«تيلرسون» واتفاق الدوحة.. انتصار قطري أم فخ أمريكي؟ (تحليل)

«تيلرسون» واتفاق الدوحة.. انتصار قطري أم فخ أمريكي؟ (تحليل)

12:29 ص

12-يوليو-2017

تطوراتٌ عديدةٌ للأزمة الخليجية قد تَشِي ظاهرياً بانتصار قطر على دول الحصار، لكنها في الحقيقة ليست سوى "إعلان أمركة" يقضي بتحوُّل واشنطن إلى مرجعيةٍ نهائيةٍ عليا لجبهتيْ الصراع، بما يُؤشّر إلى استمرار الأزمة على الأرجح؛ استناداً إلى السوابق الأمريكية القائمة على استراتيجية إدارة الصراعات الدولية لا حَلّها.

"موقف الحكومة القطرية إزاء الأزمة الخليجية واضح ومنطقي".. بهذه الكلمات أعلن وزير الخارجية الأمريكية "ريكس تيلرسون" موقفاً بَدَا مُنحازاً لقطر في أزمة حصارها من قبل السعودية والإمارات والبحرين، وذلك في مؤتمر صحفي عقده عقب وصوله إلى الدوحة، الثلاثاء (10 يوليو).

الوزير الأمريكي أبدَى تفهّمه لموقف الدوحة إزاء الأزمة المستمرة منذ شهر، مُعلناً توقيع اتفاق ثنائي مع نظيره القطري "محمد بن عبد الرحمن آل ثاني" يقضي بالتشارك في وقف تمويل الإرهاب وتعزيز جهود مكافحته.

ويُمثّل هكذا تطوُّر نقلةً نوعيةً في مسار الأزمة الخليجية، إذ يُعدُّ بمثابة إعلان أمريكي رسمي برفض تَبنِّي موقف التصعيد الذي تتبنّاه السعودية والإمارات ومصر والبحرين تجاه قطر بشكلٍ غير مباشر، وفقاً لوجهة النظر القطرية.

ولذلك اعتبر مراقبون موقف "تيلرسون" بمثابة إعلان فشل لجهود الدول الأربعة الهادفة لحشد التأييد الدولي لموقفها الجذري تجاه الدوحة، وهو ما ألقى بظلاله على خطاب وزير الخارجية الكويتي "صباح خالد الحمد الصباح" كوسيط لحل الأزمة.

وسـاطة الكويت

"الصباح" التقى مستشار الأمن القومي البريطاني "مارك سيدويل" إضافة إلى "تيلرسون" ليلة الثلاثاء (أي قبل ساعات من وصول الأخير للدوحة وإعلانه الاتفاق الثنائي بشأن تمويل الإرهاب) داعياً "كافة أطراف الأزمة الخليجية" للإسراع باحتوائها عبر الحوار.

بَدَتْ لهجة الوسيط الكويتي مختلفة بعد لقائه المسؤولين الأمريكان والبريطانيين، حيث دأبَ سابقاً على إعلان مواقف تَمِيل قليلاً إلى جانب الدول المقاطعة لقطر، لكن دون تَبنِّي موقفها رسمياً.

ولعلَّ ذلك ما يُفسِّر حالة الثقة التي بَدَتْ في تصريح وزير الخارجية القطري عقب توقيع اتفاق الدوحة، خاصة أنه جاء كثمرة لمباحثات أجراها "تيلرسون" مع كبار المسؤولين القطريين، وفي مقدمتهم الأمير "تميم بن حمد بن خليفة آل ثاني".

لم يكتفِ الوزير القطري بالإشارة إلى تعزيز موقف بلاده حيال الأزمة عبر توقيع الاتفاق الثنائي، بل دعا دول الحصار إلى الالتحاق به، بما يَعني انتقال الدوحة من موقع رد الفعل إلى موقع الفعل.

ساهم في ذلك إصرار السعودية والإمارات ومصر والبحرين على تَبنِّي موقفٍ مُتصلّبٍ تجاه قطر حتى آخر مدى، ودون اكتراث بمواقف الوسطاء الدوليين، الذين عبَّر معظمهم عن "عدم الاقتناع" بمطالبها الـ 13 لحل الأزمة.

الخيار العسكري

المُؤكّد إذن أن دول حصار قطر خسرت جولة دبلوماسية هامة، بما يدفع بسيناريو التصعيد العسكري ضد الدوحة إلى سلّة المُهملات تماماً، رغم ترجيح العديد من المراقبين له وقت اشتعال الأزمة، في ظل إبداء الرئيس الأمريكي "دونالد ترامب" تماشياً مع اتجاه الرياض وأبو ظبي والقاهرة والمنامة.

لكن موقف "ترامب" لم يكن مُعبّراً عن كافة مؤسسات الحكم في الولايات المتحدة، وهو ما كشفه التناقض مع الاتجاه الغالب في وزارتي الخارجية والدفاع، الأمر الذي ترجمه "تيلرسون" بتوقيعه الاتفاقية الثنائية بالدوحة، بما يُغلق الباب تماماً أمام حشر قطر في الزاوية وتحويلها إلى متهم بالإرهاب مُجمع عليه دولياً.

وسبق لـ "القصة" تناول تناقضات مواقف مؤسسات الحكم الأمريكية إزاء الأزمة الخليجية ومدى تأثيرها على العلاقات بدول المنطقة وتوظيفها لخدمة مصالح واشنطن في تحليل سابق.

لكن هل يعني ذلك انحياز الأمريكان والبريطانيين إلى الموقف القطري؟ ليس ذلك صحيحاً بالضرورة، خاصة إذا ما استجابت دول المقاطعة لصوت "الشراكة الأمريكية" ووقّعت اتفاقاً لمكافحة الإرهاب شبيهاً بذلك الذي تم الإعلان عنه في الدوحة.

المرجعية الأمريكية

ويُرجّح العديد من المراقبين تحقُّق هذا السيناريو بعيداً عن الجانب القطري، أي عبر اتفاق منفصل بين الدول الأربعة وواشنطن، بما يعني نهاية متوقعة لأُفُق إيجاد حل على أساس مرجعية عربية، عبر الوساطة الكويتية، وانتقال المرجعية العليا والنهائية للأزمة الخليجية إلى الولايات المتحدة رأساً.

ويُعزّز من هذا الترجيح مؤشرات اتجاه دول المقاطعة إلى مزيد من التصعيد الإعلامي ضد قطر، رغم بوادر حلحلة "الحصار" عملياً، خاصة من الجانب السعودي.

فقد تداولت مصادر إعلامية - نقلاً عن الإعلامي القطري "أحمد السليطي" - خبراً عن سماح المملكة بعودة الموظفين القطريين العاملين بالأمانة العامة لمجلس التعاون الخليجي إلى الرياض، مشيراً إلى بداية اتجاه دول المقاطعة إلى حلحلة الأزمة "عملياً" وإن استمر تصعيدها الإعلامي.

وأوضح "السليطي" عبر حسابه على "تويتر" أن "الوضع لن يَرجع مباشرةً كما كان في يوم واحد (..) لا بد من الرجوع التدريجي، وإلا فَقَدَ السياسيون احترام الشعوب".

وفي سياقٍ متصل، نقلت وسائل إعلام خليجية عن مصادر كويتية أن قوات من الجيش القطري عادت إلى السعودية مرة أخرى لتنضمَّ إلى بقية القوات الخليجية في "درع الجزيرة".

وفي إطار تحقيق المصالح الأمريكية ستلعب واشنطن على الجبهتين؛ باعتبارها صاحبة تقييم ملف كل منهما، وبهذا تتمكَّن من امتلاك "الإرهاب" كأحد أهم أوراق الضغط على كلا الطرفين مستقبلاً.

وبذلك يقترب ختام أحد فصول الأزمة الخليجية، التي يبدو أنها ستظلّ مستمرة؛ لأن بواعث الخلاف بين طرفيها لا زالت قائمة؛ ولأن "مرجعيتها العليا" ذات مصلحة في استمرارها أيضاً، في مشهد أقرب إلى "فخّ أمريكي" خرَج فيه الجميع خاسراً، بحسب مراقبين.