1500 جندي قُتلوا في هجمات بسيناء.. أين الكفاءة القتالية للجيش؟ «رصد وتحليل»

1500 جندي قُتلوا في هجمات بسيناء.. أين الكفاءة القتالية للجيش؟ «رصد وتحليل»

07:30 ص

10-يوليو-2017

أين ذهبت الكفاءة القتالية للمُجند المصري؟ وهل بَاتَ المجند عاجزاً عن حماية نفسه على حدود مصر إلى هذا الحد؟.

خسائر كبيرة في الأرواح يفقدها الجيش المصري على الحدود في سيناء بين الحين والآخر؛ بسبب العمليات التي تشنّها حركات ومجموعات مسلحة تنتمي أغلبها إلى "ولاية سيناء" التابع لـ "تنظيم الدولة" (داعش).

وبرغم أن القوات المسلحة ووزارة الداخلية تتكتّم على الإحصاءات والأرقام الحقيقية لقتلى جنودها وضباطها على مدار السنوات الأربع الماضية، إلا أن كثرة الأعداد التي تُقتَل في كل عملية إرهابية من الجنود تُعطي مؤشراً عن حجم الكارثة التي يتعرّض لها جنود الجيش في سيناء.

وبحسب إحصاءات وتقارير إعلامية فإن العمليات "الإرهابية المسلحة" التي استهدفت قوات الجيش والشرطة في سيناء خلال الفترة المُمتدة من الإطاحة بالرئيس الأسبق "محمد مرسي"، في 3 يوليو 2013، حتى الثامن من يوليو 2017، قد تجاوز عددها الألف عملية، وأسفرت عن مقتل نحو 1500 من المجندين والضابط والمدنيين الذي كانوا قريبين من ساحة الأحداث.

أحدث تلك العمليات التي تُبرهِن على تزايد أعداد القتلى من الجنود هو مقتل نحو 26 جندياً من القوات المسلحة جرّاء هجوم إرهابي استهدف حاجزاً أمنياً بمدينة "رفح" شمال سيناء أول أمس، دون أن تُعلن القوات المسلحة عن سقوط قتلى في صفوف المقاتلين.

وبعيداً عن فشل الدولة في إيقاف تلك العمليات الإرهابية، فإن تساؤلات أخرى باتتْ تَطرَح نفسها في مصر، من بينها: لماذا تُقتل كل تلك الأعداد من الجنود في كل عملية إرهابية تستهدف القوات المسلحة؟ ولماذا بَاتَ الجندي صيداً سهلاً على مسلحي سيناء سواء من المنتمين لتنظيم "داعش" أو من غيرهم؟ وأين ذهبت الكفاءة القتالية للمجند المصري؟ وهل بَاتَ المجند عاجزاً عن حماية نفسه لهذا الحد، أم أن السلاح الذي يُمسك به في يده هو المسؤول عن فشله في مواجهة المسلحين؟.

أولاً: مَن هي القوات الموجودة بسيناء؟

وقبل الدخول في تفاصيل تتعلَق بالكفاءة القتالية للمجند المصري، ومدى التدهور الذي حلَّ بها، فإننا أولاً نستعرض تفاصيل قوات الجيش المصري المسموح لها بالانتشار في سيناء بحسب اتفاقية "كامب ديفيد" المُوقّعة بين مصر و"إسرائيل".

وتفرض الاتفاقية على مصر أن تكون حدود سيناء ونوعية التسليح فيها معروفة مسبقًا، ويشترط عدم رفعها إلا باتفاق الطرفين، المصري و"الإسرائيلي"، هذه المناطق هي:

المنطقة «أ»: وهي المنطقة من قناة السويس وحتى أقل من ثلث سيناء، وفيها تلتزم مصر بوجود فرقة مشاة ميكانيكية واحدة ومنشآتها العسكرية، وتحصينات ميدانية، وتتكون الفرقة من: ثلاث ألوية مشاة ميكانيكي، ولواء مدرع واحد، وسبع كتائب مدفعية مضادة للطائرات تتضمّن صواريخ فردية أرض/ جو، و126 مدفعًا مضادًا للطائرات عيار 37 مم فأكثر.

ولا يجوز لمصر أن تزيد عدد الدبابات في هذه المنطقة عن حاجز 230 دبابة، ولا عدد ناقلات الأفراد المُدرعة إلى ما فوق 480 مركبة من كل الأنواع، وحسب الاتفاقية تلتزم مصر بسقف 22 ألف جندي في تلك المنطقة.

المنطقة «ب»: تبدأ جنوبًا من حدود شرم الشيخ، وتتّسع على شكل مثلث مَقلُوب يصل حتى العريش متضمّنًا منطقة وسط سيناء في أغلبه، وتضم الممرات الاستراتيجية التي تتحكّم بالمنطقة، وتنصّ الاتفاقية في هذه المنطقة على التزام مصر بحد أقصى من التسليح هو: أربع كتائب بأسلحة خفيفة بمركبات على عجَل، وليس على مُجنزرات التي تسير بشكل أفضل في الرمال.

وبالإضافة إلى القوات المسلحة، فإن الشرطة المدنية تتعاون في المحافظة على النظام في المنطقة، وتتكوّن العناصر الرئيسية لكتائب الحدود الأربعة بحد أقصى من 4000 فرد، ويُمكن لمصر إقامة نقاط إنذار ساحلية أرضية، بشرط أن تكون قصيرة المدى، وقوة منخفضة لوحدات الحدود على ساحل هذه المنطقة التي تضم "العريش".

أما المنطقة «ج»: فتضم الشريط الحدودي بأكمله، بالإضافة إلى منطقة هضاب وسط سيناء، ومدينتي طابا، وشرم الشيخ، ورفح المصرية التي تُعتبر بوابة العبور إلى قطاع غزة، وفي هذه المنطقة من غير المسموح لمصر نشر قوة عسكرية، ومسموح بتواجد قوة من الشرطة المدنية المسلحة بأسلحة خفيفة تتناسب والأعمال العادية، بالإضافة إلى قوات الأمم المتحدة.

وفي هذا الإطار كان الرئيس عبد الفتاح السيسي قد كشف خلال مداخلة هاتفية له في برنامج “كل يوم” مع الإعلامي "عمرو أديب"، على قناة “أون إي”، أن أعداد الكتائب المتواجدة في سيناء يُقدّر بـ 41 كتيبة تضم من 20 إلى 25 ألف جندي، كل تلك القوات في سيناء فقط بخلاف باقي الحدود الغربية والجنوبية وغيرهما.

ثانياً: تسليح الجندي ضعيف

شهر أبريل الماضي بَثَّ تنظيم "الدولة الإسلامية" (داعش) فيديو حمل عنوان "صاعقات القلوب"، ظهر فيه الجندي المصري الذي يقف على الحدود غير جاهز قتالياً، ويحمل بين يديه أسلحة خفيفة لا ترقى لعمليات دفاع وحماية في مناطق شديدة الخطورة كمناطق سيناء.

الإصدار الذي بثَّه "تنظيم الدولة" وقتها وثَّق ما وصفه بمهارات مُسلحيه في قنص جنود مصريين في ثكنات وكمائن الجيش، وعلى طرق الإمداد، جميعهم لم يكونوا على درجة الاستعداد اللازم، كما لم يحملوا أسلحة قوية تُناسب مهامهم.

وقد ظهر في أكثر من مشهد قناصة تابعون لـ "تنظيم الدولة" يتمركزون من نقاط بعيدة عن أهدافهم، بينما تظهر مشاهد أخرى مسلحين يتسلّلون لمسافات قريبة من نقاط تمركز الجيش المصري.

الإصدار وقتها أثار موجة غضب واسعة ضد قادة الجيش والمسؤولين الأمنيين في مصر، والذين اعتبروا أن الجيش يقوم باستخدام العساكر دروعاً بشرية في الحواجز الأمامية الأولى، دون أن يُؤهّلهم لتلك المهام الضخمة، ولا يُسلّحهم بالشكل الكافي.

في المقابل تساءل مراقبون عن قوات الصاعقة وسلاح الوحدة 777 والتي تتحدّث الدولة دائماً عن قدراتها القتالية العالية، مُبدِين استغرابهم عن منع تلك القوات من التوجه إلى سيناء والقتال على أراضيها، وترك علميات الدفاع عن الحدود لبعض الجنود من أصحاب الكفاءات القتالية الضعيفة.

ثالثاً: لم يتدرب على حرب المقاومة

في تقرير سابق خلص المُحلّل السياسي الإسرائيلي “إيرز شتريم” - مدير ومؤسس موقع “مجلة الشرق الأدنى” - إلى أن هناك عدداً من الأسباب وراء عدم تمكُّن الجيش المصري من القضاء على تنظيم “ولاية سيناء” الموالي لـ "داعش".

ورأى “شتريم” في ورقة بحثية، بعنوان: “من يوقف سيطرة داعش على سيناء؟”، نشرها موقع “ميدا” "الإسرائيلي" أن العمل في بيئة معادية، إضافة إلى عدم فاعلية الجيش في خوض حرب مقاومة، وتكليف الجنود بمهام “شرطية” لم يتدرّبوا عليها أصلاً، فضلاً عن صعوبة الحصول على معلومات استخبارية، والبيئة الإقليمية التي جعلت السلاح الليبي يصل بسهولة إلى سيناء، كانت أسباباً رئيسية وراء تأخُّر الحسم ضد التنظيم المُتشدّد بسيناء.

وقال المُحلّل "الإسرائيلي": إن الجيش المصري بُني ودُرب على مدى عشرات السنين على مواجهة تهديد غزو عسكري "إسرائيلي"، الآن تعُوزه القدرات العسكرية اللازمة لمواجهة تنظيم مقاومة بشكلٍ فاعلٍ على أرض أجنبية وقاسية، مثل المناطق الصحراوية والجبلية بسيناء.

أشار المحلل "الإسرائيلي" أيضاً إلى أن الواقع بسيناء يفرض على الجيش المصري الانشغال بمهام شرطية، لم يتم إعداد جنوده لها، إضافة إلى أنه لا يملك القوة البشرية الكافية لشغل الكمائن الكثيرة والمواقع المختلفة على الأرض بجنود على مستوى عالٍ من التدريب.

رابعاً: تغير في عقيدة القتال

ربما يكون أحد أسباب ضعف المجند المصري أمام المسلحين في سيناء، هو التحوّل الذي طرأ في عقيدة المقاتل المصري، والذي كان معتاداً بالنسبة له أن العدو هو "إسرائيل"، وأن حماية الحدود هو بالأساس لحمايتها من الاختراق "الإسرائيلي" أو من أي عدو خارجي.

لكن ومع تنامي ظاهرة الجماعات المسلحة في سيناء، والتوسُّع في مصطلح الإرهاب بعد الثالث من يوليو، تحوّلتْ عقيدة الجندي المصري من قتال "الإسرائيليين" كعدو واضح، إلى قتال أبناء الوطن المُنضوين تحت راية تلك الجماعات المسلحة، أو أبناء سيناء الذين يُقاتلون قوات الجيش.

هذا التحوّل في عقيدة الجنود، إذا أُضيف إليه النفسية الصعبة التي يعيشها المجند المصري طوال فترة التجنيد والتي تجعله يعد الأيام والساعات التي سينتهي فيها من فترة تجنيده، ستظهر بوضوح صورة المجند الضعيف الذي يلقى مُقاتلاً أو مسلحاً يعتقد في أن قتاله لمجند الجيش هو طريقه للجنة؛ وبالتالي فهو يُقاتل عن قناعة تامة وعن حب شديد للموت في سبيل الله بحسب ما يرى ويعتقد.

وكانت قناة "الجزيرة" قد عرضت في نوفمبر الماضي، فيلماً وثائقياً يُسلّط الضوء على حياة العسكريين في الجيش المصري، وما يتعرّضون له من إهانات خلال فترة خدمتهم لـ "التجنيد الإجباري".

الفيلم الذي أثار جدلاً واسعاً وقتها، وحمل اسم: "العساكر.." width="100%" height="315"> حكايات التجنيد الإجباري في مصر"، وعرَض مشاهد تمثيلية وأخرى مُسرَّبة من داخل الثكنات والمنشآت العسكرية للجيش المصري، وظهر فيه عدد من الجنود والضباط وهم يروون شهاداتهم عن أيام صعبة مرُّوا بها خلال وجودهم في الجيش؛ ليكشف عن الحالة النفسية التي يمُرّ بها المجند المصري، وربما يُفسّر أسباب ضعف الروح القتالية للمجند المصري أمام أي مسلح آخر.