ضريبة الهدايا.. بالونة اختبار اقتصادية لدائرة جهنمية مُفرغة

ضريبة الهدايا.. بالونة اختبار اقتصادية لدائرة جهنمية مُفرغة

07:00 ص

11-يوليو-2017

الزيادة الثانية لسعر الفائدة على الإيداع والاقتراض تُرجّح صحة توجه النظام لفرض ضرائب على هدايا المصريين بالخارج، إضافة إلى مزيد من زيادة أسعار الخدمات الأساسية؛ بما يعني استمرار الاقتصاد المصري في دائرة جهنمية مُفرغة لا تنتهي، ومزيد من التدهور المعيشي للمصريين.

"نتوقّع أن يكون رفعُ الفائدة إجراءً وقتياً مؤقتاً".. هكذا علّق نائب وزير المالية المصري لشؤون الخزانة "محمد معيط" على قرار البنك المركزي برفع أسعار الفائدة مرتين في أقل من شهرين، ما قدَّم مؤشراً على أن صناعة "لجنة السياسات" بالبنك لم تمُرّ بالوزارة.

وعزَّز من هذا المؤشر تصريح آخر لـ "معيط" أكّد فيه أن وزارته لم تضع في اعتبارها زيادة أسعار الفائدة 400 نقطة أساس (ما يعادل 4%) في آخر اجتماعين للبنك المركزي، ما يعني أن تأثير رفع الفائدة غير مُخطَّط له في موازنة العام المالي الجاري.

هذا يعني زيادة قدرها 4% على القروض الحكومية كحد أدنى؛ وبالتالي زيادة بند فوائد الدّين العام الداخلي وحدها إلى نحو 40 مليار جنيه إضافية ستُمثّل زيادة في عجز الموازنة العامة.

وتُفاقم هذه التطورات من أعباء المستثمرين والشركات؛ لأنه يُقلّل من أرباحها نتيجة ارتفاع تكلفة التمويل؛ ما يعني اتجاه كثير من رجال الأعمال إلى وضع أموالهم في البنوك، في شكل شهادات استثمارية أو أي صورة أخرى، بدلاً من الاستثمار في الإنتاج والتشغيل وتحمُّل المخاطر المترتبة على ذلك، وهو ما سبق أن توقعته "القصة" في تحليلها بعد إعلان لجنة سياسات البنك المركزي أول قرار بزيادة سعر الفائدة في مايو الماضي.

حلول المسكنات

وإزاء ذلك لن تجد الحكومة مساراً لتعويض زيادة عجز الموازنة سوى رفع أسعار ما تبقّى من خدمات تُقدّمها للمواطن، إلى جانب فرض المزيد من الضرائب والتوسُّع في الاستدانة الخارجية.

وستُمثّل هذه الإجراءات "حلولاً مُؤقّتة" للأزمة الاقتصادية المصرية، تُسفر في النهاية عن زيادة أعباء الدّين العام، ومن ثَمَّ توجُّه الحكومة إلى الاقتراض مرة أخرى، في ظل تصاعد شلل القطاع الإنتاجي، وهكذا دواليك.

لكن يبدو أن الحكومة لا تملك سوى "المُسكّنات" لمواجهة الأزمة؛ الأمر الذي أفضى إلى حالة من الارتجالية والعشوائية في صناعة القرار، على نحو ما كشفت عنه تصريحات نائب وزير المالية.

فالبنك المركزي له مُمثّل داخل وزارة المالية، كما أن للمالية ممثلاً داخل مجلس إدارة البنك، ورغم ذلك فإن قراراً هاماً كرفع الفائدة بهذه النسبة الكبيرة بَدَا أنه "مفاجئ" لنائب الوزير؛ لأن الدائرة المُفرغة - سالفة الذكر - لا تجعل من القرار الاقتصادي المصري "صناعة" بالأصل، بل مجرد رد فعل على تفاقم عجز الموازنة المزمن.

لكن مفعول المسكنات الاقتصادية يتدرّج تنازلياً كلما انحدر المستوى المعيشي للمواطنين، وكلما فقدت العملة المحلية نِسَباً إضافية من قيمتها الشرائية، وكلما استمرّ شلل القطاع الإنتاجي، وظل اعتماد الدولة مُنصباً على إجراءات مالية مُتعلّقة بسعر الفائدة.

ضرائب الهدايا

40 مليار جنيه ستتكبّدها الموازنة العامة المصرية نتيجة رفع سعر الفائدة، وهو مبلغ كافٍ لإصلاح حال التعليم أو الصحة لو تم توفيره بعيدًا عن هذا الغرض، لكن الأكثر خطورة من ذلك هو أن تمويل هذه الفجوة سيعتمد على زيادة جديدة في أسعار الكهرباء، إضافة إلى إعلان الشركة القابضة لمياه الشرب عن عزمها رفع أسعار المياه، وذلك بعد رفع أسعار 28 خدمة حكومية أخرى.

وإزاء هذا التوجُّه فإن نفي مصلحة الجمارك المصرية لفرض ضرائب جمركية على هدايا المصريين بالخارج، والذي نشرته عدد من الصحف المحلية في مصر، ربما يكون "بالونة اختبار" تستهدف التمهيد لتقبُّل هكذا قرار شعبياً في المستقبل.

وسبق أن توقّعت "القصة" أن تُسفر الدائرة الاقتصادية المُفرغة في مصر عن تطبيق التسريبات الإعلامية بشأن دراسة "إصدار العملة المحلية في شكل جديد"، الأمر الذي يُنذر بكارثة اقتصادية أخرى، تتمثَّل في اشتداد سُعار "الدولرة" من جديد، بحسب مراقبين، حيث سيلجأ الكثير من المُدّخرين إلى محاولة حفظ قيمة أموالهم بشراء الدولار؛ خوفاً من مستقبل العملة الجديدة المجهول، وحينها ربما يرتفع الدولار إلى ما يزيد على الـ 25 جنيهاً.

الغريب أن البنك المركزي المصري برَّر قراره برفع سعر الفائدة؛ بتخفيف الآثار الجانبية الناتجة عن ارتفاع أسعار الوقود والكهرباء، وكذلك ارتفاع ضريبة القيمة المضافة، بما يعني أن حالة الدائرة المفرغة، سالفة الذكر، تحوّلتْ إلى ما يُشبه "الإدمان" لدى صُنَّاع القرار المالي، في ظل اختزال الاقتصاد بمجموعة إجراءات مالية تُعالج مشكلات مالية أخرى، دون علاج اقتصادي حقيقي.

فرفع سعر الفائدة سيُعمّق حالة الركود، وإن أدّى وقتياً إلى تراجعٍ طفيفٍ في نسبة التضخم، بما يُضعف الاستثمار المحلي؛ وبالتالي عجز الاقتصاد المصري عن توليد فرص عمل جديدة، ما يعني انهيار "الاقتصاد الحقيقي" مقابل تحسُّن "رقمي" طفيف في الهيكلة المالية، يُسمّيه خبراء الحكومة إصلاحاً.

آثار ذلك تمتد إلى ما هو أبعد من الاقتصاد، وهو ما نوّهت إليه صحيفة "إلموند"، التي ذكرت أن الوضع الاقتصادي والسياسي الكارثي في مصر هو السبب الأساسي وراء تنازل النظام عن جزيرتي "تيران" و"صنافير" للمملكة العربية السعودية.

وأشارت الصحيفة الإسبانية إلى أن الرياض دفعت مليارات الدولارات لتجنيب القاهرة خطر "الإفلاس".

وصفة الخروج من هذه الدوامة قدَّمها العديد من الخبراء للحكومة المصرية، وسبق أن قدّمتها "القصة" في تحليلات سابقة، وخلاصتها ضرورة الخروج من الدائرة المفرغة، عبر طلاقٍ بائنٍ مع أجندة صندوق النقد الدولي، ووضع مصالح "الاقتصاد الفعلي" بوصلة للإجراءات المالية، وليس العكس.