ملء خزان سد النهضة لم يبدأ بعد.. هل تكذب مصر أم تتجمّل؟ (تحليل)

ملء خزان سد النهضة لم يبدأ بعد.. هل تكذب مصر أم تتجمّل؟ (تحليل)

10:00 ص

13-يوليو-2017

هل بدأت إثيوبيا بالفعل ملء خزان سد النهضة؟ وما الدافع وراء نفي مصر تلك الأنباء؟.

وكأنها طمأنة بطعم الخوف والقلق.. لم لا وهي تتعلّق بقضية تمسّ حياة المواطنين ومستقبل الأجيال القادمة، في مياه النيل "هبة المصريين"؟.

وزارة الموارد المائية والري نفتْ شروع إثيوبيا في تخزين مياه فيضان النيل الأزرق (أحد الرافدين الأساسيين لنهر النيل) أمام سد النهضة، الأمر الذي يُنذر بقُرب التشغيل الفعلي له مما يُهدّد حصة مصر التاريخية من مياه النهر.

وتعترض مصر على تلكؤ إثيوبيا في الانتهاء من الدراسات الفنية الخاصة بالسّد، رغم وجودها ضمن اشتراطات وثيقة إعلان مبادئ سد النهضة في الخرطوم، المُوقّعة مارس 2015، وتضمَّنت الموافقة على استكمال إجراءات بناء السد، مع إجراء دراسات فنية لحماية الحصص المائية من نهر النيل للدول الثلاث، إثيوبيا بلد السد، ودولتي المصَبّ السودان ومصر.

إلا أن هذا النفي المصري يَتعارض مع تأكيدات خبراء سدود يُؤكّدون أن إثيوبيا بدأت فعليًا تخزين مياه النيل أمام سد النهضة، فهل تكذب الحكومة أم تتجمّل؟.

نفي لا يخفي الأزمة

وزارة الري قالت في بيان لها، الأربعاء: إن الصور الملتقطة عبر الأقمار الصناعية، التي تُظهر تكوُّن بحيرة أمام جسم السد الإثيوبي طبيعية؛ نظرًا لزيادة حجم المياه الواردة من المنبع خلال تلك الفترة مقارنةً بكميات المنصرف عبر أنفاق السد بوضعها الحالي وكذلك مفيض الطوارئ (في المنطقة الوسطى بجسم السد).

البيان أضاف أن حجم البحيرة سيزيد عما ظهر في الصور الملتقطة خلال نفس الفترة من العام الماضي؛ نتيجة لزيادة حجم الإنشاءات، إلا أنها ستبدأ في الانحسار التدريجي بعد انتهاء شهور فيضان النيل الأزرق أواخر سبتمبر المقبل، بحسب البيان.

اللافت أن تلك التصريحات المُطمئنة تأتي بعد أيام قليلة من تصريحات أخرى صادمة، على لسان وزير الري "محمد عبد العاطي".

الوزير أكَّد أن مصر لديها عجز مائي بنسبة 100%، مُشدّدًا على ضرورة التوسُّع في تحلية مياه البحر؛ لسد احتياجاتها.

"عبد العاطي" أشار إلى أن مصر تحتاج 114 مليار متر مكعب من المياه لتحقيق الاكتفاء الذاتي، وهي ضعف الكمية التي تحصل عليها من نهر النيل.

للخبراء رأي آخر!

إلا أن خبراء السدود كان لهم رأي آخر، ومن بينهم الدكتور "محمد حافظ" - أستاذ هندسة السدود بماليزيا - الذي كشف أن إثيوبيا بدأت التخزين الفعلي لمياه نهر النيل أمام سد النهضة منذ منتصف شهر يونيو الماضي، وليس بداية يوليو كما زعمت وسائل الإعلام الإثيوبية.

خبير السدود أوضح في تصريحات" width="100%" height="315"> متلفزة، أن إثيوبيا تسمح بمرور بعض المياه من البرابخ الأربعة الموجودة على الكتف الأيسر للسد، الذي يتكوّن من كتف أيمن وكتف أيسر ومقطع أوسط، وهو ما يُشير إلى أن إثيوبيا تُجري تخزينًا تجريبيًا وليس دائماً؛ بهدف اختبار بناء السد، بحسب الخبير.

 وقبل أسابيع تحدَّث "حافظ" عن "خطر داهم مع نهاية شهر يوليو الجاري يتمثَّل في تسجيل المؤشرات المائية الحالية لأرقام يعني استمرارها عطش المصريين".

التحذير اعتمد على قراءة القمر الصناعي Janson3 التابع لوزارة الزراعة الأمريكية، والذي يُتابع مناسيب البحيرات حول العالم، ويلتقط صورة لبحيرة "ناصر" كل 10 أيام.

القراءات الحديثة للقمر، بحسب "حافظ"، أوضحت أن منسوب البحيرة انخفض عن المنسوب الأعلى للتخزين الميت بــ 52 سم، يوم 2 مايو 2017، ثم توالى الهبوط حتى 86 سم يوم 12 مايو.

إجمالي المخزون الميت للبحيرة يُعادل 31 مليار متر مكعب، منها مليارا متر مكعب ترسيبات طينية، و29 مليار متر مكعب من المياه، وبخصم ما تم صرفه لري المحاصيل الصيفية هذا العام، بحسب تصريحات مسئولي وزارة الري، من صافي المخزون المائي (حوالي 17.5 مليار متر مكعب)، فإن المتبقي من المخزون الميت للبحيرة لن يزيد على 10 مليارات متر مكعب فقط، بما لا يكفي لأي من بنود احتياجات المصريين الأخرى من المياه، بما في ذلك مياه الشرب.

كما أن هذه الكمية غير كافية لجريان المياه في المقاطع المفتوحة لنهر النيل والترع حتى تصل لمحطات التحلية بالإسكندرية والقاهرة ومدن الوجه البحري، ما لم تأتِ تدفّقات مائية ضخمة من إثيوبيا تُعيد بناء المخزون الميت لبحيرة "ناصر" مرة أخرى.

التحذير وصل إلى حد توقع معاناة مصر من "شدة" كتلك التي سجّلتها كتب التاريخ في نهاية القرن الـ 11 الميلادي، وما أطلق عليه "الشدّة المُستنصرية".

تكذب أم تتجمّل؟

ورغم عدم التأكد من صحة استنتاجات خبير السدود، إلا أنها تُثير تساؤلات حول الغرض الحقيقي من بيان وزارة الري، في حين أعرب وزير الخارجية "سامح شكري" خلال لقاء نظيره الإثيوبي "ووركنا جيبيو"، أوائل يوليو الجاري، عن تضرُّر مصر من استكمال بناء السد دون الأخذ في الاعتبار الشواغل المصرية.

وقبلها بأيام، كشفت مصادر&width=100%&show_text=true&appId=239382172860674&height=523" width="500" height="523" style="border:none;overflow:hidden" scrolling="no" frameborder="0" allowTransparency="true"> دبلوماسية، أنه من المقرر أن تبدأ إثيوبيا رسميًا حجز المياه عن مصر خلال شهر يوليو الجاري، بتخزين 14 مليار متر مكعب من المياه بالبحيرة الموجودة خلف سد النهضة؛ لتشغيل توربينات الكهرباء، وهي الكمية المحددة ضمن المرحلة الأولى لملء الخزان.

حديث وزير الخارجية مع نظيره الإثيوبي كان حادًا للغاية، استمرارًا لمواقف سابقة آخرها كان قبل أيام، حيث أكّد أن "إضاعة المزيد من الوقت دون إتمام الدراسات في موعدها سوف يضع الدول الثلاث أمام تحدّياتٍ جِسَامٍ؛ وبالتالي فإن الأمر يتطلّب التدخل السياسي من أجل وضع الأمور في نصابها لضمان استكمال المسار التعاوني الفني القائم".

وعليه فإن طمأنة وزارة الري المَشُوبة بالترقُّب لا تخرج عن سيناريوهين اثنين، لا يتضمّن إحداهما صدق الوزارة في طمأنتها.

أحدهما هو كذب الوزارة في بيانها بما يُعزّز من مصداقية تحذيرات خبير السدود، سالفة الذكر.

أما الثاني فيقود إلى محاولة بائسة من باب التجمُّل، قد تكون الوزارة لجأت إليها من أجل طمأنة المواطنين وتبديد أية مخاوف لديهم من شبح العطش في المستقبل القريب.