية لمصنع الاسمنت بعقد سنوي يبلغ 5 آلاف جنية فقط بينما يتم توريدها للمصنع الذي انتقلت ملكية لشركة استثمارية أخرى ب 42 مليون جنية سنوياً.

البلاغ اتهم "راتب" وقتها بالحصول على ترخيص لإنشاء قرية "سماء العريش" بوصفها مساكن أهلية وحصل على قروض مُخفَّضة الفائدة 6% فقط، وتحوَّلت المساكن الشعبية إلى قرية سياحية خالصة، وكذلك حصوله على ترخيص بإنشاء جامعة سيناء الخاصة بوصفها جامعة أهلية ذات مصاريف مُخفَّضة وحصل على قروض نظير ذلك، ومعونات باعتبارها جامعة أهلية، وتحوَّلت الجامعة إلى جامعة خاصة باهظة المصاريف.

وبين الحين والآخر يحرص "راتب" على تقديم نفسه، كأحد رجال الأعمال الوطنيين الذي يسعون مع الدولة لتنمية سيناء، وهو يضع دائماً في حسبانه ملفه القديم الذي يخشى من أن يُفتَح في أي لحظة.

وفي سبتمبر الماضي، وجَّه النائب "جازي سعد" - عضو مجلس النواب عن دائرة وسط سيناء - انتقادات حادة لـ "حسن راتب"، واتهمه بالاستيلاء على خط المياه الممتد من مدينة العريش حتى منطقة بغداد بوسط سيناء.

وفي طلب إحاطة لمجلس النواب، طالب النائب السيناوي بالتحقيق مع "حسن راتب" في قضايا فساد تتعلَّق بدفعه رشاوى للمسؤولين بشركة المياه والصرف الصحي لاستغلال خط المياه العريش وسط سيناء لحسابه الخاص وتوفير المياه لمصنع الأسمنت الذي يمتلكه بوسط سيناء.

هات شنطة الفلوس

توقيت تبرُّع "حسن راتب" بثلث راتبه لصالح مؤسسة اجتماعية، فسَّره بعض المراقبين أنها محاولة ذكية من رجل الأعمال الشهير للإفلات من فتح ملفات استيلائه على أراضي بسيناء، خصوصاً أن التبرُّع جاء في وقتٍ وَجَّه فيه الرئيس عبد الفتاح السيسي كافة أجهزة الدولة باسترداد كافة الأراضي المُستولَى عليها من قبل المواطنين أو رجال الأعمال.

وفي مغازلة منه صريحة لرجال الأعمال الشهر الماضي، خاطب السيسي جميع المسئولين على أراضي الدولة قائلًا: "اللي عايز يقنّن وضع أرضه يجيب شنطة الفلوس وييجي".

السيسي وخلال كلمته في أحد المؤتمرات التي تَعرِض الجهود التي قامت بها الوزارات المعنية لإزالة التعدّيات على أراضيها قال: "بين البايع والشاري يفتح الله، اللي مش عاجبه ثمن الأرض بلاش، أنا دراعي مش ملوي".

تصريحات السيسي على ما يبدو فسَّرها "راتب" وغيره بأنها تهديد مباشر لهم، بأن ملفات الاستيلاء على أراضي الدولة قد تُفتَح بالنسبة لهم إن لم يتم تقنين أوضاعهم، أو التبرع لصالح مؤسسات الدولة.

ومنذ وصول السيسي للحكم، ويحرص "راتب" على استرضاء الدولة، حيث كان من أوائل رجال الأعمال الذين تبرّعوا لصندوق "تحيا مصر" الذي يُشرف عليه السيسي، حيث قرَّر في أغسطس 2014، التبرع لصندوق «تحيا مصر» بمبلغ 210 ملايين جنيه و500 وحدة سكنية بالعريش، و50% من قيمة أسهم شركة أسمنت "سما سينا" للدولة، و50 ألف طن أسمنت لمشروع محور قناة السويس الجديدة.

وفي مايو الماضي، أكّد "راتب" أنه على عهد مع صندوق "تحيا مصر"، وأنه يدعم الصندوق في مساعدة الغارمات ودعم الأنشطة الاجتماعية داخل مصر.

يفدي نفسه

بحسب مراقبين فإن تبرعات صندوق "تحيا مصر" وحدها لم تعد تكفي لإرضاء السلطة في الوقت الحالي، حيث بَاتَ السيسي يطلب من رجال الأعمال المزيد من الدعم في كافة المجالات وعلى جميع المستويات.

رجل الأعمال "حسن راتب" ربما فهم تلك الرسالة فقرر بذكاء الاتجاه لفكرة الإعلان عن التبرع بثلث ثروته لصالح مشروعات اجتماعية خيرية، تحميه من تساؤلات الدولة وفي نفس الوقت قد تجذب له استثمارات أخرى في الخفاء.

وبحسب "راتب" فإن فكرة تبرُّعه قائمة على تعظيم دور الوظيفة لرأس المال، حيث قرَّر أن يأخذ ثلث ثروته ويُعظّم بها دور الوظيفة الاجتماعية لرأس المال، عن طريق تأسيس مؤسسة اجتماعية تُشرف على تلك المشروعات بالتعاون مع البنك الأهلي.

"راتب" أكّد أن ثلث الثروة يعنى الثلث في مصنع الأسمنت وجامعة سيناء وقناة "المحور" أي أن الثلث من كل ما يمتلكه أصبح مملوكاً لهذه المؤسسة، مُنوّهاً بأن حجمها يزيد على 2 مليار جنيه، وسيتم تنميتها وتنفيذ مشروعات مبتكرة تُنمّي وتُحفّز الشباب وتُعطيهم آمالاً حقيقية للغد.

وبالبحث والتدقيق في هذا المشروع فإن الجانب الخيري فيه قليل للغاية، وهو بالأساس قائم على الاستثمار في قدرات وإمكانيات الشباب، حيث أكّد "راتب" أن المؤسسة ليست لرعاية الفقراء فقط بقدر ما هي مؤسسة للإبداع والابتكار ومشروعات الشباب.

المُثير أن إعلان "حسن راتب" عن تبرُّعه بثلث ثروته يأتي بعد أسابيع قليلة من إصدار السيسي عفواً رئاسياً عن رجل الأعمال "هشام طلعت مصطفى" المُدَان بقتل الفنانة "سوزان تميم"، وذلك بعد إعلان مجموعة "طلعت مصطفى" الاستثمار في العاصمة الإدارية في صفقة تجاوزت قيمتها 4 مليارات جنيه.

سـؤال

مراقبون أثاروا سؤالاً وهو: كيف لـ "راتب" أن يُعلن عن تبرُّعه بهذا المبلغ الضخم من ثروته في حين أن قناة "المحور" التي يمتلكها مديونة برقم قليل جداً بالنسبة لرقم التبرع؟!.

وكانت بعض التقرير قد كشفت أن قناة "المحور" مديونة لمدينة الإنتاج الإعلامي بمبلغ 3 مليون و673 ألف جنيه، وهي خاصة بإيجارات الاستوديوهات والمقرات الإدارية وفواتير المالية والكهرباء والاتصالات، وذلك حسب التقرير الأخير للمدينة والصادر بتاريخ 30 مارس 2017.

وبحسب تقرير سابق للقصة فإن معظم القنوات الفضائية عليها مديونيات للدولة تجاوزت 420 مليون جنيه في عام 2014، وهو ما تسبَّب مؤخراً في إغلاق شبكة قنوات "الحياة" المملوكة لرجل الأعمال المعروف "السيد البدوي".

ويرى بعض المراقبين أن "راتب" يعلم تماماً أن ملف الديون على قناته هو ملف ثانوي لن يتم فتحه إلا إذا كان هناك خلاف بينه وبين الدولة؛ لأن المديونيات لصالح مدينة الإنتاج الإعلامي الحكومية؛ وبالتالي فالرجل لا يشغل باله إلا بتنسيق أوضاعه مع السلطة.