هل تُجبر أمريكا الجميع على تسوية الأزمة الخليجية؟ (تحليل)

هل تُجبر أمريكا الجميع على تسوية الأزمة الخليجية؟ (تحليل)

04:00 ص

14-يوليو-2017

تبدو أمريكا مضطرةً إلى دفع أطراف الأزمة الخليجية نحو تسويةٍ مُرتقبةٍ تحفظ علاقاتها بهم، وتُحافظ على مصالحها الاستراتيجية، دون أن تكون طرفًا في الصراع.

يبدو أن الولايات المتحدة الأمريكية أصبحت عازمةً على نزع فتيل الأزمة الخليجية، ومنع تصعيدها أكثر من ذلك، وسط حديث عن "ردود إيجابية" تلقَّاها الوسيط الكويتي من طرفي الأزمة.

لكن مع إصرار كل طرف على التمسُّك بمواقفه ورفض التنازل، إلى أي مدى ستضطر أمريكا إلى إجبار الجميع على تسوية الأزمة؟ وما الذي قد يدفعها إلى هذا المسلك؟. 

هل باتت التسوية قريبة؟

وفي مؤتمر صحفي أعقب عودة وزير الخارجية الأمريكي "ريكس تيلرسون" من الدوحة في ختام جولته الخليجية الثانية، الخميس، قالت المتحدثة باسم الخارجية: إن أمريكا "تسعى لإقناع أطراف الأزمة الخليجية بالبدء في حوار مباشر".

المُتحدّثة "هيدز نويرت" أشارت إلى وجود تقدُّمٍ "طفيفٍ" في طريق الوصول إلى حل للأزمة الخليجية القطرية.

المسؤولة بالخارجية الأمريكية رأت أن "حَمْل الأطراف في أزمة قطر على الدخول في حوار مباشر سيكون خطوة مهمة في حل الأزمة"، مشيرةً إلى أن "تيلرسون" استخلص من لقاءاته خلال الجولة أن "حَمْل الأطراف على الحوار المباشر سيكون خطوة مُقبلة مهمة".

"نويرت" تابعت: "نأمل أن تُوافق الأطراف على ذلك، وسنواصل دعم أمير الكويت في جهود الوساطة".

تلك التصريحات تأتي بعد يومين من تأكيد أمير الكويت الشيخ "صباح الأحمد الجابر الصباح"، عزمه مواصلة معالجة الأزمة الخليجية جراء "ما لمسه من ردود إيجابية".

أمير الكويت أضاف في تصريح صحفي أن بلاده "لن تتخلّى عن مسؤولياتها التاريخية"، قائلًا: "وسنكون أوفياء لها حتى يتم تجاوز هذه التطورات وانجلائها عن سمائنا، وتعود المحبة والألفة لبيتنا الخليجي الذي سيبقى وحده قادرًا على احتواء أي خلاف ينشأ في إطاره".

فإذا وضعنا ما قيل في المؤتمر الصحفي وتصريحات أمير الكويت، تبدو النتيجة المباشرة لهما هي قُرب التوصل لتسوية واتفاق يُنهي الأزمة بإرادة أمريكا في الأساس، حرَّكت المياه الراكدة.

أمريكا منذ البداية

دور أمريكا في الأزمة الخليجية، لم يكن وليد اللحظة، لكنه كان أساسيًا منذ البداية، إلى الدرجة التي دفعت بالقول: إن أمريكا هي التي أشعلت الأزمة أصلًا، ويُعزّز هذا التصريحات الأولى لترامب التي شجَّعتْ خطوة قطع العلاقات، وأرجعها حينها لما شهدته القمة العربية الإسلامية الأمريكية في الرياض أبريل الماضي.

وكما كان السبب في اشتعالها، فإن الدور الأمريكي كان العامل الحاسم في وصول الأزمة لمرحلة من الهدوء في أوج اشتعالها.

الرئيس الأمريكي قد يكون كلمة السر في فكّ لُغز الأزمة، واضطرار دول حصار قطر إلى الخروج بالبيان الوزاري الذي أعقب رفض قطر لمطالبها.

فبالتزامن مع موافقة دول الحصار على تمديد المهلة ليومين إضافيين بناء على طلب كويتي، أجرى 3 مكالمات هاتفية منفصلة بالعاهل السعودي الملك "سلمان بن عبد العزيز"، وولي عهد أبو ظبي الشيخ "محمد بن زايد"، وأمير قطر الشيخ "تميم بن حمد".

ترامب شدَّد في مكالماته على أن "الوحدةَ في المنطقة أمرٌ شديد الأهمية لتحقيق أهداف قمة الرياض في مكافحة الإرهاب وتعزيز الاستقرار الإقليمي"، مُلمّحًا إلى ضرورة وقف التصعيد وإنهاء الأزمة بأسرع ما يمكن.

كما استبق ترامب اجتماع وزراء خارجية دول الحصار في القاهرة، وأجرى مكالمة أخرى بالرئيس عبد الفتاح السيسي، ربما تكون أكثر دقّة ووضوح في الإفصاح عن رغبة أمريكا، الأمر الذي انعكس على بيان الاجتماع.

وفي المكالمة دعا ترامب كل أطراف الأزمة الخليجية إلى "مفاوضات بنَّاءَة"، بينما أعربت الخارجية الأمريكية عن رغبتها في "أن تبقى جميعُ الأطراف مُنفتحةً على الحوار لحل الخلاف".

الخارجية دعت جميع أطاف الأزمة إلى "ضبط النفس وخفض الخطاب العدائي لإفساح الفرصة للحل".

وهكذا ظهرت أمريكا في مراحل الأزمة كمحرك أساسي للأحداث ومُوجّه لتصاعدها أو هبوطها، فعندما شجَّع ترامب قرارات الحصار في البداية أعقبته الدول الأربع بمزيد من الإجراءات، بينما حين تحدَّث عن ضرورة التهدئة تراجع الجميع خطوة إلى الخلف.

هذه الخطوة المتراجعة سوف ترجح إلى حدّ كبير، أن تعقبها خطوة أخرى تتمثَّل في جلوس طرفي الصراع على مائدة مفاوضات مباشرة، برغبة أمريكية على غرار رغباتها السابقة في الأزمة.

المصلحة

رغبة الاستقرار وحل الأزمة تلك، ليست بطبيعة الحال لفتة إنسانية أو أخلاقية من أمريكا، بقدر ما هي المصلحة التي تُحرّك أمريكا، ويتحسَّس قادتها خطواتهم بناءً عليها.

أمريكا التي تُدرك ضخامة مصالحها مع كل الدول الخليجية بما فيها قطر كانت حريصة على أن تُمارس لعبة مزدوجة، حيث تسترضي الرياض وحلفاءها من ناحية، وترفض إذلال قطر من ناحية أخرى.

ولعل الاقتصاد يبقى هو فرس الرهان الذي تلعب عليه أمريكا في تلك الأزمة، فهي تريد التهدئة حفاظًا على مصالحها بتلك المنطقة الحساسة من العالم، ليس مع قطر فقط لكن مع دول الخليج كافة.

فعلاوة على الثقل الذي تُمثله دول الخليج العربي في الجغرافيا الاقتصادية للنفط والغاز على الصعيد العالمي، فإن استثمارات الصناديق السيادية لدول الخليج العربي لها ثقلها الكبير في الاقتصاد الأمريكي، حيث تقترب قيمة الأصول المالية لهذه الصناديق من تريليوني ونصف دولار في أواخر 2016، وفق تقرير اقتصادي.

كما تُعدُّ دول مجلس التعاون الخليجي شريكاً تجارياً مهماً جدًا لأمريكا خلال الثلاثين عامًا المُنصرمة، وقد تم تأسيس منتدى الحوار الاقتصادي الخليجي الأمريكي عام 1985.

جولات الحوار الاقتصادي الخليجي الأمريكي التي عُقدت خلال العقود الثلاثة الأخيرة ساهمت في ارتفاع حجم التبادل التجاري الخليجي الأمريكي من قرابة 10 مليارات دولار عام 1986، إلى 88 مليارًا عام 2016.

وعلى الرغم من اكتشافات النفط الصخري وسعي أمريكا إلى التخلّي عن النفط الخليجي تدريجيًا، إلا أن المعادلة بين الطرفين ستبقى كما هي على مدار عقودٍ مُقبلةٍ.

أي أن علاقة أمريكا بدول الخليج العربية ترتكز بصفةٍ رئيسيةٍ على مقولة: "النفط مقابل الأمن"، أي أن دول الخليج تُوفّر النفط وبأسعارٍ مُتزنةٍ، مقابل أن تُوفّر أمريكا مظلّةً أمنيةً تحميها من التهديدات والمخاطر الخارجية لا سيما من دول الجوار.

كذلك فإن أمريكا لا ترغب ربما في تفكيك التحالف السُّنّي الذي شكّلته مؤخرًا في أعقاب القمة العربية الإسلامية الأمريكية في الرياض.

كما أن دخولها في الصراع كطرفٍ مُنحازٍ لأحد الطرفين، يحرمها بالتبعية من سوق سلاح ضخم جعل دول الخليج تتصدّر مستوردي الأسلحة حول العالم، وفق أحدث التقارير.

وعليه فإن استقرار تلك المنطقة، وعدم نشوب نزاع فيها يبدو استراتيجية أمريكية، تدفع إدارة ترامب إلى امتصاص الأزمة الحالية وتلافي تداعياتها.