أمريكا تتجاهل مصر.. والأزمة الخليجية تفضح تهميش القاهرة.. للقصة جذور (تحليل)

أمريكا تتجاهل مصر.. والأزمة الخليجية تفضح تهميش القاهرة.. للقصة جذور (تحليل)

07:58 ص

12-يوليو-2017

لم تعُد قضية تهميش مصر وفقدان دورها الرّيادي محل جدلٍ عبر العديد من القضايا الإقليمية، إلا أن التقزيم تجلَّى بشدّة في الأزمة الخليجية.

يبدو أن الأزمة الخليجية الحالية والتي تُعتبَر مصر طرفًا أصيلًا فيها، ستُواصِل تسليط الضوء على مزيدٍ من التهميش الذي تناله القاهرة عبر مراحل الأزمة المختلفة.

ولعلّ أحدث إرهاصات هذا التهميش، تجاهل أمريكا لمصر في الجولة التي بدأها وزير الخارجية "ريكس تيلرسون" لأطراف الأزمة، الإثنين، وتشمل تلك الجولة الكويت والسعودية وقطر.

فما الذي جَنَتْهُ مصر من الوقوف في خندق دول الحصار سوى مزيدٍ من التبعية والتقزيم لدرورها المحوري في الأزمات الإقليمية بالمنطقة؟ وهل يُعدُّ هذا امتدادًا لسوابق أخرى في هذا الشأن خلال السنوات القليلة الماضية؟.

مصر خالية الوفاض

وبدلاً من أن تحتجّ مصر على عدم شمولها بزيارة الوزير الأمريكي يَطير نظيره المصري "سامح شكري" إلى جدة الأربعاء؛ للمشاركة في لقاءٍ يَجمع وزراء خارجية دول الحصار الأربع بـ "تيلرسون".

الحديث عن تهميش دور مصر في الأزمة يمتد إلى ما أُثير بشأن خروجها خالية الوفاض من المكاسب، في حال انتهت الأزمة وعادت المياه لمجاريها بين دول الخليج المحاصرة لقطر. 

لا مكاسب حقيقية سوف تَجنيها القاهرة، خاصة فيما يتعلّق بمطلبها تسليم قادة الجماعة المتهمين في قضايا عنف، والذين صدرت ضدهم أحكامًا قضائية مُغلَّظة، هكذا توقَّع كثيرون في أعقاب الحديث عن قُرب التوصل لاتفاقٍ يُنهي الأزمة.

ولعل خروج مصر من الأزمة ورجعوها بخُفَيّ حُنَين، قد يأتي امتدادًا لدورها منذ بدايتها، وهو الدور الموصوف بالتبعية؛ لعدة أسباب.

فربما لم يكن التوتر على أشدّه بين قطر وأي دولة أخرى خليجية أو غير ذلك، مثلما كان بينها وبين مصر منذ الإطاحة بالرئيس الأسبق "محمد مرسي" قبل نحو 4 سنوات، ولكن هذا التوتر الحَادّ لم يدفع نحو قطع العلاقات الدبلوماسية في أي من مراحله.

القاهرة التابعة

الشاهد هنا أن توقيت اتخاذ القاهرة قرار قطع العلاقات مع الدوحة، متزامنًا مع إجراءات عقابية تصل حد الحصار السياسي والاقتصادي، بشكلٍ مُنسّقٍ مع دول خليجية يُثير تساؤلات عن أسبابه وترتيب أولويات مصر في هذه المرحلة؛ ليصل إلى نتيجة مفادها التبعية المصرية لصانع القرار الخليجي.

تفاصيل القرار المصري الموصوف بـ "التابع" ربما لم يكن ليتخذ ما لم تتخذه دول خليجية، ولعل ما يُعزّز هذا التوجه وجود وزير الخارجية السعودي "عادل الجبير" في القاهرة، قبل ساعات من إعلان القرارات.

وكان لافتًا للغاية خلُوّ البيان القطري الرسمي الأول للرَّدِّ على قطع العلاقات من مصر، في إشارة إلى تجاهلها لموقف نظام تُناصبه العداء منذ يومه الأول، أو تعمُّد هذا التجاهل تقزيمًا لدور مصر وإلقاء تهمة التبعية عليه.

اللافت أن القرار المصري اختلف مع القرارات الخليجية فيما يخصُّ عودة المواطنين ومنع سفرهم وطرد القطريين، حيث لم يشمل هذا الجانب.

مصر التي لديها نحو 300 ألف مواطن مقيم في قطر، تخشى بكل تأكيد أن يتضمَّن قرارها عودتهم، الأمر الذي يُشكّل عبئًا إضافيًا على دولة تعجز كثيرًا عن توفير الحاجات الأساسية لمن يعيشون فيها.

ليبيا وحماس

ولعل الأزمة الخليجية تفتح الباب على مصراعيه أمام الحديث عن تقزيم دور مصر في العديد من القضايا والملفات الإقليمية الحسّاسة، حيث تراجعت من خانة اللاعب الرئيس أو حتى المُؤثّر في الملفات الإقليمية المُحيطة بها، إلى مجرد تشخيص دور المُنفّذ الذي يتلقّى الأوامر فقط.

وعلى الرغم من الدور المصري المشبوه في ليبيا لصالح قوات "خليفة حفتر"، إلا أنه تراجع للغاية أمام النفوذ الإماراتي المتعاظم، والذي ساند "حفتر" حتى تمكَّن من الاستيلاء على مدينة "بنغازي" من قبضة المجموعات الإسلامية المسلحة.

وفي أبريل الماضي، جمع لقاء رئيس حكومة الوفاق الليبية "فايز السراج"، وقائد القوات المنبثقة عن برلمان "طبرق" "خليفة حفتر" في العاصمة الإماراتية أبو ظبي.

التساؤل الذي تَبادَر إلى الذهن حينها هو: لماذا لم ينعقد هذا اللقاء في القاهرة، التي تدخل بثقلها في تفاصيل الأزمة الليبية منذ سنوات، فضلًا عن الاعتبارات الجغرافية والتاريخية التي تربطها بليبيا؟.

لكن الأمور تتضح عند الرجوع إلى شهر فبراير الماضي فقط، عندما فشلت القاهرة في الجمع بين الغريمين، ليس رغمًا عنها لكن بإرادتها، عندما دعّمت - وفق مصادر – "حفتر" ضد "السراج".

وفي مارس الماضي، كشف مستشار وزارة الدفاع في حكومة الوفاق الوطني الليبية اللواء "سليمان العبيدي"، أن "حفتر" سيطر على منطقة الهلال النفطي في سبتمبر 2016، بعدما جنّد مرتزقة أفارقة وعرباً، وتحديدًا من مصر والسودان.

وبينما كانت السنوات السابقة التي شهدت توترًا بالغًا بين مصر وحركة "حماس" الفلسطينية، إلا أن الأمور تحوَّلتْ إلى الدّفّة الأخرى.

وبدلًا من أن تلعب القاهرة دور الوسيط النزيه بين الغريمين الفلسطينيين "فتح" و"حماس"، دأبتْ على الانحياز إلى طرف دون الآخر، وفق مقتضيات المرحلة.

حيث كانت السنوات التالية للإطاحة بـ "مرسي" شاهدةً على توتُّر غير مسبوقٍ في علاقة نظام السيسي بحركة "حماس"، وانحيازه بشدّة لرئيس السلطة الوطنية "محمود عباس".

لكنها مؤخرًا رَعَتْ تفاهمات قادتْ إلى الاتفاق على عودة "محمد دحلان" - القيادي الفتحاوي المفصول وعدو "عباس" اللدود - إلى قطاع غزة، وتخفيف حدة التوتر مع "حماس" بترتيبات أمنية تضمن سيطرتها على الحدود مع مصر.

وهكذا تتنقل مصر السيسي في مواقفها بين الطرفين مرة مع "حماس" ومرة ضدها، فبعد أسبوع من إرسال الوقود لتشغيل محطة الكهرباء في قطاع غزة الذي تحكمه "حماس"، يلتقي "عباس" غريم الحركة الذي يسعى دؤوبًا لإحراجها في غزة وتكثيف الأزمات حولها.

النيل واليمن وسوريا

جنوبًا، حيث أفريقيا ونهر النيل، تكتب مصر فصلًا جديدًا من فصول تخلّيها عن أدوار تاريخية دأبَتْ أن تلعبها في القارة السمراء خلال عقود التحرُّر من الاستعمار وما تلاها.

ليس هذا فحسب، بل إن السحر انقلب على الساحر، وبدلًا من أن تلعب القاهرة أدوارها التاريخية المؤثرة في أفريقيا، أصبحت دول القارة القريبة منها تتحد مع دول أخرى ضدها؛ لتقطع أقدام القاهرة.

زاد الطّين بلّة، الأزمة الأخيرة بين مصر والسودان، التي توّجتْ حالة نادرة من التوتر شَابَ العلاقات بين البلدين الشقيقين، اندلعت بسبب الخلاف القائم على منطقة "حلايب" و"شلاتين" الحدودية.

وبخلاف الأزمة الكبرى التي تُواجه مصر أفريقيًا وهي سد النهضة الإثيوبي، باتت القاهرة في مرمى 3 أزمات أفريقية تحاصرها:

أولها: التحالف السوداني الإثيوبي، المُعلَن أبريل الماضي، وما يُشكّله من مصدر قوة لكلا البلدين ضد القاهرة في إدارتها للأزمتين المنفصلتين معهما، حيث ستضطر مصر إلى مواجهة هذا التكتّل في كل جولة من جولات المعركتين.

ثانيها: ميل أوغندا إلى إثيوبيا في أزمة سد النهضة، على الرغم من زيارة السيسي لها ديسمبر الماضي، وما كشفته تقارير إعلامية عن توسُّط رئيسها "يوري موسيفيني" بين مصر وجنوب السودان من أجل خطة القاهرة لضرب سد النهضة.

أما ثالثها: اتفاقية "عنتيبي" التي تتجه مصر إلى إنهاء تجميد عضويتها فيها، على الرغم من الأخطار التي تقودها إلى القاهرة، واعتراضها عليها مرارًا؛ بسبب ما تتضمّنه من تفريط في حقوق مصر التاريخية بمياه نهر النيل.

وكمَنْ ليست دولة كبيرة، أو ليست دولة من الأساس تحوَّلت مصر في الأزمة اليمنية إلى ما يُشبه "مُورّدي الأنفار" أو ميليشيات المرتزقة التي تتخذ من الحرب والقتال مصدرًا لكسب المال.

القضية فجَّرها تصريح اللواء "أحمد عسيري" - المتحدث باسم التحالف العربي في اليمن الذي تقوده السعودية - أبريل الماضي، حين قال: إن مصر عرضت المشاركة في عمليات "عاصفة الحزم" العسكرية ضد الحوثيين بقواتٍ برّية قوامها يصل إلى 40 ألف جندي لحسم المعارك هناك.

وعلى الرغم من النفي المصري، والتوضيح السعودي، إلا أن الأمر له خلفيات أخرى، تحدَّثت عن تواجد للقوات البرية المصرية في اليمن، وأبرزها ما نقلته "رويترز" عن مصار أمنية مصرية في سبتمبر 2015.

وربما تسبق الأزمات التي تكشف طبيعة الدور المصري في اليمن، تلك الأحاديث المتناثرة عن تواجد قوات برية هناك، ولعل أبرزها ما يكشف ما يُمكن أن يُسمَّى "عدم نزاهة" من مصر التي أعلنت انضمامها للتحالف وفي ذات الوقت تدعم مَن يُحاربه.

ففي أكتوبر الماضي، كشفت تقارير إعلامية، عن قيام مصر بتزويد المتمردين الحوثيين بنحو 12 زورقًا بحريًا، فضلًا عن علاقات قوية واتصالات مستمرة بين قيادات المتمردين والمخابرات المصرية.

الثورة السورية، كبرى أزمات المنطقة والعالم، كان يُفترض لمصر أن تلعب فيها دورًا بارزًا، إلا أن تطورات الأحداث تكشف أنها ليست حتى "ضيف شرف"، بل إن وجودها كعدمه.

ولعل خير شاهد على هذا البُعد، تلك المكالمة المُسرّبة بين السيسي ووزير الخارجية "سامح شكري"، والتي أذاعتها فضائية "مكملين" أواخر يناير الماضي.

في المكالمة يُخبر "شكري" السيسي بأن وزير الخارجية الأمريكي "جون كيري" عرَض عليه مشاركة مصر في مؤتمر "لوزان" الخاص بالقضية السورية، والذي عُقد في 16 أكتوبر الماضي.

"شكري" أكَّد أن "كيري" عرَض عليه المشاركة بعد إصرار إيران على حضور مصر للمؤتمر، وأن واشنطن وموسكو لم تكونا مهتمتين بالمشاركة المصرية، إلا أن الإصرار الإيراني دفع "كيري" لدعوة مصر.