تُجنّد «المختفين قسريًا»!.. البرلمان يعلن الحرب على مواقع التواصل الاجتماعي (تحليل)

تُجنّد «المختفين قسريًا»!.. البرلمان يعلن الحرب على مواقع التواصل الاجتماعي (تحليل)

04:30 ص

11-يوليو-2017

حربٌ لم تكن تلك التصريحات أولى معاركها، يبدو أن مجلس النواب عزَم على شَنّها ضد مواقع التواصل الاجتماعي.

يبدو أن مجلس النواب، ومع نهاية دور انعقاده الثاني، قد انتهى من حل مشاكل وأزمات المواطنين حتى يلتفت إلى مواقع التواصل الاجتماعي؛ ليُوجّه إليها أصابع الاتهام في العمليات الإرهابية.

الأمر أصبح أشبه بـ "الموسم"، فمع كل تفجير أو عملية مسلحة ضد الجيش أو الشرطة، تتعالَى الأصوات تحت قبة البرلمان؛ للمطالبة بحجب مواقع التواصل تارة، وفرض رسوم عليها تارة أخرى، والدخول إليها بالهوية (البطاقة الشخصية) تارة ثالثة.

القضية أثار الجدل حولها مجددًا "أحمد بدوي" - وكيل لجنة الاتصالات بمجلس النواب - حين قال: إن "هناك أكثر من 50 ألف صفحة على مواقع التواصل الاجتماعي تستقطب الشباب للأفكار الهدّامة؛ من أجل تنفيذ العمليات".

النائب لم يكتفِ بتلك المعلومة غير المُوثّقة، بل ذهب في لقاءٍ مُتلفَز، إلى أنه "تم اصطياد الإرهابيين الذين نفذوا أعمال إرهابية من على مواقع التواصل الاجتماعي".

المختفون قسريًا في دائرة الاتهام

"بدوي" ألمح إلى ظاهرة الاختفاء القسري، عندما قال: إن "الجماعات المتطرفة تجذب هؤلاء الشباب بإغرائهم ماديًا؛ ما يجعلهم يهربون من دون علم أسرهم، الذين يقومون بدورهم بتسجيل محاضر اختفاء لأبنائهم..".

وتُواجه وزارة الداخلية - في كثير من القضايا - اتهامات بتصفية مختفين قسريًا لديها؛ باعتبارهم ضالعين في تنفيذ عمليات مسلحة، رغم إلقائها القبض عليهم قبل أشهر من تلك الهجمات.

اللافت أيضًا أن تصريحات النائب تأتي في أعقاب كشف تقارير إعلامية أن خلية الـ 14 التي أعلنت وزارة الداخلية تصفيتها في مدينة الإسماعيلية بزعم أنهم على علاقة بهجوم كمين رفح، مختفون قسريًا.

التقارير أفادتْ بأن الضحايا لم يُقتلوا في اشتباكات مع الشرطة، بحسب الرواية الرسمية، لكن تمّت تصفيتهم بعد أشهر من الإخفاء القسري داخل سجن "العازولي" الحربي بالإسماعيلية.

وفي اليوم نفسه، السبت الماضي، أعلنت الداخلية تصفية اثنين من أعضاء حركة "حسم" بمدينة 6 أكتوبر.

إلا أن المنظمات الحقوقية كان لها رأي آخر، فقد وثّقت "التنسيقية المصرية للحقوق والحريات" الإخفاء القسري بحقِّ الضحية "علي الفار"، والذي اختفى قسريًا بتاريخ 22 أبريل الماضي، وقُدّمت بلاغات بذلك إلى النائب العام حينها.

ليس آخر الإبداعات!

 بالعودة إلى تصريحات وكيل لجنة الاتصالات بمجلس النواب، فإن حديثه غير المدعوم بوثائق أو أدلة، يُعيد إلى الأذهان حملات سابقة تورَّط فيها البرلمان لمحاربة مواقع التواصل الاجتماعي.

ففي مارس الماضي اقترح عضو لجنة الاتصالات بالمجلس "أحمد رفعت" مخاطبة إدارة موقع "فيسبوك"؛ ليكون التسجيل عليه من خلال الرقم القومي ومحل الإقامة، ولم يُخفِ مُقدّم الاقتراح هدفه، حيث قال: إن هذه الخطوة تُسهّل وصول وزارة الداخلية إلى المخالفين.

الأمر يستلزم قانونًا منفصلًا يجب إعداده بحسب رؤية النائب "جمال عقبي" - عضو "ائتلاف دعم مصر" -، تلك الرؤية التي تحصر "فيسبوك" في أنه "أصبح آفة تنتشر فى المجتمع، وملجأً للجماعات الإرهابية التي تنشر فكرها عبر حسابات مجهولة".

"المؤامرة الكونية" التي تستهدف مصر كانت بدورها حاضرة في اقتراحات النواب، حيث رأى النائب "محمود الصعيدي" أن "مواقع التواصل الاجتماعي وخاصة فيسبوك يُستغلّ في نشر معلومات مغلوطة تُشوّه الدولة..".

ويستمر مجلس النواب في تقديم خدماته المجانية لوزارة الداخلية، حيث لا يزال مشروع قانون الجريمة الإلكترونية قيد المناقشة بالمجلس منذ أن أُعلن عنه في سبتمبر الماضي.

مُقدّم المشروع في حد ذاته أثار جدلًا واسعًا، فهو اللواء "تامر الشهاوي" الذي خدم نحو 20 عامًا كضابط بجهاز المخابرات الحربية، وسعى منذ تقاعده في 2011 إلى الترويج لما يُسمّى بـ "الحروب السيبرانية"، و"حروب الجيلين الرابع والخامس"، اللتين يَستخدم من خلالهما أعداء الأوطان الفضاء الإلكتروني لتهديد الدول.

الجدل امتدَّ لعددٍ كبيرٍ من مواد القانون، وفي هذا الشأن أصدرت منظمات حقوقية تقريرًا تحت عنوان "معاداة التقنية"، حيث اعتبرت أن مفهوم الجريمة الإلكترونية في مشروع القانون خاطئ وضار بالمساواة أمام القانون، حيث إنه يُعاقب على الأفعال إن ارتكبت على الإنترنت بعقوبات أقسى كثيرًا، تصل إلى السجن المؤبد بل وإلى الإعدام.

الداخلية "ميكس"

وعلى الرغم من الرغبة المُعلنة للنواب في تسهيل المهمة على وزارة الداخلية في تعقُّب "المخالفين"، إلا أن الوزارة نفت في بيان نُشر سبتمبر الماضي انتهاك الأجهزة الأمنية لخصوصيات المواطنين ومراقبة حساباتهم الخاصة على مواقع التواصل.

البيان اتهم من أسماهم "عناصر كتائب الإخوان الإلكترونية"، بنشر الشائعات عبر مواقع التواصل الاجتماعي، مُستغلّين مناقشة اللجنة العليا للإصلاح التشريعي بمجلس الوزراء لبنود مشروع قانون جرائم تقنية المعلومات.

"الداخلية" نفسها أعلنت في فبراير 2015، عبر الإدارة العامة للمعلومات والتوثيق القبض على مدير 25 صفحة على "فيسبوك" بتهمة فضفاضة هي "التحريض على العنف ضد الجيش والشرطة".

وفي أكتوبر الماضي، ألقت قوات الأمن القبض على "خالد عبد اللطيف"، الشهير بـ "شيكو بيكو"، مدير صفحة "تمت الترجمة" الساخرة على "فيسبوك"، على خلفية الفيديو الشهير الذي أنتجه ونشره عقب دعوة الرئيس عبد الفتاح السيسي للحصول على "الفكة" من المعاملات البنكية، وهو الفيديو الذي لاقى انتشارًا كبيرًا.

وفي الشهر ذاته ألقت القبض أيضًا على المواطن الصعيدي "شرشوب همام" صاحب مقطع الفيديو الشهير الذي انتقد فيه الأوضاع الحالية في مصر، السلطات اتهمت "شرشوب" بـ "التحريض والسبّ والقذف لرموز الدولة والإعلاميين وسياسات الدولة".

حرب نظام وليس برلمان

الحرب على مواقع التواصل الاجتماعي، ليست معركة لمجلس النواب أو وزارة الداخلية فقط، بل يبدو أن العديد من أجهزة ومؤسسات الدولة، تُشارك فيها بقوة.

ففي سبتمبر الماضي أصدرت هيئة مُفوّضي الدولة بمحكمة القضاء الإداري، توصية بتأييد قرار وزير الداخلية مراقبة وسائل التواصل الاجتماعي؛ لإجراء الممارسة المحدودة المسماة بمشروع "رصد المخاطر الأمنية لشبكات التواصل الاجتماعي - منظومة قياس الرأي العام".

المشروع سيتم من خلاله استخدام أحدث إصدارات برامج نظام رصد المخاطر الأمنية لشبكات التواصل الاجتماعي، والتعرُّف على الأشخاص الذين يُمثّلون خطراً على المجتمع، بحسب التوصية القضائية.

السيسي أفصح عن رؤيته لمواقع التواصل الاجتماعي، خلال حواره مع شبكة "سي إن إن" الإخبارية الأمريكية في سبتمبر 2016، حين قال: إن "جوجل وفيسبوك وتويتر، يُمثّلون بيئة خصبة للتطرف والإرهاب، ويستخدمهم المتطرفون لتوسيع أيديولوجياتهم".

وعلى منصة الأمم المتحدة، في الشهر ذاته، ذكر السيسي نفس هذا الكلام تقريبًا، مؤكدًا أن مكافحة المواقع "التكفيرية" يجب أن تكون مهمة مشتركة لصناع الإنترنت في العالم.

وفي منتصف مايو 2016، طالب بوضع رؤية دولية مشتركة للحيلولة دون استخدام شبكة الإنترنت في التحريض على العنف و"الإرهاب".

وفي 11 يناير 2015، نقلت وكالة "أنباء الشرق الأوسط" المصرية الرسمية، تصريحات مشابهة، على لسان السيسي، دعا فيها الأمم المتحدة لاتخاذ إجراءات صارمة لإغلاق المواقع التكفيرية والإرهابية على شبكات التواصل الاجتماعى، وذلك بعد أيام قليلة من اقتحام مسلحين لمقر جريدة "شارلي إبدو" الفرنسية وقتل 12 من العاملين بها.

السيسي، في غير مرة، أعلن تبرُّمه من شبكات التواصل الاجتماعي، حيث اعتبر في لقائه بالمثقفين المصريين، منتصف أبريل 2016، أنها وسائل لنشر الشائعات ضد الحكومة.

وقال السيسي حينها بلهجةٍ غاضبةٍ: "أنا ممكن بكتيبتين أدخل على النت وأعملها دائرة مقفولة والإعلاميين ياخدوا أخبار وشغل منها".