بريطانيا تُهدّد السعودية: «حلّوا أزمة قطر وإلا».. هل تستطيع لندن تخويف الرياض؟ (تحليل)

بريطانيا تُهدّد السعودية: «حلّوا أزمة قطر وإلا».. هل تستطيع لندن تخويف الرياض؟ (تحليل)

07:00 ص

10-يوليو-2017

التهديد بقلب الطاولة على الجميع قد تكون وسيلة ناجعة لجعل الجميع يختارون الحفاظ على تلك الطاولة لجميع الأطراف، قطر والسعودية والأمارات والبحرين، ولا يجب أن ننسى الكويت وسلطنة عُمان، هكذا قرَّرتْ بريطانيا التدخل بشكلٍ جديدٍ منفصلٍ عمّا أشعلته الولايات المتحدة، وتحاول إطفاءه أوروبا.

"نحن ندعم أصدقاءنا الكويتيين على تفاهمات لكيفية المُضيّ قُدُماً في محاربة تمويل الإرهاب، لا من قبل قطر فقط، ولكن أيضاً من طرف جميع أصدقائنا في المنطقة".. تُشكّل الجملة السابقة التي جاءت على لسان وزير الخارجية البريطاني "بوريس جونسون"، خلال زيارته الكويت وقطر، منذ ساعات، ملامح دور بريطاني جديد لدول خط الأزمة الخليجية القطرية، ولكن من جانب جديد تراه لندن أكثر فاعلية.

فحوى هذا الدور البريطاني الجديد: "جميعكم تُموّلون الإرهاب.. جميعكم لستم قديسين حتى تتهموا قطر بأنها شيطان مارد.. ومن الأفضل إنهاء تلك الأزمة والعودة للتفاهمات السابقة.. أموالكم مقابل سكوتنا عنكم، وكما نأخذ منكم نأخذ من قطر، ولن نترككم تفترسونها هكذا بكل سهولة".

هكذا قرَّرت بريطانيا التدخل بشكل جديد، منفصل عما أشعلته الولايات المتحدة، وتحاول إطفاءه أوروبا، فـ "لندن" ترى نفسها حالياً طرفاً مستقلاً عن واشنطن والاتحاد الأوروبي الذي تطلّقت منه مؤخراً، وإن كانت دول الحصار لا تتجاوب بشكلٍ جيدٍ مع مطالبات أوروبا، فإن بريطانيا لديها طرقاً أخرى لمحاولة الإقناع.

قلب الطاولة

التهديد بقلب الطاولة على الجميع قد تكون وسيلة ناجعة لجعل الجميع يختارون الحفاظ على تلك الطاولة لجميع الأطراف، قطر والسعودية والإمارات والبحرين، ولا يجب أن ننسى الكويت وسلطنة عُمان.

كانت أبو ظبي والرياض (وورائها المنامة) تُريد تشكيل منطقة الخليج بشكل جديد، شكل تكون فيه الدول الثلاث هي الخليج، والخليج هي، في الوقت الذي تنكفئ فيه قطر والكويت وسلطنة عُمان في طرفٍ آخر يُمثّل الخليج الأضعف أو الأبعد عن قلوب حكام الولايات المتحدة وأوروبا، أبو ظبي ومعها الرياض بحاكمها الشاب الجديد يرون في أنفسهم المستقبل، ويرون في الكويت وقطر وعُمان دولاً لا تزال تُصرُّ على مناوئة سُلطان السعودية التي لا تُريد كلمة فوق كلمتها، ليس في الخليج فقط، ولكن في المنطقة بأسرها، فمصر لم تعد كالسابق، والعراق ذهب إلى مغارة الدمار، وسوريا خرجت من المعادلة.

من وجهة نظر لندن، لم يكن من المناسب أن تترك واشنطن رئيسها يشجع الرياض وأبو ظبي على سيلان لعابهما على الدوحة، مقابل مليارات الدولارات، فتغيير خريطة الخليج بهذا الشكل العنيف لا يصح أن يأتي فقط من أجل عيون واشنطن ومنافع اقتصادية ضخمة يُسوّقها ترامب على أنها إنجاز له أمام معجبيه ومَن انتخبوه، من هذا المنطلق جاء الرفض الأوروبي لحصار قطر، ومعه البريطاني بالطبع.

تمويل الإرهاب

أما "البروباجندا" التي صنعتها دول الحصار لمحاولة إقناع الغرب بأن حملتها على قطر سببها تمويل الأخيرة للإرهاب، فلم تنطلِ عليهم، فمن وجهة النظر الأوروبية، والبريطانية تحديداً، الجميع يُموّلون الإرهاب ولكن بتفاوت، وفي الداخل البريطاني تحديداً أصابع الاتهام تُشير إلى السعودية بشكلٍ رئيسي.

التقرير، الذي صدر عن مؤسسة "هنري جاكسون" البريطانية، واتهم السعودية صراحة بتمويل تنظيمات وتوجهات مُتطرّفة داخل الأراضي البريطانية، بعضها مُتورّط في الهجمات الأخيرة التي شهدتها البلاد، لا سيما في العاصمة لندن، ليس من المُتصوّر أنه يعرف أكثر مما تعرفه أجهزة الاستخبارات البريطانية، لكن كل شيء له مقابل.. اقتصادي في المقام الأول حينما نتحدّث عن دول الخليج.

الاستثمارات الخليجية في بريطانيا هائلة وضخمة، وبلغت في 2012 ما يزيد عن 100 مليار جنيه إسترليني، تستحوذ السعودية منها على النصيب الأكبر بـ 60 ملياراً، وتأتي وراءها قطر بـ 20، ثم بقية الحصة مُقسَّمة على الإمارات والكويت والبحرين وسلطنة عُمان.

لا لبعثرة الخليج

من هنا تأتي إجابة مهمة على السؤال: لماذا لا تُريد بريطانيا تغيير الوضع؟ الإجابة أنها مستفيدة من الجميع، وكما تدفع السعودية كثيراً لتشتري تغاضي لندن عما تقول إنها أصابع خليجية تعبث في أمنها، فإن قطر تدفع أيضاً، وكما قال التقرير البحثي البريطاني: فإن الجهد السعودي لدعم التطرف في بريطانيا هو الأكبر والأكثر وضوحاً.

يقول التقرير البحثي البريطاني: "نظر البريطانيون حولهم وتوصلّوا إلى استنتاج بأن آثار دعم التطرف في بلادهم تقود نحو الخليج، إلى المملكة العربية السعودية وقطر والإمارات العربية المتحدة، حيث توجد منابع المال الذي يتدفق بسخاءٍ منذ سنوات عديدة على أصحاب أيديولوجيات التطرف".

ويضيف: "غير أن هذا الوضع قد يُشكّل إحراجاً كبيراً لحكومة "تيريزا ماي"، ولا سيما أن بريطانيا بعد الانتهاء من مراسم الطلاق مع أوروبا، تُعلّق آمالها على تكثيف التعاون الاقتصادي مع حكومات الخليج".

وعلى الرغم من تجربة الولايات المتحدة، التي وضعت السعودية تحت طائلة المسؤولية عن أحداث الحادي عشر من سبتمبر، لكن ذلك لم يمنع واشنطن من توقيع عقود بالمليارات مع الرياض.

ابتزاز بريطاني

لذلك، من الممكن جداً أن يكون تقرير مؤسسة "جاكسون" مجرد نوع من الاحتيال لابتزاز حكومات الخليج والحصول منها على مزيد من الأموال. بما يعني أنتم في موضع الاتهام، فلا تداوروا ووقِّعُوا العقود التي نحن بحاجة إليها.

وجهة النظر البريطانية حالياً ترى أنه لو تم السماح للسعودية بابتلاع قطر، فإن الأمور ستُشير إلى تعاظم سعودي لا تنظر إليه لندن بارتياح، بل أوروبا بالكامل، علاوة على أنه سيُنظَر إليه كعملية تغيير خطيرة برعاية أمريكية، وبالتأكيد لا تزال القوى الغربية تنظر إلى المملكة على أنها "بيت الوهابية".