تصفية لا اعتقال.. 250 حالة قتل لـ«معارضين» في مصر أثناء القبض عليهم «رصد وتحليل»

تصفية لا اعتقال.. 250 حالة قتل لـ«معارضين» في مصر أثناء القبض عليهم «رصد وتحليل»

04:34 ص

12-يوليو-2017

من أبرز الملاحظات على عمليات التصفية الجسدية أثناء الاعتقال أنها غالباً ما تكون عقب حادث إرهابي كبير في سيناء أو في أحد المحافظات، وهو ما يجعل عمليات التصفية أثناء الاعتقال تمُرُّ بهدوءٍ سواء عند مؤيدي السلطة أو معارضيها.

"تصفية لا اعتقال".. يبدو أن ذاك هو الشعار الذي قرَّرتْ وزارة الداخلية أن تُقيم من خلاله العدالة الناجزة حسب مفهومها، فلا قبضَ على مُعارض، ولا عرضَ على نيابة، ولا تقديمَ للمحاكمة، لكن رصاصة في الصدر أو الرأس تُنهِي كل ذلك أثناء الاعتقال.

حالات التصفية للمعارضين أثناء الاعتقال، كانت فردية في بادئ الأمر، ثم أصبحت مُكرَّرة، واليوم أصبحت أقرب لمنهجٍ تَسير عليه الشرطة وتُباركه السلطة.

 فعلى سبيل المثال قتلت الأجهزة الأمنية في مصر خلال الـ 48 ساعة الماضية فقط نحو 21 مواطناً أثناء عمليات إلقاء القبض عليهم، في محافظات مختلفة هي الإسماعيلية وأسيوط والفيوم؛ لتُثير تساؤلات عند الجميع: "هل قرَّرت السلطة أن يكون خيار التصفية بدل الاعتقال هو الخيار الأمثل لها؟!".

فمَن أطلَق إذن شرارة التصفية الجسدية؟ وماذا يُريد منها؟ وكم أعداد مَن يتم تصفيتهم سنوياً؟ ومَن المسؤول عن كل تلك الدماء؟ وما هي أبرز المحافظات التي تشهد تصفيات جسدية أثناء الاعتقال؟ ومَن هم أبرز مَن تمَّتْ تصفيتهم؟ وما علاقة عام 2015 بتلك العمليات؟.

البداية في 2015 وتصفية 140

يُعدُّ عام 2015، هو العام الأول لعمليات التصفية الجسدية بحقّ معارضين، ورصدت فيه المراكز والمؤسسات الحقوقية أعداداً مختلفة عن معارضين تمَّت تصفيتهم جسدياً أثناء عمليات الاعتقال، وكان الرقم الأعلى في كل البيانات 140، بحسب ما أوردته "التنسيقية المصرية للحقوق والحريات" في تقريرها نهاية عام 2015.

تصفية المواطن "سيد شعرواي" أثناء عملية اعتقاله من منزله، بتاريخ 9 مارس 2015، كان أولى الحالات التي وقعتْ في عهد اللواء مجدي عبد الغفار، الذي تم تعيينه في منصبة بتاريخ 5 مارس 2015.

لم يمضِ سوى أسبوع على قتل "سيد شعرواي" بـ "ناهيا"، حتى كرَّرت الداخلية واقعة تصفية معارض أثناء القبض عليه لكن هذه المرة كانت الحادثة بالإسكندرية، حيث قامت الداخلية بتصفية "أحمد جبر" داخل شقته السكنية بالإسكندرية أثناء القبض عليه، بحسب روايات أسرته ومصادر حقوقية.

استمرت سياسة التصفية في شهر مارس وأبريل أثناء عمليات الاعتقال لِتَطَالَ الطالب "صهيب عبد الكريم" و"جهاد أبو الروس" بالشرقية، وامتدت التصفية لمقتل الشاب "حسام بدر مرزوق"، و"محسن محمد عطية"، و"حنفي عبد العظيم" و"رضا عبد السلام محمود" ببني سويف في 28 أبريل، وفي مايو قُتل 2 بمنطقة حلوان، و"إسلام عطيتو" وهو الطالب الذي تم اختطافه من الجامعة وتم قتله وإلقاء جثته على أحد مداخل القاهرة.

الحادث الأكبر من حوادث التصفية الجسدية لمعارضين أُثناء القاء القبض عليهم كان في 1 يوليو 2015 حيث قامت الداخلية بتصفية 9 من قيادات جماعة الإخوان المسلمين داخل شقة سكنية بمنطقة أكتوبر، وصدر بيان من وزارة الداخلية يقول: إنهم قُتلوا أثناء مواجهة مسلحة، في حين أكَّدتْ جماعة "الإخوان المسلمين" أن الضحايا كانوا عُزلاً.

التصفية الجسدية لمعارضين أثناء الاعتقال استمرّت في الشهر ذاته، حيث قامت الداخلية بتصفية المواطن "محمد عبد العاطي الفقي" من قرية "مليج" بالمنوفية أثناء اعتقاله في 5 يوليو 2015.

وفي السادس من أغسطس من العام نفسه قتلت الداخلية المواطن "مجدي بسيوني" من "العياط" بعدما اقتحمت منزله فجراً وقامت بقتله برصاصة في الرأس دون مقاومة منه، بحسب شهادات الأهالي.

وفي اليوم نفسه قامت قوات الشرطة بتصفية 5 مواطنين أثناء القبض عليهم من داخل مزرعة بقرية "السلين" بالفيوم، وذلك بعدما اتهمتهم الداخلية بقتل الطفلة "جاسي" ابنة الرائد "شريف سامي" - الضابط بإدارة الترحيلات التابعة لمباحث الفيوم -.

في 25 سبتمبر 2015، قامت قوات الأمن بتصفية 9 مواطنين بمدينة "أوسيم" بمحافظة الجيزة، دون أن تُعلن عن أسمائهم خلال حملة أمنية، واكتفت الداخلية فقط بالتأكيد على أن مَن تمَّت تصفيتهم كانوا مجموعة من الإرهابيين تواجدوا بمناطق زراعية للتخطيط للقيام بأعمال تستهدف الجيش والشرطة.

في 1 أكتوبر من العام نفسه أعلنت الداخلية عن تصفية 4 شباب أثناء القبض عليهم داخل إحدى الشقق بمنطقة "العجمي" بالإسكندرية، واتهمتهم الداخلية بأنهم متورطون في مقتل أمين الشرطة "ربيع محمد عصفور" من قوة مركز شرطة "الدلنجات".

40 حالة في 2016

انخفضت عمليات التصفية الجسدية للمعارضين في مصر أثناء القبض عليهم في عام 2016، عن أعدادهم في 2015 بنسبة كبيرة، حيث كشفت التقارير الحقوقية المختلفة أن عدد مَن تمَّت تصفيتهم جسدياً أثناء عملية الاعتقال على خلفية قضايا سياسية في 2016، بلغوا نحو 40 شخصاً على مدار العام.

البداية كانت في الذكرى الثالثة لثورة 25 يناير، حيث قامت قوات الانقلاب بتصفية الشابين "جابر محمد حسيب " و"سيد محمد حسيب" من محافظة بني سويف أثناء تواجدهم بشقة سكنية بأكتوبر.

رواية الأهالي قالت وقتها: إنه تمَّت تصفيتهم أثناء زيارتهم لخالتهم بشقتها السكنية بمدينة السادس من أكتوبر، في حين قالت رواية الداخلية: إنه تم ضبطهم في وَكْرٍ إرهابي بأكتوبر، وأنهما قُتلا خلال تبادل لإطلاق النار مع الشرطة.

في 24 من مارس 2016، قامت قوات الشرطة بتصفية 5 مواطنين في "التجمع الخامس" أثناء القبض عليهم، وقالت: إنهم تشكيل عصابي لقتل الأجانب وتورّطوا في قتل الطالب الإيطالي "ريجيني"، في حين قال شهود عيان وأهالي القتلى: إنهم مجموعة من العُمَّال كانوا في توجّههم لعملهم، وأنه تم تلفيق الاتهام لهم بتشكيل عصابي لقتل الأجانب؛ لتغطية قضية "ريجيني".

واصلت الداخلية عمليات التصفية لمعارضين أثناء القبض عليهم على فترات مختلفة، حيث قتلت الشرطة في 31 يوليو 2016 مواطناً بقرية "مظلوم" بالدقهلية أثناء القبض عليه؛ بدعوى أنه حاول الهرب، كما قتلت في 30 أغسطس 2016 الطالب "أحمد مدحت" أثناء القبض عليه، في حين ادَّعَت الشرطة أنه انتحر.

لكن عملية التصفية الأخطر على الإطلاق والتي أثارت جدلاً واسعاً وقتها كانت في 4 أكتوبر 2016، حين قامت الداخلية بتصفية القيادي بجماعة "الإخوان" "محمد كمال" ومرافقه "ياسر شحاتة" بعد ساعات من نشر أخبار عن اعتقالهما، لكن بعد ذلك خرجت بيانات للداخلية تنفي اعتقالهما وتؤكّد أنهما قُتلا أثناء عملية القبض عليهما بشقة سكنية بـ "البساتين".

التصفيات الأمنية لمعارضين أثناء الاعتقال استمرت لتطال أيضاً 4 شباب تم تصفيتهم داخل شقة بـ «جسر السويس» في 3 نوفمبر 2016، وبعدها أعلنت الداخلية تصفية 3 شباب خلال عملية مداهمة ببني سويف في 6 ديسمبر 2016 وهم: "محمد سيد حسين"، و"علاء رجب أحمد عويس"، و"عبد الرحمن جمال"، غير أن أسرهم أكدوا أنهم كانوا محتجزين لدى الشرطة ومختفين قسرياً وبعدها أُعلِن عن قتلهم.

واستمرت عمليات التصفية حتى قبل انتهاء العام بـخمسة أيام فقط، حيث أعلنت الداخلية في 25 ديسمبر 2016 عن تصفية اثنين بالمنوفية قالت الشرطة: إنهم من المتورطين في اغتيال العميد "عادل رجائي" - قائد الفرقة التاسعة مدرعات -.

70 حالة تصفية في 2017

في عام 2017 ارتفعت وتيرة التصفية الجسدية لمعارضين بشكلٍ كبيرٍ، ووصلت فيه أعداد مَن تمّت تصفيتهم في النصف الأول منه فقط إلى 70 حالة، كما يُلاحظ أن عمليات التصفية في 2017، تضمُّ أرقاماً كبيرة في كل عملية بشكلٍ أشبه بالتصفيات الجماعية.

في شهر يناير قامت قوات الشرطة بتصفية "طه محمود عبد الحميد طلبة" (38 عاماً) داخل شقة سكنية بمنقطة "فيصل" بالجيزة.

وفي شهر فبراير من العام الجاري قامت الداخلية بتصفية 7 أشخاص أثناء عملية القبض عليهم أشهرهم قتل الشابين "أحمد عبد العزيز خلف" - طالب بالفرقة الخامسة بكلية الطب -، والشاب "محمود عنتبلي" أثناء القبض عليهم بمنطقة "بدر" بالقاهرة، وقالت الداخلية: إنهما قُتلا في تبادل إطلاق نار.

ومع دخول شهر مارس رفعت الداخلية حالات التصفية الجسدية وقتلت 8 معارضين أثناء القبض عليهم، أشهرهم الطالب "حسن محمد جلال" الذي قتلته الشرطة داخل أحد مزارع "أبو صوير" في الإسماعيلية وقالت: إنه ينتمي لحركة «حسم».

وفي شهر أبريل من العام الجاري وقعت 10 حالات تصفية، الأولى كانت من نصيب الشاب "محمد عادل بلبولة" وذلك أثناء حصار الأمن لقرية "البصارطة" بدمياط، في حين أعلنت الداخلية في 10 أبريل من الشهر ذاته تصفية 7 معارضين بصحراء "أبنوب"، بمنطقة "عرب العوامر" الصناعية بمحافظة أسيوط، أثناء القبض عليهم وقالت: إنهم قُتلوا في تبادل لإطلاق نار.

وفي شهر مايو تمّ تصفية نحو 15 معارضاً، كانت أبرزهم على الإطلاق حادثة تصفية 8 معارضين في صحراء أسوان جميعهم كانوا من محافظات مختلفة، حيث قالت الداخلية: إنهم قُتلوا في مواجهات مسلحة مع الأمن، في حين أكّد الأهالي أنهم كانوا مختفين قسرياً.

وفي شهر يونيو وتحديداً في 22 يونيو أعلن مسؤول المركز الإعلامي الأمني بوزارة الداخلية عن تصفية 7 معارضين وصفتهم الداخلية بالإرهابيين، وقالت: إنهم قُتلوا داخل أحد معسكرات التدريب بالصحراء.

وخلال شهر يوليو الجاري تم تصفية نحو 21 مواطناً، منهم 14 شاباً تمَّت تصفيتهم بالإسماعيلية، و6 تمَّت تصفيتهم بأسيوط أثناء القاء القبض عليهم، وشاب آخر تمَّت تصفيته بالفيوم؛ بدعوى أنه أحد كوادر حركة “حسم” المسؤول عن استقطاب الشباب؛ لتدريبهم في معسكرات للإرهاب بالصحراء.

ملاحظات على كل عمليات التصفية

هناك مجموعة ملاحظات يجدر الإشارة إليها:

  1. أن عمليات التصفية الجسدية لمعارضين أثناء الاعتقال بدأت بشكلٍ واضحٍ مع وصول وزير الداخلية الحالي "مجدي عبد الغفار" لمنصب وزير الداخلية وذلك في الخامس من مارس 2015، وإنْ كان ذلك لا يعني عدم وقوع عمليات تصفية جماعية لمعارضين قُتل فيها المئات وربما الآلاف في عهد الوزير السابق "محمد إبراهيم"، إلا أن جميعها كانت عمليات قتل في ميادين أو خلال فض تظاهرات واعتصامات كـ "رابعة" و"النهضة" و"رمسيس"، ولم تكن أثناء عمليات القبض المباشر من شقق سكنية أو مزارع أو ما شابه.
  2. هناك تباين كبير بين الأرقام الصادرة عن المراكز الحقوقية بشأن مَن تمَّت تصفيتهم أثناء القبض عليهم، وذلك يرجع لاختلاف التصنيفات، حيث إن بعض المنظمات الحقوقية يكون لديها وثائق تُثبت أن مَن تُعلن الداخلية عن تصفيتهم أثناء القبض عليهم هم في الأصل مختفون قسرياً؛ وبالتالي لا تعدّهم ضمن عمليات التصفية الجسدية أثناء الاعتقال، وتُصنّفهم ضمن ضحايا التعذيب أو التصفية بعد الاختفاء.
  3. بعض المراكز الحقوقية ضمَّتْ وقائع التصفية الجسدية التي وقعتْ في سيناء لإحصاءات ونتائج التصفية الجسدية، وهو ما تمّ تجنُّبه خلال التقرير الحالي، حيث تم التصنيف على أساس عمليات التصفية الجسدية لمن قُتل أثناء عملية القبض عليه بالرصاص الحي أو من خلال إلقائه من فوق أحد الأبنية خارج حدود سيناء.
  4.  الرقم النهائي الذي توصَّل إليه التقرير الحالي لمن قُتلوا في عمليات تصفية جسدية أثناء الاعتقال منذ يناير 2015 وحتى منتصف يوليو 2017، أي في نحو 30 شهراً بلغ نحو 250، النسبة الأكبر منها كانت عام 2015 بواقع 140 حالة تصفية، ثم انخفضت بشكل كبير عام 2016 ووصلت لنحو 40 حالة فقط، لكنها عاودت للارتفاع بشكلٍ ملحوظٍ في النصف الأول من عام 2017؛ لتبلغ نحو 70 حالة في 6 أشهر.
  5. رغم تنوع المحافظات التي تشهد عمليات تصفية أثناء عملية القبض، إلا أنه يُمكن القول بأن محافظة "أسيوط" كانت الأعلى في عدد حالات التصفية، تلاها "الجيزة" ثم "بني سويف"، و"القاهرة"، و"الفيوم"، و"الإسكندرية"، و"الشرقية"، و"البحيرة"، و"دمياط"، و"الإسماعيلية"، و"سوهاج".

أما من حيث ساحات التصفية فتتنوَّع الساحات ما بين شقق سكنية، وداخل أراضٍ زراعية، وبعض المناطق الصحراوية، وحالات قليلة في الطريق العام.

  1. أسباب التصفية التي تُعلنها الأجهزة الأمنية غالباً ما تكون "تبادلاً لإطلاق نار" أدَّى لقتل المقبوض عليهم، أو انتمائهم لحركات مسلحة كحركة "حسم"، أو كونهم ضالعين في تنظيمات إرهابية مختلفة، وغالباً ما تتشابه بيانات الداخلية بشكلٍ كبيرٍ إلى حَدّ يُمكن القول فيه: إن أعداد القتلى وأسمائهم هي مَن تتغيَّر فقط، بينما تبقى الأحداث واحدة في كل البيانات.
  2. التصفية الجسدية في السنوات الثلاث الماضية غالباً ما يكون بعد حادث إرهابي كبير في سيناء أو في أحد المحافظات، وهو ما يجعل عمليات التصفية أثناء الاعتقال تمُرّ بهدوءٍ سواء عند مؤيدي السلطة أو معارضيها، مهما كان عدد مَن يتم تصفيتهم، مثال ذلك تصفية 9 من قيادات الإخوان في شقة أكتوبر بعد حادث النائب العام، وتصفية 14 من المعارضين بالإسماعيلية بعد حادث مقتل 26 مجنداً وضابطاً في سيناء على يد مسلحين.