لماذا تصم السعودية آذانها عن دور الإمارات «المشبوه» في اليمن؟ (تحليل)

لماذا تصم السعودية آذانها عن دور الإمارات «المشبوه» في اليمن؟ (تحليل)

05:00 ص

13-يوليو-2017

بينما تصُمُّ السعودية آذانها عن دور الإمارات المشبوه في اليمن، تُضخّم اتهامات مرسلة ضد قطر، لماذا؟.

هل تتصاعد الأزمة الخليجية من باب اليمن؟ تساؤلٌ فرضه تصريحٌ هو الأول من نوعه لمسؤول سعودي بارز، عما قال إنه دور "تآمري" تُمارسه قطر ضد قوات التحالف في اليمن.

الاتهام الصريح والتهديد يُوحيان بمزيد من التعقيد للأزمة الأعنف التي تضرب منطقة الخليج العربي، رغم إلقاء أمريكا بثقلها لمحاولة نزع فتيل التوتر، بلقاء وزير خارجيتها "ريكس تيلرسون" بنظرائه في دول الحصار الأربع (السعودية، الإمارات، البحرين، ومصر).

الأزمة من باب اليمن

المستشار في الديوان الملكي السعودي والمشرف العام على مركز الدراسات والشؤون الإعلامية "سعود القحطاني"، كشف ما قال: إنه "الدور القطري في زعزعة منظومة دول مجلس التعاون، ومحاولة العبث بالأمن الوطني السعودي، والتآمر مع الحوثيين في اليمن ضد قوات التحالف الذي كانت الدوحة عضوًا فيه قبل طردها أخيرًا".

ففي مجموعة تغريدات نشرها "القحطاني" عبر حسابه الرسمي على "تويتر"، تعهُّد أمير قطر الشيخ "تميم بن حمد آل خليفة" بعدم تقديم الدعم لأي فئة كانت في اليمن ممن تُشكّل خطرًا على الدول المجاورة لليمن، بحسب وثيقة نشرتها شبكة CNN لاتفاق الرياض الذي وقّع عليه الأمير عام 2014، ولكنه لم يلتزم به، بحسب الصحيفة.

"القحطاني"، أشار إلى تورُّط قطر في التآمر على قوات التحالف في اليمن، قائلًا: "هل تظن سُلطة قطر أن إعطاءها لإحداثيات قوات التحالف باليمن وتآمرها مع الحوثيين ضد قواتنا سيمُرّ مرور الكرام؟".

لم يكتفِ المسؤول السعودي بذلك، بل تساءل أيضًا: "هل تظن قطر أنها ستتلاعب بأمننا الوطني ونكتفي بالتفرُّج وتنتهي المسألة بحبة خشم؟ هل تظن السلطة القطرية حقًا أن تمويلهم لإرهاب العوامية (بلدة شيعية شرق السعودية) وقلب نظام الحكم في البحرين سيمر دون عقاب؟".

يبدو أن هذه الاتهامات سوف يكون لها ما بعدها؛ لأنها حتى لم تكن مُضمّنة في بيانات وتصريحات مسؤولي دول الحصار المتتالية منذ قطع العلاقات مع قطر في 5 يونيو الماضي.

إلا أن التصريح بتلك المعلومات الخطيرة في هذا التوقيت، وبدون أدلة تُذكر، يُثير تساؤلًا في غاية الأهمية، وهو لماذا تصمّ السعودية آذانها عن دور إماراتي يُوصَف بالمشبوه في اليمن، بينما تُضخّم اتهامات مُرسلَة لقطر؟.

فضيحة السجون السرية

وتبدو أحدث تجلّيات ما يُقال إنه دور مشبوه تلعبه الإمارات في اليمن، هو ما كشفته تقارير إعلامية وحقوقية، من وجود شبكة سجون سرية في اليمن تُديرها دولة الإمارات، ويخضع فيها المعتقلون لصنوف مختلفة من التعذيب.

التقارير أوضحت أن هذه السجون تُوجد داخل قواعد عسكرية ومطارات وموانئ يمنية عدة، بل حتى في مبانٍ سكنية، وأشارت وكالة "أسوشيتدبرس" إلى أنها وثَّقتْ ما لا يقل عن 18 سجنًا سريًا في جنوب اليمن تحت إدارة الإماراتيين أو القوات اليمنية التي شكّلتها ودرّبتها الإمارات، وفق تقارير جمعتها من معتقلين سابقين وعائلات السجناء ومحامين وحقوقيين ومسؤولين عسكريين يمنيين.

منظمة "هيومن رايتس ووتش" الحقوقية قالت: إن "الانتهاكات تُظهر أن الولايات المتحدة لم تتعلّم الدرس بأن التعاون مع القوات التي تُعذّب المحتجزين وتفرق الأسر ليس وسيلة فعّالة لمحاربة الجماعات المتطرفة".

من جانبها، دعت منظمة العفو الدولية إلى إجراء تحقيق بقيادة الأمم المتحدة لدور الإمارات والأطراف الأخرى في إنشاء شبكة التعذيب "المروّعة" وفي مزاعم استجواب الولايات المتحدة للمحتجزين أو تلقّيها معلومات ربما تم الحصول عليها من خلال التعذيب.

شواهد الدور المشبوه

ولعل الدعم الإماراتي لانفصال جنوب اليمن مؤخرًا، أثار الشكوك المتزايدة في الآونة الأخيرة حول دور دولة الإمارات في التحالف العربي الذي تقوده السعوية للحرب في اليمن ضد الحوثيين وقوات الرئيس المخلوع "علي عبد الله صالح" المدعومين من إيران.

وعلى الرغم من أن هذا الدعم ليس رسميًا بشكل كامل، إلا أن شواهد عدة تُؤكّده؛ لينسحب الأمر على اتهامات تُواجهها الإمارات بلعب دور مشبوه في اليمن لصالح الحوثيين وإيران، في مواجهة حزب الإصلاح اليمني (الإخوان المسلمين) حليف الرئيس "عبد ربه منصور هادي".

الأحداث المتسارعة بدأت في 27 أبريل الماضي، عندما أقال الرئيسُ اليمني محافظَ "عدن" "عيدروس الزبيدي" من منصبه، والقيادي السلفي "هاني بن بريك" من منصب وزير دولة بالحكومة.

"الزبيدي" و"ابن بريك"، لا ينفيان الدعم الإماراتي المقدم لهما، وهو ما دفع الأول إلى رفض قرار "هادي"، وتصعيد الموقف إلى أن أعلن في 2 مايو الجاري، انفصال محافظة "عدن" عن اليمن وقيام دولة الجنوب، وتنصيبه رئيسًا للدولة.

الموقف الإماراتي الرسمي لم يُعلن بطبيعة الحال دعمه الصريح للانفصال، لكن تغريدة لوزير الدولة للشؤون الخارجية هناك "أنور قرقاش" كشفت الكثير، حين علّق على "إعلان عدن" بقوله: "لكل فعل رّد فعل، وإذا كان الفعل متهوراً فمن الطبيعي أن ردة الفعل تُحرّر المشاعر المكبوتة وتعرّي ما كان مُسلّمًا وتنقل المشهد إلى مستوى آخر".

التعليق لا يُفهم منه سوى التأييد الكامل للانفصال؛ بدعوى أنه رد فعل طبيعي لقرارات هادي الأخيرة، وهو ما اتكأ عليه الأكاديمي "عبد الخالق عبد الله" - مستشار ولي عهد أبو ظبي - بقوله عقب إعلان عدن: "من حق الشريك الاماراتي المهم أن لا يكون آخر من يعلم بقرارات رئيس اليمن الشرعي المتسرعة، ومن حقها الرد بما يناسب انزعاجها من قراراته المتخبطة".

اللافت أن تلك التطورات جاءت بعد أقل من شهرين على قصف الإمارات قوات الحماية الرئاسية التابعة للرئيس اليمني، وكذلك منع طائرته من الهبوط في مطار "عدن" الدولي، ورفض تنفيذ قرارات رئاسية له في تغيير مدير مطار "عدن" الدولي ومناصب حكومية في المحافظة الجنوبية.

الاشتباكات اندلعت يين القيادي في المقاومة الجنوبية "صالح العميري" المعروف بـ "أبي قحطان"، والحرس الرئاسي لـ "هادي"؛ احتجاجًا على قرار إبعاده من مهمة الحماية الأمنية لمطار "عدن"، إذ قام ضباط إماراتيون بمساندته، وشَنّ غارة من طائرة "أباتشي" على مركبة عسكرية، في نقطة العريش بالقرب من المطار، تابعة للحرس الرئاسي لـ "هادي".

مصادر يمنية كشفت أنه مقابل الإسناد الجوي الإماراتي تحرّكت "ميليشيا الحزام الأمني" على الأرض باتجاه (خور مكسر) حيث مقر المطار؛ لفك الطوق الذي فرضته قوات الحرس الرئاسي على العناصر التابعة للمقدم "العميري" بداخل مقر المطار، ثم اعترضت ميليشيا الحزام الأمني قوات من الجيش الوطني التابع للمنطقة العسكرية الرابعة أثناء توجهها نحو المطار، واشتبك الطرفان.

وقبلها بأشهر كانت حادثة قصف اللواء 23 في منطقة العبر بمحافظة "حضرموت" جنوبي اليمن، في يوليو الماضي من الحوادث التي عزَّزَت الشكوك في حقيقة الدور الإماراتي هناك، حيث تعرَّض هذا اللواء، الذي كان يضم قوات موالية للرئيس "هادي"، إلى قصف من طائرات إماراتية قيل إنه "عن طريق الخطأ"؛ ما أدى إلى مقتل 53 جنديًا وجرح العشرات.

حرب الموانئ ومطامع الاقتصاد

كما تُلاحق الإمارات اتهامات بالسعي للسيطرة على موانئ "عدن"، على اعتبار أن مضيق "باب المندب" هو امتداد طبيعي لأمنها القومي.

وفي سبتمبر الماضي، اتجهت حكومة "هادي" نحو استئناف إنتاج النفط في عدد من المحافظات الجنوبية، لكن المفاجأة كانت أن الإمارات - عبر قواتها المتمركزة في ميناء "الضبة" النفطي - رفضت السماح بنقل كمية النفط المخزنة في منشآت الميناء إلى الأسواق العالمية.

بالعودة للوراء قليلًا وتحديدًا في 2012، عقب تولّي "هادي" الرئاسة، خسرت الإمارات تجديد عقد تشغيل موانئ "عدن" الدولية، المُوقّع في 2008، بعد أن اكتشفت السلطات اليمنية أنها تعمل على تدميرها لصالح موانئ "دبي" العالمية.

ولهذا السبب دفعت بقوتها الضاربة وقادت المعارك برمائيًا، والتي انتهت بالسيطرة على المحافظة التي اعتبرت عاصمة للبلاد، في ظل سيطرة الحوثيين على "صنعاء".

أطماع الإمارات الاقتصادية لم تتوقّف، فبعد النجاح الذي حقّقته عسكريًا في "عدن" والشريط الساحلي، سعت إلى توقيع عقد لمدة 99 عامًا من خلاله يتم تحويل جزيرة "سقطرى" اليمنية إلى قاعدة عسكرية إماراتية وإدارة الموانئ البحرية اليمنية لنفس المدة، وهو ما رفضته السعودية وحثَّتْ "هادي" على عدم قبوله.

ويُعد إنشاء الإمارات لقوات الحزام الأمني، وربطها مباشرةً بالجيش الإماراتي المحطة الأخطر في نفوذ الإمارات باليمن، حيث لعب دورًا رئيسيًّا في دعم المواجهات في مطار "عدن".

هذا الجيش الجنوبي استخدمته الإمارات لمحاربة التجمع اليمني للإصلاح (إخوان اليمن)؛ على اعتبار أنهم من أدوات الرئيس اليمني المخلوع، كما عمدت إلى ترحيل أبناء الشمال من "عدن" إلى مناطقهم على اعتبار أنهم من تنظيم "القاعدة" أو أدوات لها.

وهكذا تمكَّنت الإمارات من ترسيخ قوتها وسيطرتها على مطار "عدن"، واستمالت الجماعات الجهادية من السلفيين لعداء "الإخوان المسلمين" القريبين من "هادي".

إيواء ودعم

ولا يُمكن فهم طبيعة الدور الإماراتي في اليمن دون النظر إلى إيوائها "أحمد" نجل المخلوع "صالح" وقائد قوات الحرس الجمهوي سابقًا، والذي يلعب دورًا كبيرًا في إدارة الصراع السياسي والعسكري في اليمن بالتعاون مع الحوثيين.

الباحث الأمريكي والصحفي الاستقصائي، "نفيز أحمد"، كشف عبر تقرير نشره موقع "ميدل إيست آي"، أن دولة الإمارات دعّمت ميليشيات الحوثيين في اليمن بمبلغ مليار دولار، عن طريق نجل الرئيس المخلوع.

بهذا الدعم لعبت الإمارات دورًا رئيسيًا في تقدُّم الحوثيين باليمن واحتلالهم "صنعاء" في سبتمبر 2014، الأمر الذي دفع السعودية إلى بدء عملية عاصفة الحزم لإعادة الشرعية.

"المحمدان" كلمة السر!

وإذا كانت تلك المعلومات والأدلة متاحة ومعلومة للجميع، فلماذا تُصرّ السعودية على عدم الالتفات إليها؟.

الوضع يبدو مُريبًا بعض الشيء، لكن تلك الرّيبة تزول عندما يُذكر "المحمدان"، ولي العهد السعودي "محمد بن سلمان" وولي عهد أبو ظبي "محمد بن زايد".

"ابن سلمان" لعب الدور الأبرز في تنازل المملكة عن دور الشقيق الأكبر لدول الخليج طواعية لصالح "ابن زايد"، الذي شَبَّ عن طوق أبيه وأخيه وأراد أن يُقحم بلاده في أدوار لم تعهدها، من معاداة تيار الإسلام السياسي إلى استخدام المال في وأد ثورات الربيع العربي ودعم الثورات المضادة، وصولًا إلى فضائح أخرى كشفها تسريب البريد الإلكتروني لسفير الإمارات في واشنطن "يوسف العتيبة".

"ابن سلمان" خالف المثل الشعبي "أنا وابن عمي على الغريب"، فتعاون مع هذا الغريب وهو "ابن زايد" لإقصاء ابن عمه "ابن نايف"، على خلفية ما قالت تقارير إعلامية عن خلافات متجذرة بين الأخيرين.

"معهد واشنطن لدراسات الشرق الأدنى"، نشر تقريرًا للكاتب "سيمون هندرسون"، قبل تعيين "ابن سلمان"، تحدَّث فيه عن نفور بين "ابن نايف" وولي عهد أبو ظبي الذي يُعرف أن لديه تأثيرًا كبيراً على "محمد بن سلمان"، وقد أتَتْ أزمة قطر لتزيدهما قربًا.

وفي التقرير، الذي حمل عنوان "تعرف على الأميرين اللذين يعيدان تشكيل الشرق الأوسط"، تحدّث "هندرسون" عن "الثنائي الديناميكي" الذي يضم "ابن سلمان" الثلاثيني، و"ابن زايد" الخمسيني.

الباحث المتخصص بشؤون الخليج، قال: "هما لا يتشاركان الرغبة في شن معارك مزدوجة على إيران والتطرف الإسلامي فحسب، بل أيضًا في التقدير العميق لاعتماد دولتيهما المحافظتين في الخليج على الولايات المتحدة، وقام كلاهما بذكاء بتقريب الرئيس الأمريكي المتلهف لأن يظهر بأن لديه استراتيجية جديدة لهزيمة الإرهاب ومواجهة طهران".

كما يصف العلاقة بينهما والتي تعاظمت في الأزمة الأخيرة، بـ "الأستاذية"، فـ "ابن زايد" ينظر لـ "ابن سلمان" باعتباره تلميذًا معجبًا به وبتدرجه في السلطة، ويرى فيه النموذج الممكن، والقابل للتحقيق، فـ "محمد بن زايد" هو الآخر جاء من بعيد؛ فـ "ابن زايد" يقوم بإدارة أبو ظبي التي تحتوي على معظم احتياطات النفط في الإمارات، منذ تعيينه نائبًا لولي العهد عام 2003 ثم إلى ولاية العهد عام 2004، بعد وفاة الوالد المؤسس للدولة؛ ليكون الحاكم الفعلي للبلاد مع اشتداد المرض على أخيه "خليفة"، وهو الوضع المشابه كثيرًا للملك "سلمان" ونجله.

هذه العلاقة الخاصة انسحبت على تبعية معكوسة، انقلبت فيها الموازين وتجلَّتْ في مقاطعة قطر، وبيَّنت كيف أن التلميذ سار على خُطى أستاذه مُغمض العينين.