الإمارات تتراجع عن إغلاق «الجزيرة».. ما المقابل لذي ستدفعه قطر؟ (رصد وتحليل)

الإمارات تتراجع عن إغلاق «الجزيرة».. ما المقابل لذي ستدفعه قطر؟ (رصد وتحليل)

09:00 ص

14-يوليو-2017

دول الحصار تتراجع عن إغلاق "الجزيرة"، فما المقابل الذي اتفق على أن تدفعه قطر؟ وما حدود الدور الأمريكي في ذلك؟.

تراجعٌ مفاجئ عن أبرز مطالب دول حصار قطر، أفصحت عنه دولة الإمارات وهو إغلاق شبكة "الجزيرة"، حيث لم يعد على حاله بل تقلَّص إلى مطالبة بتغيير جوهري في السياسات والخطاب الإعلامي، فضلًا عن إعادة الهيكلة.

التراجع جاء من الإمارات رغم أنها الدولة التي تدفع بقوة في اتجاه تصعيد الأزمة، وتتسم تصريحات مسؤوليها في غالب الأحيان بالعدائية الشديدة تجاه الدوحة، دونًا عن باقي دول الحصار.

فهل يُمثّل هذا التراجع انتصارًا جديدًا لقطر، أم أن هناك مقابل "متفق عليه" ستدفعه الدوحة؟ وما الدور الأمريكي في تلك الصفقة المحتملة؟.

تناقض إماراتي

صحيفة "التايمز" البريطانية، أكّدت في تقرير لها، أن الإمارات تراجعت عن مطلبها بإغلاق قناة "الجزيرة" التلفزيونية القطرية، مشيرةً إلى أن دول الخليج المُحاصِرة لقطر ستسقط مطلبها بإغلاق "الجزيرة" في سياق سعيها لتسوية الأزمة الحالية.

التقرير استند إلى تصريحات أدلت بها "نورة الكعبي" - وزيرة الدولة لشؤون المجلس الوطني في الإمارات - قالت فيها: إن بلادها تطلب إجراء "تغييرات جوهرية وإعادة هيكلة" في قناة "الجزيرة" بدلًا من إغلاقها.

كما نقل التقرير عن "مصدر سعودي" لم يُعلن اسمه، قوله: إنه "من المتوقع أن توافق الرياض على هذا المطلب".

اللافت أن مطلب إغلاق "الجزيرة" والقنوات التابعة لها بما فيها قناة "الجزيرة" باللغة الإنجليزية، كان أحد المطالب الرئيسية للدول الأربع المحاصرة لقطر، إلا أن المُفوّض السّامي لحقوق الإنسان في الأمم المتحدة الأمير "زيد بن رعد الحسين" شَجَبَ هذا المطلب ووصفه بأنه "هجوم غير مسبوق" على حرية التعبير.

المُثير للدهشة أن تلك التصريحات، جاءت بالتزامن مع رسالة مغايرة وجّهها وزير الدولة للشؤون الخارجية الإماراتي "أنور قرقاش" إلى مفوض الأمم المتحدة.

"قرقاش" قال في رسالته: إن "تقارير الجزيرة تجاوزت مرارًا عتبة التحريض إلى العداء والعنف والتمييز"، مشيرًا إلى ما رأى أنه ترويج القناة لمعاداة السامية والهولوكوست.

مقدمة لتراجعات أخرى؟

وعلى الرغم من إمكانية القول بأن التراجع الإماراتي يحمل في طياته نجاحًا قطريًا آخر في إطار الصراع القائم بين طرفي الأزمة، إلا أن ثَمَّة تساؤلات أخرى أكثر أهمية يُثيرها هذا التراجع.

البداية تأتي مع تساؤلٍ مفاده: هل يمتد هذا التراجع إلى سلسلة تراجعات أخرى عن المطالب التي قدّمتها دول الحصار كشرط لعودة مياه العلاقات مع قطر إلى مجاريها؟.

للوهلة الأولى يبدو التساؤل غير منطقي؛ لعدة أسباب أبرزها غياب الموقف الرسمي لدول الحصار من هذا الأمر، فضلًا عن صدوره من مسؤولة ليست لديها حيثية أو ارتباط وثيق بملف الأزمة، إلا أن مجرد التصريح بالأمر يُوحي برسالة أرادت الإمارات إيصالها إلى الجميع.

وعليه فإن الرسالة الأوسع ربما تشمل تأكيدات باحتمالية التراجع عن مطالب أخرى شملتها قائمة الـ 13، وهو ما يُعزّزه بيان دول الحصار، عقب الرفض القطري للمطالب، بأن القائمة لاغية.

الثمن صفقات سلاح

لكن يبقى الرهان، والذي يقود إلى التساؤل الأبرز، عن المقابل الذي يُمكن أن تقدّمه قطر مقابل هذا التراجع، والدور الأمريكي فيه.

وخلال مسيرة الأزمة، يُمكن الجزم بأن الموقف الأمريكي هو المُحرّك الرئيسي لتفاصيلها بين التهدئة والتصعيد، وهو ما تُؤكّده المكالمات الهاتفية التي أجراها الرئيس دونالد ترامب بقادة دول الحصار وقطر للمطالبة بتجاوز الأزمة وإنهاء الخلاف، قبيل اجتماع وزراء خارجية الدول الأربع بالقاهرة وسط توقعات بمزيد من الإجراءات التصعيدية لكنه لم يخرج إلا باتهامات سبق توجيهها للدوحة.

هذا البُعد، بالإضافة إلى الجولة الخليجية التي اختتمها وزير الخارجية الأمريكي "ريكس تيلرسون"، أمس الخميس، يؤشران على نفوذ أمريكي متصاعد في الأزمة، إلى الحد الذي بات يُحتم على قطر دفع هذا المقابل لأمريكا وليس إلى دول الحصار.

بمعنى أن تصبح الدوحة ملتزمة، أمام التراجعات عن مطالب الحصار، بدفع المقابل إلى أمريكا التي بدورها تضغط على الدول الأربع للتراجع من أجل تسوية الأزمة من جهة، والحصول على أكبر قدر من المكاسب لواشنطن.

ولعل الصفقة التي وقّعتها قطر مع أمريكا للتزوّد بطائرات مقاتلة من طراز إف 15 بقيمة بلغت 12 مليار دولار، في خضم الأزمة، أبلغ تعبير عن الصفقة الأكبر لتسويتها.

اللافت أن بيان وزارة الدفاع القطرية حول الاتفاقية الموقعة 14 يونيو الماضي، قال: إنها "ستساهم في خلق 60 فرصة عمل في 42 ولاية أمريكية"، الأمر الذي يُؤكّد نظرية المصالح ويقع في إطار الحديث عن تلك الصفقة الأكبر.

أيضًا، فإن التغيّر الذي شهده موقف ترامب من قطر منذ بداية الأزمة وخلال تطوراتها المختلفة، يُعبّر عن مخاوفه بشأن تهديد صفقة بقيمة 21 مليار دولار لتزويد قطر بـ 72 مقاتلة من طراز "F-15"، كانت وُقّعت في نوفمبر الماضي، قبل وصوله للحكم.

ومَن يَدري، فقد يتسع الأمر لنستيقظ على صفقة تاريخية أخرى بين أمريكا وقطر بمئات المليارات، تُحاكي تلك المُوقّعة مع السعودية أبريل الماضي، حتى تُسدّد الدوحة التزاماتها الكاملة مقابل الضمان الأمريكي ببقاء الحماية وعدم نقل قاعدة "العديد" الجوية، فضلًا عن الخروج من الأزمة دون ضرر.

وهل من مزيد؟

بعيدًا عن صفقات السلاح، فقد يكون للأمر خلفيات أخرى مثل توقيع اتفاقيات مماثلة على صعيد الاقتصاد والتبادل التجاري، الذي وصل إلى 5.5 مليار دولار أواخر 2016، وارتفع بنسبة 86% أوائل 2015؛ الأمر الذي من شأنه إنعاش الخزينة الأمريكية والانعكاس على مزيد من توفير فرص العمل للأمريكيين.

هذه القضية التي يُركز عليها ترامب كثيرًا في خطاباته، ويلعب عليها في مخاطبة الرأي العام الأمريكي ولعل أحدثها ما أشار إليه بفخرٍ عقب عودته من الرياض أبريل الماضي وتوقيع الاتفاقيات التاريخية التي شملت مجالات عدة بقيمة تجاوزت 340 مليار دولار.

وغير لغة الأرقام، فإن ثَمَّة ملفات أخرى سياسية يُمكنها أن تلعب دورًا هامًا في إطار المقابل الذي يتعيّن على قطر سداده، في سياق الصفقة الكبرى التي سبق الإشارة إليها.

وقف الدعم الذي تُقدّمه الدوحة لحركة "حماس"، يُعدُّ مطلبًا أمريكيًا محتملًا بإيعاز "إسرائيلي"، قد يجد طريقه للتنفيذ في ظل إرهاصات سابقة لم تنفها قطر.

وفي نوفمبر الماضي، قال وزير الخارجية القطري "محمد بن عبد الرحمن آل ثاني": إن بلاده ستواصل "تسليح المعارضة السورية حتى إذا أنهى الرئيس الأمريكي المنتخب (حينها) دونالد ترامب الدعم الأمريكي".

هذا التعهُّد القطري الذي يَنمّ عن إصرار على رحيل رئيس النظام السوري بشار الأسد، يصطدم بتوجّه أمريكي عبَّرتْ عنه السفيرة الأمريكية للأمم المتحدة "نيكي هيلي" مارس الماضي، بقولها: إن "أولويتنا لم تعد التركيز على إزاحة الأسد". وأضافت: "هل نعتقد أنه يُشكّل عائقاً؟ نعم.. هل سنجلس ونركز على إزاحته؟ لا".

وعليه فقد يكون الملف السوري، ومحاولة أمريكا تغيير الموقف القطري منه عاملًا أساسيًا في الضغوط الأمريكية على قطر من أجل إنهاء الأزمة الخليجية.