الموت يُطاردهم و«الخارجية» تتجاهلهم.. لماذا يُصرّ المصريون على السفر إلى ليبيا؟

الموت يُطاردهم و«الخارجية» تتجاهلهم.. لماذا يُصرّ المصريون على السفر إلى ليبيا؟

09:00 ص

11-يوليو-2017

بعد أن عُثر على نحو 48 جثماناً لمصريين تاهوا في صحراء ليبيا أثناء محاولتهم السفر إليها بطريق غير شرعي، وتزايد حالات القتل والاختطاف للعمالة المصرية هناك.. بَقِي سؤالٌ مُحيّرٌ: لماذا يُصرّ المصريون على السفر إلى ليبيا؟.

في صحراء ليبيا وتحديداً بين مدينتي "طبرق" و"إجدابيا"، عثَرَ الهلال الأحمر الليبي على 48 جثماناً لمهاجرين غير شرعيين ضَلُّوا طريقهم في الصحراء، فماتوا تِيهاً بين وديانها من شدّة الجوع والعطش.

لم تمضِ سوى دقائق من العثور على كل تلك الجثامين، حتى أعلنت منظمة الهلال الأحمر الليبي بـ "طبرق" أن الجثامين المعثور عليها هي لمصريين دخلوا ليبيا بطرقٍ غير شرعية؛ بحثاً عن فرص عمل، لكن سياراتهم انقلبت بهم على عمق 267 كم في صحراء ليبيا؛ ليُفارقوا الحياة في أماكنهم.

ومن أصل 48 مهاجراً غير نظامي لقُوا حتفهم في الصحراء، تمكَّن الهلال الأحمر الليبي انتشال 19 جثماناً منهم، ولا تزال جثامين 29 آخرين مُلقاة في الصحراء.

فماذا فعلت الدولة مع جثامين هؤلاء الشباب؟ ولماذا يُصرّ بعض المصريين على السفر إلى ليبيا رغم المخاطر؟ ولماذا يبحثون عن فرص عمل في بلد مليء بالصراع والحروب والنزاعات؟.

الخارجية تتجاهل الموتى

المُثير أن العمالة المصرية التي لقت حتفها في ليبيا، لم تقتصر معاناتها على الحياة فقط، لكن أهاليهم يُعانون بعد موتهم أيضاً، حيث ترفض السفارة المصرية في طرابلس - والتي تُدير أعمالها من القاهرة - التعاون مع الهلال الأحمر الليبي لنقل الجثامين إلى القاهرة.

الخارجية المصرية اكتفت بتصريحات صحفية أكّدت فيها أنه تم التعرف على 7 جثامين من الـ 19 جثماناً التي تم انتشالها من صحراء ليبيا.

ورغم أن المتحدث باسم الخارجية المصرية "أحمد أبو زيد" أكّد على أنه جارٍ التنسيق لعودة الجثامين إلى مصر، إلا أن مصادر ليبية أكّدت أن مصر غير متعاونة تماماً بشأن انتشال الجثامين؛ لدرجة أنها لم تُكلّف نفسها بالسؤال عن حقيقة العدد الذي عُثر عليه!.

المصادر الليبية أكّدت أن الجثامين التي عُثر عليها أكبر بكثير من التي استطاعت فرق الهلال الأحمر انتشالها؛ وذلك لعدم توفُّر وسيلة لنقلها، وأن الهلال الأحمر قام بالاتصال بالسفير المصري في ليبيا للمساعدة في نقل الجثامين لمصر فاعتذر لتعقُّد الإجراءات الأمنية والاستخباراتية.

وقالت المصادر: "إنه بعد الانتهاء من انتشال جثث 19 مصرياً، تعمَّق أفراد فريق الهلال الأحمر في وسط الصحراء، وعلى مدى مسافة الطريق عثروا على جثث أطفال ونساء، لكن تم تركهم لعدم وجود أكياس تكفي لهذا العدد، وعدم توافر سيارات لنقل هذا العدد الكبير، مع العلم أنه تمّت الاستعانة بسيارات إضافية خاصة بالمواطنين".

مناشدات للسيسي بلا جدوى

أهالي الضحايا في صعيد مصر ومحافظة كفر الشيخ، اجتمع عليهم حُزنان، حُزن فقد أبنائهم، وحُزن عدم معرفة أماكن دفنهم، وذلك بعد أن تخلَّت الخارجية المصرية عن إعادة أبنائهم، وإصرار الهلال الأحمر الليبي على دفن بعض الجثامين في مقابر إسلامية للفقراء بليبيا.

الأهالي لم يجدوا بُدَّاً من مناشدة الرئيس عبد الفتاح السيسي للتدخل لإعادة جثامين أبنائهم إلى مصر؛ ليُدفنوا في قُرَاهم، خصوصاً وأنهم لم يكونوا إرهابيين ولم يقترفوا ذنباً، وكل ما فعلوه أنهم اضطروا إلى السفر غير الشرعي بحثاً عن لُقمة العيش، وعلى الدولة التي تركتهم يُصارعون الموت فقراً وهم أحياء، أن تحفظ جثامينهم وهم أموات.

لماذا ليبيا؟

تزايد أعداد وفيات العمالة المصرية في ليبيا سواء عن طريق التيه في الصحراء أو الخطف على يد عصابات تُطالب بفدية مالية، أو القتل على يد مسلحين منتمين لتنظيمات إرهابية، كل ذلك يدفع إلى سؤال واحد: لماذا يُصرّ المصريون للسفر إلى ليبيا رغم كل تلك المخاطر؟.

بداية فإن كثيراً من التقارير غير الرسمية تُؤكّد أن عدد العمالة المصرية قبل الثورة الليبية كانت تتخطّى 2 مليون عامل، وأصبحت الآن تتراوح ما بين 500 و800 ألف عامل مصري بليبيا.

وفي مقابلة سابقة لبعض المصريين الذين يُسافرون إلى ليبيا على قناة الـ" width="100%" height="315"> "بي بي سي عربي" قال بعض الشباب بمحافظات صعيد مصر: نحن إنْ بقينا في مصر نموت من الجوع، وإنْ سافرنا ليبيا سنموت بالقتل، فلا فارق إذاً بين أن نموت هنا أو هناك.

وعلى هذا الأساس فقد حدَّد مراقبون وخبراء عدداً من الأسباب الواضحة والمباشرة التي قد تدفع المصريين للسفر إلى ليبيا رغم المخاطر من بينها:

الفقر والبطالة:

من المُلاحَظ أن أغلب العمالة المصرية بليبيا هي من صعيد مصر، وبعض المحافظات الفقيرة في الوجه البحري (كفر الشيخ والشرقية)، وجميع العمالة تتراوح أعمارها من سن 15 إلى 40 عاماً، أي في مرحلة الشباب، ما يُؤكّد أن الفقر المُدقع هو أحد أبرز الأسباب التي تدفع المصريين للسفر إلى ليبيا.

التقارب الجغرافي مع مصر:

وبينما يُؤكّد مراقبون أن الفقر المُدقع وارتفاع تكاليف الحياة، وقلّة فرص العمل، هو ما يدفع الشباب المصري للمخاطرة بحياته والسفر لليبيا بحثاً عن عمل، يرى آخرون أن التقارب الجغرافي بين مصر وليبيا هو أحد أبرز الدوافع التي تدفع المصريين للسفر هناك ولو بطرقٍ غير شرعية حيث أن السفر لن يُكلّفهم الكثير من الأعباء المالية.

ارتقاع العملة الليبية:

ارتفاع قيمة العملة الليبية أمام العملة المصرية حيث وصل الدينار الليبي إلى نحو 12 جنيهاً مصرياً؛ مما يُغرِي كثيراً من المصريين بفكرة السفر إلى ليبيا مهما كانت المخاطر، خصوصاً وأن أوضاع العمالة في مصر تدهورتْ بشكلٍ كبيرٍ، حيث قلَّتْ فرص العمل؛ بسبب ضعف الاستثمار وتراجع السياحة، وتراجع فرص العمل في الإنشاءات والعقارات، فضلاً عن سيطرة الجيش على أغلب المشاريع الكبرى والتي يستخدم فيها عمالة مُجنَّدة، ما قلَّلَ فرص عمل العمالة المدنية.