كماشة «بندر».. هكذا يُمهّد «بن سلمان» طريق الوراثة في حياة والده

كماشة «بندر».. هكذا يُمهّد «بن سلمان» طريق الوراثة في حياة والده

09:00 ص

10-يوليو-2017

لا يتبقّى لـ "محمد بن سلمان" سوى ملفين لتمكين إحكامه القبضة على السلطة في المملكة العربية السعودية، الأول داخلي يتمثَّل في قوات الحرس الوطني، والثاني خارجي يتمثَّل في تطوير العلاقة مع "إسرائيل" وصولاً إلى ترتيبات إقليمية جديدة يبدو أنها مدعومة من إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب.

رغم كونه الحاكم الفعلي حالياً للمملكة، إلا أن كثيراً من مراقبي الشأن السعودي يتوقّعون وراثته للسلطة "في حياة والده"؛ ليصبح الأميرُ الشاب "محمد بن سلمان بن عبد العزيز آل سعود" خادمَ الحرمين الشريفين عمّا قريب.

وتعُود هذه التوقعات إلى السرعة الصاروخية التي صعد بها "ابن سلمان" في سلم السلطة السعودية، وما بَدَا أنها "علاقة خاصة" تُميّزه عن غير من "آل سعود" مع الإدارة الأمريكية الجديدة برئاسة دونالد ترامب.

فجأةً جاء الأمير الشاب من الظلّ ليصبح ولياً لولي العهد، ثم يجمع ملفات الأمن والنيابة العامة مع وزارة الدفاع عبر بوابة إشرافه على مؤسسات تم استحداثها كـ (مجلس الأمن الوطني) أو دمج مؤسسات قديمة بها كـ (النيابة العامة) كي تكون تابعة للديوان الملكي؛ وبالتالي لحاكم المملكة الفعلي فيما بعد.

مرَّتْ خطوات تمكين الأمير الشاب سريعة للغاية، وفقد الأمير "محمد بن نايف" نفوذه الكبير في المملكة كولي للعهد ووزير للداخلية في شهور معدودة، حتى وجد نفسه مضطراً لبيعة ابن عمه بعدما تجرَّد من نفوذه وسلطته تدريجياً، وهو ما سبق لـ "القصة" تناوله في تحليل سابق.

الجـبهة الداخلية

وتزامنت تسمية "محمد بن سلمان" ولياً للعهد مع استبدال طاقم الإدارة بأغلب المؤسسات السعودية بآخر يرتبط أفراده بعلاقات وثيقة مع الأمير الشاب، حتى باتَتْ مفاصل الدولة في يديه، باستثناء مؤسسة واحدة فقط.

إذ تبدو وزارةُ "الحرس الوطني" - التي يرأسها الأمير "متعب بن عبد الله" - الحصنَ الوحيدَ الباقي لرافضي هيمنة "محمد بن سلمان" من أبناء الأسرة السعودية الحاكمة، حيث ظلّت إدارتها كما هي دون تغيير.

وبحسب "تسريبات" تناقلتها وسائل الإعلام الغربية، فإن "متعب بن عبد الله"، و"مقرن بن عبد العزيز" ولي العهد الأسبق، كانا الشخصين الوحيدين اللذين لم يُصوّتا لصالح تسمية "ابن سلمان" ولياً للعهد من بين 34 عضواً في هيئة البيعة التي اجتمعت في العشرين من يونيو الماضي.

هذا يعني أن مؤسسة الحرس الوطني بَاتَتْ في وضع شبيه بـ "الحصار الداخلي"، بعدما باتتْ جميع تشكيلات الأمن والدفاع تابعة بشكلٍ مُباشرٍ لولي العهد الجديد، الأمر الذي يُؤشّر إلى إما تمثيلها لـ "مركز قوة" داخلي يُعرقل سيناريو توريث "ابن سلمان" للملك في حياة أبيه، أو "شريط الافتتاح" الذي سيقصُّه ولي العهد؛ إيذاناً بامتلاك كافة خيوط القوة الخشنة في بلاده.

الدورية الفرنسية المعنية بشؤون الاستخبارات "إنتيلجنس أون لاين" تُرجّح الاحتمال الثاني، عبر تجهيز "محمد بن سلمان" خطة لدمج قوات الحرس الوطني في الجيش السعودي، الذي يسعى لتحويله إلى النظامية الكاملة، عبر سَنّ نظام لتجنيد الشباب إلزامياً، وهو ما يبدو أن مفتي المملكة الشيخ "عبد العزيز آل الشيخ" قد تلقّى أوامر بإعطائه الشرعية الدينية اللازمة عبر تكرار "مطالبة ولاة الأمر" به.

ولضمان سير خطوات التنفيذ على النحو المطلوب، حرص ولي العهد الجديد على إحكام سيطرته على رئاسة جهاز المخابرات العامة، عبر تعيين مستشاره الوفي "أحمد عسيري" في منصب نائب رئيس الجهاز.

ولا تُمثّل الخلفية العسكرية لـ "عسيري" كمستشار لوزير الدفاع ضماناً لـ "ابن سلمان" على مستوى إكمال السيطرة على الجبهة الداخلية عبر دمج الحرس الوطني بالجيش فقط، لكنها تُمثّل مؤشراً على توجُّهات ولي العهد الجديد بشأن الجبهة الخارجية.

خطة بندر

فوجود "عسيري" في موقعه الجديد يُمثّل امتداداً لرئيس جهاز المخابرات السعودية السابق الأمير "بندر بن سلطان بن عبد العزيز"، الذي يصفه المُعلّق الاستخباراتي "الإسرائيلي" "يوسي ميلمان" بـ "مهندس العلاقات السرية بين السعودية ودولة الاحتلال".

ويرى مراقبون أن توجّهات السياسة الخارجية، التي يتبنّاها "محمد بن سلمان"، هي كلمة السر في حصوله على دعم مطلق من الرئيس الأمريكي الجديد، حيث ترتكز بالأساس على تصعيد التطبيع مع "إسرائيل" والعداء مع الحركات الإسلامية السُّنّية حول العالم، بما يتماهَى مع مشروع حاكم أبو ظبي الفعلي "محمد بن زايد".

من هنا نشرتْ صحيفة "التايمز" البريطانية تقريراً عن اتفاق سِرّيّ أبرَمَه فريق الحكم الجديد بالمملكة السعودية مع أطراف بحكومة رئيس الوزراء "الإسرائيلي" "بنيامين نتنياهو"، يقضي بانسحاب الاحتلال من الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967 مقابل التطبيع السعودي والعربي الكامل معها "رسمياً"، وهو ما بَدَا مدعوماً من إدارة ترامب وحكام الإمارات والبحرين.

ورغم تدثُّرها برداء السرية، تُقدّم الصحف الغربية و"الإسرائيلية" بين الحين والآخر "تسريبات" على الخطة التي تبنَّاها الأمير "بندر" سابقاً، ويتولاها "عسيري" حالياً، لتصعيد العلاقات الثنائية.

ومن بين بنود الخطة استعانة مسؤولين سعوديين بشركات أمنية "إسرائيلية" للمساعدة في "مكافحة الإرهاب الدولي" واستخدام السعوديين لمنتجات "إسرائيلية" بطريقة غير مباشرة.

وفي هذا الإطار، ذكر موقع "nrg" العبري، في 26 مايو الماضي، أن العديد من الشركات "الإسرائيلية" تعمل في دول الخليج بشكلٍ عام، والسعودية بشكلٍ خاص، بأسماء شركات أوروبية وأمريكية، تُقدّم خدمات طبية وتجارية.

كما كشف تقرير لموقع "walla" العبري أن مدير شركة "IntuView" "الإسرائيلية" المتخصصة في تحديد التهديدات الإرهابية على الإنترنت تلقَّى طلباً على بريده الإلكتروني، من مسؤولين سعوديين؛ لعقد صفقة تُحدّد الشركة بموجبها الإرهابيين المحتملين في المملكة.

وأشار الموقع العبري إلى أن السعوديين اشترطوا لإتمام الصفقة العمل مع شركة لا تُصنَّف "إسرائيلية"، ما دفع مدير الشركة "شموئيل بار" لتأسيس شركة أخرى تُمثّل واجهة لإخفاء مصدر التكنولوجيا؛ لتشرع بعد ذلك في العمل داخل الأراضي السعودية، في مقابل استيراد "إسرائيل" المواد الخام للبلاستيك سراً من السعودية ودول خليجية أخرى.

وبإضافة خلفية "بار" - الذي قضى 30 عاماً في العمل بأجهزة الاستخبارات "الإسرائيلية" - يُمكن استنتاج المدى الذي وصلت إليه العلاقات السعودية مع دولة الاحتلال في عهد "ابن سلمان".

وسبق لـ "القصة" تناول سياسة "ابن سلمان" إزاء هذا الملف، عبر لقاءات دورية مشتركة لضباط سعوديين و"إسرائيليين"، كان آخرها في مدينة العقبة الأردنية؛ بهدف تنسيق الترتيب الإقليمي الجديد.

لم يعد الأمير "بندر بن سلطان" رئيساً للاستخبارات السعودية، لكن الخط الذي رسمه لا يزال حاكماً في سياسات المملكة الخارجية، وهو الخط الذي يتبنَّاه "ابن سلمان"، بخطوات أكثر تسارعاً، عبر مستشاره المُقرَّب "أحمد عسيري"، ويُمثّل مع خطوة ضم الحرس الوطني للجيش فَكّيْ كماشة تكمل إحكام السيطرة الكامل لولي العهد الجديد إيذاناً بوراثته الملك في حياة أبيه، حسبما يتوقّع كثير من مُحلّلي الشأن السعودي بوسائل الإعلام الغربية.