لماذا لا يجب التسليم بروايات المتحدث العسكري؟ (رصد وتحليل)

لماذا لا يجب التسليم بروايات المتحدث العسكري؟ (رصد وتحليل)

02:56 ص

11-يوليو-2017

معلومات مُتضاربة، بيانات محذوفة، وغيرها شكَّلتْ سمةً رئيسيةً لحساب المتحدث الرسمي للجيش على مدار السنوات الماضية.

العديد من الشكوك أحاطت بالتسريب الصوتي المنسوب للعقيد "أحمد منسي" قائد الكتيبة 103 صاعقة، والذي قُتل في تفجير استهدف كمين "البرث" بمدينة "رفح"، أول من أمس، بعد ساعات من تداوله على نطاق واسع.

وعلى الرغم من نفي المتحدث العسكري للقوات المسلحة العقيد أركان حرب "تامر الرفاعي" صحة التسجيل، إلا أن الشكوك امتدت لتحوم حول بيان "الرفاعي" ذاته، إلى حَدٍّ لاحقته فيه اتهامات بالكذب؛ لمحاولة حفظ ماء وجه الجيش بعد هذا التفجير الضخم.

هذه الملابسات أعادت إلى الواجهة، الحديث عن الأخطاء التي تقع فيها بيانات المتحدث العسكري المنشورة عبر صفحته الرسمية على "فيسبوك"، والتراجع عن بيانات نُشرت وحَذف أخرى بعد فضح نشطاء لأخطائها.

تلك الأخطاء ربما كانت متوالية باختلاف المتحدثين العسكريين، نعرض في السطور التالية لأبرزها وأكثرها إثارة للجدل:

التسريب الكارثة

ولعل التسريب الذي أذاعته فضائية "مكملين" المعارضة أبريل الماضي، هو الأخطر ضد الجيش منذ الإطاحة بالرئيس الأسبق "محمد مرسي" قبل 4 سنوات.

المقطع" width="100%" height="315"> المصور أظهر جنودًا من الجيش وهم يقتلون أشخاصًا عزلاً، قيل إنهم في سيناء، بينما سبق وأن نَشَر كل من المتحدث العسكري ووزارة الدفاع صورًا لهؤلاء الأشخاص، قيل إنه تم القضاء عليهم في اشتباكات مع بؤر إرهابية.

الأزمة أحدثتْ ضجّةً واسعةً في الأوساط الإعلامية والحقوقية والشعبية، ليس فقط لأنه يُثبت تورط الجيش في القتل خارج إطار القانون بحقّ عُزّل ربما يكونوا أبرياء، لكن لكشفه ما قيل إنه تضليل مارسه المتحدث العسكري، في واقعة مرتبطة بهذا التسريب.

قناة وزارة الدفاع على يوتيوب نشرت بتاريخ 5 نوفمبر 2016، مقطع فيديو، لما قالت إنه دخول "العملية الشاملة حق الشهيد مراحلها الحاسمة لاقتلاع جذور الإرهاب بمناطق مكافحة النشاط الإرهابى بشمال ووسط سيناء".

المقطع المنشور على يوتيوب، أشار إلى نجاح قوات الجيش في "القضاء على 8 من العناصر التكفيرية المسلحة، خلال اشتباكات شهدت تبادلًا مكثفًا لإطلاق النيران مع قوات المداهمة".

اللافت أن الصور التي عرضها الفيديو لهذه "العناصر التكفيرية" خلال المقطع الممتد من الثانية (34) إلى الثانية (44)، تضمَّنت صورة لأحد الشباب الذين تمّت تصفيتهم في الفيديو المُسرّب بالفعل.

وعلى الصفحة&width=100%&show_text=true&appId=239382172860674&height=523" width="500" height="523" style="border:none;overflow:hidden" scrolling="no" frameborder="0" allowTransparency="true"> الرسمية للمتحدث العسكري على "فيسبوك"، وبتاريخ 6 ديسمبر 2016، نُشرت الصورة ذاتها في إطار جهود قوات الجيش في مكافحة الإرهاب بشمال سيناء، والقضاء على العناصر المسلحة الخطرة، فضلًا عن صورة أخرى لأحد الشباب الثلاثة الذين تمت تصفيتهم في الفيديو المسرب.

قطع غيار سيارات

وشهد فبراير الماضي حلقة أخرى من حلقات البيانات المثيرة للجدل للمتحدث العسكري، حين نشر صورة تتضمّن مجموعة من "قطع غيار السيارات" بوصفها أسلحة ضبطتها القوات المسلحة.

بيان المتحدث العسكري قال: إن قوات إنفاذ القانون من الجيش الثالث الميداني واصلت مداهمة "البؤر الإرهابية" وملاحقة "العناصر التكفيرية" بمنطقة "جبل الحلال" بوسط سيناء وضبط العديد من الأسلحة التي كانت بحوزتهم.

الصورة أثارت حالة من الجدل الواسع على مواقع التواصل الاجتماعي، مصحوبة بتعليقات ساخرة، بينما ردَّ آخرون بأن تلك الأجزاء تُستخدم في عمليات التفجير.

وعلى الرغم من حجم الانتقادات التي وُجّهت لبيان المتحدث عبر تعليقات على المنشور الذي احتوى الصورة، إلا أنه لم يحذفها أو يُوضّح ملابسات نشرها على أنها أسلحة.

الأردن في سيناء!

وفي 23 مايو 2016، نشر المتحدث العسكرى مجموعة من الصور قال إنها ترصد توجيه القوات المسلحة ضربات استباقية ناجحة ضد العناصر الإرهابية في سيناء.

ناشطون على مواقع التواصل الاجتماعي، خاصة من أبناء&width=100%&show_text=true&appId=239382172860674&height=523" width="500" height="523" style="border:none;overflow:hidden" scrolling="no" frameborder="0" allowTransparency="true"> سيناء، كشفوا أن تلك الصور التُقطت على الحدود الأردنية السورية عام 2014، الأمر الذي دفع المتحدث إلى حذف الصورة.

تقارير إعلامية، قالت: إن إحدى هذه الصور تعود إلى عملية عسكرية قصفت فيها المدفعية الأردنية سيارات حاولت اقتحام الحدود مع سوريا عام 2014، واستدلّت على ذلك بـ تقرير نشره موقع "العربية نت" بتاريخ 16 أبريل 2014، وتضمَّن الصورة ذاتها.

"كفتة" عبد العاطي

لم تتوقّف خطايا المتحدث العسكري عند البيانات المتعلقة بعمليات مكافحة الإرهاب، أو تلك التي تتضمّن أحداثًا دامية، بل تخطّتها إلى ما هو أبعد من ذلك بكثير.

المُؤكَّد أن الجميع يتذكر الطبيب المُسنّ الذي يرتدي زيًا عسكريًا برتبة لواء، ويخرج على المصريين ببشرى حسبها الظمآن ماءً لكنها كانت سرابًا، قيل بعدها إنه كان مجرد تلاعب بأحلام وآمال المصريين واستغلالًا من النظام لإلهاءهم.

الجيش قدّم اللواء "إبراهيم عبد العاطي" للرأي العام في مصر باعتباره صاحب اختراع لعلاج الالتهاب الكبدي الوبائي "فيروس سي"، ومرض نقص المناعة المكتسبة "الإيدز".

وفي فبراير 2014، أعلن المتحدث العسكري حينها العقيد "أحمد محمد علي"، في بيان عبر صفحته الرسمية على "فيسبوك"، أن الهيئة الهندسية بالجيش نجحت في ابتكار جهاز لعلاج فيروس الكبد "سي" و"الإيدز".

وآنذاك عرض التلفزيون الرسمي فيديو يتضمّن رسمًا توضيحيًا للجهاز، وقال مخترعه في الفيديو الأشهر للقضية بالنص عن فكرة الجهاز: "بناخد الفيروس من المريض وارجعهوله صباع كفتة يتغذّى عليه"، وله يعود المُسمّى الجماهيري المنتشر للمخترع وجهازه "جهاز الكفتة" و"عبد العاطي كفتة".

الاحتفاء الرسمي بالرجل واختراعه، وعقد المؤتمرات الصحفية من المقار العسكرية باعتباره لواء في الجيش، صاحبته موجة من الهجوم والتشكيك قادها "طارق حجي" - المستشار العلمي للرئيس المؤقت "عدلي منصور" - الذي وصف الجهاز بالفضيحة العلمية لمصر.

اللافت أنه وعلى الرغم من كل ذلك، وبعد نحو عام ونصف اكتشف الجميع أن الأمر كان مجرد خدعة، وعلى الفور حذف المتحدث العسكري من على صفحته الرسمية جميع البيانات والصور ومقاطع الفيديو الخاصة بالإعلان عن الجهاز وتصريحات "عبد العاطي".

طفلة الشيخ زويد

وبعد أسبوع واحد من الإطاحة بـ "مرسي"، نشر المتحدث العسكري بيانًا أعلن فيه تعرُّض اللواء "أحمد وصفي" قائد الجيش الثاني الميداني، حينها، لمحاولة اغتيال أثناء تفقُّده بعض المواقع في مدينة "الشيخ زويد" بشمال سيناء.

إلا أن صفحة المتحدث حذفت البيان في ذات يوم نشره، دون إبداء أسباب، وبعد انتشار العديد من روايات شهود العيان لحقيقة ما حدث.

الشهود، ومن بينهم مراسل جريدة "الشروق" في شمال سيناء "مصطفى سنجر"، أكدوا أن بيان الجيش محاولة للتغطية على حادث مقتل طفلة برصاص الجيش عند نقطة تفتيش بمنطقة "أبو طويلة" رفض والدها التوقف نتيجة عدم حمله أوراق السيارة.

وعن هذه الطفلة، قال بيان الجيش: "أثناء قيام قائد الجيش الثاني الميداني بتفقد عناصر التأمين في منطقة الشيخ زويد قامت إحدى السيارات القادمة من المنطقة الحدودية برفح بإطلاق نيران كثيفة على عربة قائد الجيش، وعلى الفور قامت قوة التأمين المرافقة بالاشتباك مع العناصر الإرهابية المهاجمة وتمكّنت من ضبط السيارة المستخدمة، والتى عُثر بداخلها على طفلة مصابة، تم نقلها إلى مستشفى العريش العام لتلقّي الإسعافات اللازمة، حيث تُوفّيت فور وصولها إلى المستشفى".

إسرائيل لم تقصف!

بعد شهر واحد من حادث طفلة "الشيخ زويد"، حذف المتحدث العسكري بيانًا آخر، نفَى فيه شَنّ الاحتلال "الإسرائيلي" غارة على مدينة "رفح" بشمال سيناء بواسطة طائرة دون طيار.

البيان المحذوف قال: "لا صحة شكلًا وموضوعًا لوجود أية هجمات من الجانب الإسرائيلي داخل الأراضي المصرية..".

الأكثر إثارة للتعجب أن البيان كان ردًا على تقرير نشره موقع "سي إن إن" باللغة العربية، نقل فيه عن مصادر عسكرية في الجيش المصري أن طائرة "إسرائيلية" بدون طيار قامت بهجوم في منطقة "رفح" المصرية، استهدف "مجموعة إسلامية" في المنطقة، وأسفر عن مقتل 5 أشخاص.

لماذا التخبط؟

ولعل الشكوك التي تُحيط في غالب الأوقات ببيانات المتحدث العسكري ومدى صحتها من عدمه، تدفع إلى محاولة تفسير ما يُمكن أن نُسمّيه تضاربًا انعكس بمزيد من عدم الثقة من جانب المواطنين تجاه أغلب تلك البيانات.

عدم الثقة تلك ظهرت جليّة في أحدث بيانات المتحدث العسكري، الخاص بحادث التفجير الذي تعرّضت له الكتيبة 103 صاعقة، جنوب "رفح" الجمعة الماضية.

فعلى الرغم من الخسائر الفادحة التي تعرَّضت لها الكتيبة، ومن بينها مقتل قائدها، إلا أن البيان&width=100%&show_text=true&appId=239382172860674&height=523" width="500" height="523" style="border:none;overflow:hidden" scrolling="no" frameborder="0" allowTransparency="true"> بدأ بكلمة "نجحت"، الأمر الذي أثار استياءً واسعًا في أوساط النشطاء والمتابعين.

هنا تتعدَّد التفسيرات المحتملة لسبب هذا التضارب لدى المتحدث، لكن القاسم المشترك المُؤكَّد هو غياب المهنية والقدرات الفنية اللازمة لصياغة البيانات العسكرية، والتدقيق في تفاصيلها المتعلقة بالصور ومقاطع الفيديو من تصوير ومونتاج وغيرها.

هذا الضعف المهني يأتي رغم الإمكانات المادية والتقنية الكبيرة التي تتمتّع بها إدارة الشؤون المعنوية بالقوات المسلحة، والتي يُفترَض أن تنعكس على مزيد من الحرفية في عملها الإعلامي، ومن بينه الحساب الرسمي للمتحدث.

وبجانب الضعف المهني أو الفشل في الإدارة، تبرُز قضية العجز عن التغطية على ما يُنسَب لقوات الجيش من انتهاكات، خاصة بشمال سيناء في إطار الحرب على الإرهاب، انتهاكات من كثرتها وتواليها لم تعد إدارة حساب المتحدث الرسمي للجيش قادرة على التعامل معها.

تلك الحرب تُعدُّ عاملًا آخر، حيث يُرجّح أن تُفقِد حدةُ الهجمات الإرهابية وتسارع وتيرتها الجيشَ القدرةَ على التعاطي الإعلامي مع تداعياتها، في ظل أنه المصدر الوحيد للمعلومات عما يجري هناك، سوى بعض النشطاء السيناويين.

ويبدو أيضًا أن الرأي العام وردود أفعاله وآرائه، لم تعد تشغل بال المتحدث العسكري كثيرًا، فيَنشر معلومات خاطئة دون استدراك وتصحيح، ويحذف بيانات وصور بعد نشرها دون توضيح أو إبداء أسباب!.