السيسي يتعهّد بمحاكمة قتلة «ريجيني».. مَن يدفع الثمن؟ (تحليل)

السيسي يتعهّد بمحاكمة قتلة «ريجيني».. مَن يدفع الثمن؟ (تحليل)

05:59 ص

12-يوليو-2017

هل يُضيّق السيسي الخناق على قتلة "ريجيني" الحقيقيين، أم يدفع ثمن تعهّده أبرياء كما حدث سابقًا؟.

من جديدٍ تطفُو قضية مقتل الباحث الإيطالي "جوليو ريجيني" على سطح الأحداث في مصر، بعد نحو عام و5 أشهر من العثور على جثته وبها آثار تعذيب في منطقة صحراوية بالقرب من القاهرة.

هذه المرة جاء ذِكر القضية على لسان رأس الدولة الرئيس عبد الفتاح السيسي، لدى لقائه بوفد من البرلمان الإيطالي في القاهرة، الثلاثاء.

السيسي - وفق بيان رئاسة الجمهورية - أكَّدَ مُجدّدًا "التزام مصر الكامل بالعمل على كشف ملابسات مقتل ريجيني" و"تقديم قتلته إلى العدالة".

فما الذي يُمكن أن يفعله السيسي لإنجاز هذا التعهُّد؟ وما هي الخيارات المتاحة أمامه؟ وإلى أي مدى يُمكن الوصول لتلك المرحلة، عمليًا، بعد مرور هذه المدة الزمنية على الحادث؟.

دماء خماسي القاهرة الجديدة!

ولعلّ أول ما يَتبادر إلى الذهن فور الحديث عن تعهُّد السيسي بمحاكمة الجناة الحقيقيين، ما حدَث بعد أقل من شهرين على الحادث، حين أعلنت وزارة الداخلية تصفية تشكيل عصابي تخصَّصَ في سرقة الأجانب.

وعلى الرغم من أن بيان الداخلية، لم يُصرِّح بأن خماسي التشكيل الذين قُتلوا داخل سيارة أجرة بـ "التجمُّع الخامس" هم مرتكبي الجريمة، إلا أنه تضمَّن العثور على مُتعلّقات "ريجيني" لدى شقيقة المتهم الأول، وتأكيدها أنها تخصُّ شقيقها.

وإذا كانت الدولة أعلنت ضمنيًا تصفية المتهمين بقتل "ريجيني"، فعن أي قتلة حقيقيين يتحدّث السيسي في تعهُّده؟ ومَن يتحمَّل دماء هؤلاء الشباب إن ثبت يقينًا براءتهم، علاوة على ملابسات التصفية التي أثارت جدلاً واسعاً؟.

الخمسة قال بيان الداخلية: إنهم متورطون في قضايا أخرى ومُسجّلون خطر، الأمر الذي اعتبرته مُسوّغًا لقتلهم بهذه الطريقة، وما نُقل عن شهود عيان أنهم كانوا غير مسلحين ولم يُبادروا بمواجهة قوات الشرطة.

روايات مُتضاربة

وبغضّ النظر عن تفاصيل تصفية الشُّبَّان الخمسة، فإن الروايات المتضاربة التي تناقلتها وسائل الإعلام لحادث مقتل "ريجيني" تُثير الشكوك حول الطريقة التي يُمكن أن تتعامل بها الدولة وأجهزتها المختلفة مع تعهُّد السيسي بمحاكمة القتلة.

بعد أيام قليلة من العثور على جثّته صرَّح اللواء "علاء عزمي" - نائب مدير الإدارة العامة لمباحث الجيزة - في 4 فبراير 2016 بأن وفاة ريجيني نتجتْ عن حادث سير.

بعدها أظهر تشريح الطب الشرعي آثار تعذيب بجسد ريجيني فلجأت مصادر أمنية إلى الترويج بأن الحادث جاء بهدف سرقة المجني عليه، ثم خرج مصدرٌ أمني يتحدّث عن فحص كاميرات المراقبة بمحطة مترو الأنفاق القريبة من منزل الباحث الإيطالي، والتي كشفت تواجده بصحبة أحد أصدقائه يوم اختفائه في 25 يناير 2016.

ومع وصول فريق التحقيق الإيطالي إلى القاهرة نهاية فبراير 2016 أعلنت مصادر أمنية أخرى أن تفريغ الكاميرات لم يَقُدْ إلى أي أثر أو دليل.

وفي 13 مارس ادَّعى شخصٌ أنه شاهد ريجيني يتشاجر مع آخر من جنسيته خلف القنصلية الإيطالية.

كل تلك الروايات وغيرها عن ملابسات الحادث والمُتورّطين في قتل الباحث، فنَّدتها "أليساندرا باليريني" - محامية عائلة ريجيني - بقولها: "لدينا كل أسماء الذين ساهموا في قتل ريجيني.. لدينا كل الأسماء تقريبًا ولكننا لا نعلم سبب مقتله".

المحامية أضافت - بحسب ما نشرته صحيفة "لاريبوبليكا" الإيطالية -: "نعلم ومتأكدون من المكان الذي تم فيه احتجاز وتعذيب جوليو ريجيني في مصر".

ليس هذا فحسب، بل إن النائب العام "نبيل صادق" كشف لنظيره الإيطالي، يناير الماضي، العديد من المعلومات الخطرة بشأن كذب رواية وزارة الداخلية حول الحادث والمتورطين فيه، قادت إلى اتهام ضباط بقطاع الأمن الوطني ومسؤولين بالداخلية.

وفي مارس الماضي أرسلت النيابة العامة في روما إنابة قضائية جديدة إلى النيابة العامة المصرية؛ للحصول على معلومات إضافية بشأن القضية، تضمَّنت مطالبة السلطات المصرية بتقارير استجواب حول عناصر أمن مصرية، يرى المُحقّقون الإيطاليون بأن لهم دورًا فى النهاية التى لحقت بـ "ريجيني" بعد خضوعه للمراقبة في الفترة من 8 ديسمبر 2015 وحتى 22 يناير 2016.

وبحسب صحيفة إيطالية، فإن الإنابة القضائية التي بعثتها روما إلى القاهرة تتكوَّن من 12 فقرة وكل فقرة تتكوَّن من 3 أو 4 نقاط، كما أنها تتعلّق بتقديم تقارير حول 5 من ضباط قطاع الأمن الوطني بوزارة الداخلية.

فإذا بدأت الأزمة بروايات متضاربة ثَبَتَ كذبها جميعًا، لا يوجد ما يمنع أن ينسحب الأمر على النهايات ومن بينها محاكمة القتلة الحقيقيين.

خيارات السيسي "محدودة"

وعلى الرغم من تعهُّد السيسي والالتزام الذي قطعه على نفسه بشكلٍ شخصي، فإن الخيارات أمامه تبدو محدودة للغاية في سبيل الخروج من الأزمة بمظهرٍ لائق، بعدما سبَّبته روايات الداخلية من حرجٍ كبيرٍ لمصر في الأوساط الإيطالية والأوروبية.

الخيار الأول لدى السيسي يبدو في عقد محاكمات ربما لن تتوقف عند هؤلاء الضباط الخمسة، بل قد تَطَالُ آخرين أعلى منهم في المناصب، تلك التضحية قد تكون محاولات مصرية للإفلات من العقوبات الدولية، التي قد تنتج عن لجوء إيطاليا للمحاكم الدولية، خاصة في ظل الوضع السياسي الجديد هناك بصعود اليمين المتطرف ونجاحات حركة "الخمس نجوم".

وجهة النظر تلك يُعزّزها بالأساس التسريبات التي أفادت بأن النائب العام قدَّم للجانب الإيطالي معلومات تفصيلية بشأن أشخاص يُحتمل تورطهم في الحادث، الأمر الذي أثار منذ البداية علامات استفهام حول دوافع تلك الخطوة التي تُنبئ بأن السلطة اتخذت قرارها بالفعل.

أما الخيار الثاني، فقد يُفسّر إلى حَدٍّ كبيرٍ تعهّد السيسي بسعيه إلى كسب مزيد من الوقت، وإطالة أمد القضية؛ بحجّةٍ جاهزةٍ وهي إتمام إجراءات المحاكمات العادلة للمتورّطين الحقيقيين.

هل يدفع أبرياء الثمن؟

لكن ثَمَّة خيار ثالث، لا يُستبعد أن يُقدِم عليه السيسي للوفاء بتعهُّده، وهو لجوؤه إلى إلقاء التهمة على مجموعة من الشباب الأبرياء أو حتى المختفين قسريًا.

يُعزِّز من ذلك حادث تصفية 5 أبرياء اتُّهموا بقتل ريجيني، فضلًا عن حوادث أخرى داخلية ثَبَتَ خلالها تصفية مختفين قسريًا لدى أجهزة الأمن، أو محاكمتهم بعد الحصول على اعترافاتهم تحت تأثير التعذيب، خاصة في قضايا الرأي العام ذات الحساسية.

إلا أن هذا السيناريو يصطدم بسَدٍّ مَنيعٍ، يتمثَّل في عدم رضا إيطاليا والمجتمع الدولي بتلك الخطوة، مُستندين إلى حقائق دامغة تُثير الشكوك حول تلك الخطوة المحتملة.

فمحامية أسرة ريجيني أكَّدتْ أنها تملك أسماء القتلة الحقيقيين، والنائب العام قدَّم تقريرًا يَحوِي معلومات مُفصّلة عنهم، والنيابة الإيطالية طلَبتْ تقارير إضافية بشأنهم، الأمر الذي يُضيّق الخناق على القتلة الحقيقيين ويدفع باتجاه السيناريو الأول.