معابر غزة.. المدخل الإماراتي لإعادة تجنيد «ميليشيات دحلان»

معابر غزة.. المدخل الإماراتي لإعادة تجنيد «ميليشيات دحلان»

05:00 ص

11-يوليو-2017

إذا كانت دوافع حركة "حماس" للقبول بصفقة مع مصر والإمارات و"محمد دحلان" معروفة، بحكم ظروف التطورات الإقليمية، فإن أهداف "محور حصار قطر" من هكذا صفقة ظلَّت قيد التكهّنات، حتى بدأت تسريبات الصحافة "الإسرائليلية" بشأنها في الظهور.

إصلاحات وترميمات تجري حالياً على قدمٍ وساقٍ في منزل "سمير المشهراوي" - القيادي بحركة "فتح" والنائب السابق لرئيس جهاز الأمن الوقائي السابق "محمد دحلان" ويده اليُمنى - استعداداً لعودته وأسرته إلى غزة.

وتُؤشّر هذه الاستعدادات إلى موافقة "جزء" من قيادة حركة المقاومة الإسلامية (حماس) على عودة نفوذ "دحلان" إلى القطاع مرة أخرى، في إطار اتفاق أجراه قائد الحركة في غزة "يحيى السنوار" مع مصر، إذ لا يُمكن إغفال الشواهد على رفض قيادات كتائب "عز الدين القسام" (الجناح العسكري للحركة) لهكذا توجه.

وإذا كان الرفض القسامي مفهوماً؛ بحكم معارك الكتائب الطاحنة مع ميليشيات "دحلان" التابعة لجهاز الأمن الوقائي في عام 2007، والتي انتهت بالحسم العسكري لصالح "حماس"، فإن قبول الجناح السياسي لحركة المقاومة يبدو مفهوماً أيضاً في ظل تطورات الأوضاع الإقليمية شديدة الصعوبة، والتي تُمثّل لغزة "حصاراً فوق الحصار"، خاصة مع تصاعد حدة الأزمة الخليجية، وحصار قطر، التي تُعدُّ إحدى أهم الدول الداعمة للقطاع.

لكن، وفي المقابل، ما هي دوافع مصر والإمارات و"دحلان" من الاتفاق مع "حماس"؟ تبدو الإجابة أمنية بالدرجة الأولى للقاهرة وسياسية بالنسبة لأبو ظبي ومستشار ولي عهدها.

فالاتفاق يتضمّن إشراف "حماس" على تأمين منطقة عازلة بطول الشريط الحدودي بين غزة ومصر، بما يضمن للقاهرة عدم السماح بدخول مسلحين إلى الداخل المصري، ومن هنا جاء تغيُّر لهجة الهجوم الإعلامي الكاسح ضد الحركة الفلسطينية، ورفع اسمها من قائمة الحركات التي تطالب دول حصار قطر بوقف دعمها.

سلخ غزة عن قطر

أما الإمارات و"دحلان" فلا يُمكن تحليل أهداف كل منهما من الاتفاق إلا في سياق سياسي أوسع من الترتيبات الأمنية على الحدود المصرية، بما يُنذر بأن هكذا اتفاق مع "حماس" ربما يكون "تكتيكياً" لدى كل منهما، وهو ما سبق أن نوّهت إليه "القصة" في تحليل نشرته في 22 يونيو الماضي.

وبمرور نحو أسبوعين، تكشَّفت بعض المعلومات بشأن هذه الأهداف، عبر تسريبات نشرها موقع "ديبكا" - المقرب من دوائر الاستخبارات "الإسرائيلية" - مفادها أن "دحلان" بصدد إعادة تجنيد عناصر أجهزة الأمن الفلسطينية التابعة لفتح بقطاع غزة، وإلباسهم زياً عسكرياً، وتسليمهم أسلحة، في إطار تنفيذ أحد بنود الاتفاق مع "حماس"، والذي يقضي بتولّي "دحلان" مسؤولية معابر القطاع المحاصر.

وبحسب "ديبكا" فإن دولة الإمارات خصَّصتْ ملايين الدولارات لـ "دحلان" لتنفيذ المهمة؛ بهدف تشكيل "ميليشيا" تُمثّل ذراعاً عسكرياً لها، بما يضمن لها مستقبلاً تقويض مشروع إحدى أهم الحركات الإسلامية في المنطقة من جانب، وسحب إحدى أهم مناطق النفوذ القطري من جانب آخر.

سيكون "دحلان" مسئولاً - وفق هذا السيناريو - عن مراحل "سلخ" غزة من النفوذ القطري تدريجياً لصالح نفوذ الإمارات والسعودية ومصر، على أن تكون "المعابر" ذريعة عملية التجنيد والتسليح المنتظره لعناصر الأجهزة الأمنية السابقة في القطاع.

صراع دحلان – عباس

ولا يعوق هذا المشروع سوى صراع "دحلان" مع رئيس السلطة الفلسطينية "محمود عباس"، باعتبار الأول المنافس الأول على خلافة السلطة مستقبلاً، رغم فصله من حركة "فتح"، وفي ظل علاقات اقتصادية واسعة لأبناء الأخير مع القطريين، ما عرَّض علاقته بمصر والإمارات إلى حالة من الفتور، وهو ما سبق لـ "القصة" تناوله في تحليل سابق.

وإذ يُحاول "عباس" مغازلة الإماراتيين بتشديد العقوبات على "حماس" في غزة وتضييق الخناق المالي على موظفي القطاع عبر الخصم من رواتبهم، ووقف توريد مستلزمات توليد الطاقة، إلا أن المصالح الأمنية المصرية - سالفة الذكر - على الحدود لا تزال بيد "حماس".

كما أن أبو ظبي لا تعدل بديلاً لـ "دحلان" في ملف التسوية النهائية لملف القضية الفلسطينية، الذي يتبنّاه ولي العهد الإماراتي "محمد بن زايد" وولي العهد السعودي "محمد بن سلمان"، وألمح الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي إلى اعتباره بمثابة "صفقة القرن" إبّان زيارته الأخيرة للبيت الأبيض (أبريل 2017).

من هنا جاء لقاء "محمود عباس" بالسيسي في القاهرة مساء الأحد (8 يوليو)، حيث يُحاول رئيس السلطة إعادة الدفء إلى العلاقات مع مصر، وإزاحة منافسه اللدود من مشروع الترتيبات الإقليمية في آنٍ واحدٍ.

"عباس" طلب خلال الاجتماع توضيحات بشأن الصفقة مع "حماس" و"دحلان"، عارضاً مزيداً من فرض العقوبات المالية على قطاع غزة إذا استمرت "حماس" في إدارتها بشكلٍ مستقلٍّ دون السماح للسلطة بالمشاركة، وفقاً لما أوردته صحيفة "يديعوت أحرونوت" "الإسرائيلية".

مرحلة تكتيكية

وفي المقابل، يبدو واضحاً أن "حماس" تُدرك "تكتيكية" القبول (الإماراتي – المصري) للتعامل معها مجدداً، ورغم ذلك فليس ثَمَّة خيار آخر أمامها، في ظل انكشاف ظهيرها الإقليمي.

هذا ما عبَّر عنه القيادي بـ "حماس" "غازي حمد" قائلاً: "إن عمليات إعادة التنظيم الإقليمية - التي قادتها السعودية - جعلت "حماس" وقطاع غزة تحت ضغطٍ مُتجدِّدٍ"، وفقاً لما نقلته صحيفة "الجارديان"، مضيفاً: "لقد فهمنا أن دحلان جزء من اللعبة السياسية في المنطقة".

ولذلك علَّقت الصحيفة البريطانية بأن تقارب "حماس" مع "دحلان" لا يُعبّر عن براغماتية الحركة بقدر ما يُعبّر عن مقتضيات فرضتها الظروف، وتوقَّعتْ أن يعود الصراع بينهما من جديد.

الفيصل في تحقُّق هذا التوقع من عدمه يرتبط بمدى نجاح تنفيذ "دحلان" لأجندة "الميليشيات ذات التمويل الإماراتي" في غزة، وهو ما لا يُمكن الجزم بحدوثه في ظل مؤشرات انتباه "كتائب القسام" إلى خطورة تطورات الترتيبات الإقليمية وتأثيرها على القطاع المحاصر.