تصنيف الجيوش العالمي.. أيهما أصدق: واقع سيناء أم «جلوبال فاير باور»؟ (تحليل)

تصنيف الجيوش العالمي.. أيهما أصدق: واقع سيناء أم «جلوبال فاير باور»؟ (تحليل)

01:30 ص

15-يوليو-2017

أن تكون مُتقدّماً في معايير العدد والعدة لا يعني بالضرورة أنك الأفضل.. هكذا جاءت خلاصة ردود المُشكّكين في دلالات تصنيف الجيش المصري بالمركز العاشر عالمياً، بحسب موقع "جلوبال فاير باور" الأمريكي.

"العاشر عالمياً والأول عربياً وأفريقياً".. هكذا صنَّف موقع "جلوبال فاير باور" الأمريكي - المختص في الشؤون العسكرية وترتيب الجيوش النظامية حول العالم - قدرات القوات المسلحة المصرية، وهو ما تلقّفته وسائل الإعلام المؤيدة للنظام الحاكم بكثير من الاحتفاء.

وارتكزت هالة الضوء الإعلامية في التليفزيون الرسمي على ربط ترتيب الموقع للجيش المصري بأحد المفاهيم المتوارثة لدى المواطنين (المسلمين منهم تحديداً) بأنه جيش "خير أجناد الأرض"؛ استناداً إلى نَصٍّ منسوبٍ للرسول الكريم، ويُصنّفه علماء الحديث بأنه "باطل لا يصح".

لكن حقيقة واقع الجيش المصري، من حيث العدد والعتاد، تُؤهّله لاحتلال المراكز الأولى عالمياً، دون الحاجة إلى تزوير مستند ديني، والفضل في ذلك يعود إلى قوته البشرية الهائلة وتنوّع مصادر تسليحه وعدد القطع الحربية التي يمتلكها ومستواها التكنولوجي، وهي أهم المعايير التي استند إليها "جلوبال فاير باور" في تصنيفه، وتُعلنها تقارير التسلح العالمية سنوياً.

أرقام العدد والعدة

فعدد القوات العاملة في الجيش المصري يبلغ نحو 470 ألف جندي، إلى جانب 800 ألف في قوات الاحتياط، وتمتلك 4110 دبابات، بجانب 1132 طائرة، منها 337 طائرة مقاتلة، بالإضافة إلى 319 قطعة بحرية.

ووفق هذه المعايير والأرقام المرصودة، جاء ترتيب الجيش المصري مُتخطّياً كلا من "إسرائيل"، التي احتلت المركز الـ 15، وكوريا الشمالية في المركز الـ 23، وإثيوبيا في المركز الـ 42، تليها المملكة العربية السعودية.

وبقراءة أولية لمعايير وترتيب "جلوبال فاير باور"، إضافة إلى تقاريره السابقة، يُمكن ملاحظة تفوُّق "إسرائيل" على مصر في المجال الجوي بامتلاكها مقاتلات F 35 الأكثر تطوراً في العالم، فيما تتفوَّق مصر بمستوى القوات البحرية وعدد قطعها الحربية، إضافة إلى امتلاكها "قوات نوعية خاصة" في أسلحة الصاعقة والمظلات، بلغت مستويات مُتطوّرة إلى حَدٍّ بعيدٍ.

لكن إجمالي الأرقام المرصودة يجعل مصر مُتقدّمة على "إسرائيل" بـ 5 مراكز كاملة، حيث تقدّمت من المركز 12 في تصنيف عام 2016 إلى المركز العاشر هذا العام، ما يُؤشّر إلى أن عمليات التسليح النوعية التي أبرمتها القوات المسلحة عبر صفقات أوروبية كان لها الفضل الأكبر في ذلك.

أبرَم الجيشُ المصري اتفاقاتٍ حصل بموجبها على طائرات الـ "رافال" وحاملات الطائرات "ميسترال"، إضافة إلى صفقة أخرى حصلت بها على غواصات "دولفين" الألمانية، فضلاً عن تميُّز تشكيلة التسليح المصري باعتمادها بنسبةٍ مُعتبرةٍ على المُكوّن الروسي أيضاً، بينما تعتمد "إسرائيل" على تكنولوجيا السلاح المشتركة مع الولايات المتحدة بالدرجة الأولى.

دلالة المركز العاشر

وإزاء ذلك ينقسم المُحلّلون إلى فريقين، الأول يرى أن القفزة النوعية لترتيب الجيش المصري تعود إلى اهتمامٍ خاصٍّ من جانب الرئيس عبد الفتاح السيسي يُلبِّي حاجة المؤسسة العسكرية فعلياً إلى عملية تحديث وتطوير شاملة في السنوات الأخيرة، وهو ما أدركه بحكم موقعه السابق كمدير للمخابرات الحربية وقائد عام للقوات المسلحة.

أصحاب هذا الاتجاه ليسوا بالضرورة من مؤيدي النظام الحاكم، وبينهم الباحث "علي الرجال" الذي نوَّه إلى حرص الأمريكان التاريخي على احتفاظ "إسرائيل" بتفوقها النوعي على مستوى التسليح، وريبتها الدائمة من السعي المصري الحثيث لامتلاك أكبر عدد من الدبابات والطائرات والقطع البحرية.

وتعود هذه الرّيبة إلى أن قراءة الأمريكان الاستراتيجية للتسلّح المصري ترى أن العقيدة القتالية للجيش لا تزال مُتجهة شرقاً ناحية "إسرائيل"، بما يتناقض مع حالة السلام وتطبيع العلاقات بين البلدين منذ نحو 40 عاماً.

ويرى "الرجال" أن قراءة الأمريكان صحيحة إلى حد بعيد، حيث يُعانِي الجيش المصري من "شيزوفرنيا" بعقيدته القتالية، حسب تعبيره، فهو من جانب يُقِرُّ بحالة السلام الدافئ مع "إسرائيل"، فيما تُمثّل "إسرائيل" هاجسه العسكري الأكبر وقلقه الحقيقي، حسب قوله.

وربما يكون تاريخ احتلال "إسرائيل" لثلث مساحة مصر عام 1967 (شبه جزيرة سيناء) كفيلاً بتفسير ما يراه بعض الباحثين فصاماً بالعقيدة العسكرية المصرية، لكن المؤكد أن "العدد والعدة" لا يمثلان معياراً كافياً لتصنيف قوة الجيوش الحقيقية.

سنوات طويلة من سقوط القتلى من الجنود المصريين في شمال سيناء، على يد مسلحين ينتمون إلى تنظيمات مسلحة تؤكّد أن "الكفاءة القتالية للعنصر البشري" أحد أهم المعايير التي يجب وضعها في الاعتبار بتصنيف الجيوش عالمياً، لكن إشكالية هكذا معيار هو أنه "تقييمي" ولا يخضع لدلالات لغة الأرقام المباشرة، كما هو الحال مع معيار "العدد والعتاد".

ولذلك فإن نقطة ضعف الجيش المصري الحقيقية تتمثَّل في الاستعداد والمهارة والذكاء الاستراتيجي، ويعود تاريخها إلى ما قبل تأسيس الحكم العسكري في عام 1952؛ بسبب "كفاءة التدريب العام للقوات والميل لخَلْق جندي طَيِّع وانصياعيّ أكثر من خَلْق مُقاتل كُفء"، بحسب رأي "الرجال".

مصداقية التصنيف مجروحة

أما أصحاب الاتجاه الثاني فيرون أن تصنيف "جلوبال فاير باور" مشكوك في مصداقيته بالأساس، بما يعني تشكيكهم في تفوق الجيش المصري حتى في لغة الأرقام الصمّاء المتعلقة بأعداد الأسلحة ونوعيتها.

اللغط الذي أثاره تقرير الموقع الأمريكي لتصنيف الجيوش عام 2015 يُعطي شيئاً من الوجاهة لهذا التشكيك، حيث قام بتغيير مركز الجيش المصري مرتين في أقل من 24 ساعة.

في بداية نشر التقرير، وضع "جلوبال فاير باور" الجيش المصري في المرتبة العاشرة، وبعد ساعات أصبح الجيش التركي في المرتبة العاشرة بدلاً من مصر، يليها باكستان في المرتبة 11، ثم إيران في المرتبة 12 وألمانيا في المرتبة 13، وأخيراً استقر الموقع على وضع مصر في المرتبة 18.

ومنذ ذلك الحين وتقارير الموقع لا تحظى بكامل الموثوقية، لكنها لاقت صدى إيجابياً لدى الإعلام الموالي للنظام الحاكم في مصر، خاصة أنها تُظهر تقدُّم ترتيب القوات المسلحة إلى المركز 12 عام 2016، ثم المركز العاشر عام 2017.

ويرى مراقبون أن التصنيفات الواردة بـ "جلوبال فاير باور" تخضع لموازنات سياسية، بحكم طبيعة تأسيسه على يد عدد من العسكريين الأمريكيين المتقاعدين؛ ليكون أحد أبرز المرجعيات البحثية المتخصصة في تقديم قواعد بيانات تحليلية عن القوى العسكرية بالعالم.

وبهذا يكون الموقع الأمريكي مجرد أداة سياسية بيد وزارة الدفاع الأمريكية (البنتاغون)؛ ولذا فإن إيران دائماً ما تحتل ترتيباً متأخراً في تصنيفه، رغم مستوى جيشها المشهود له من قبل خبراء العالم.

بتتبع هذا الترتيب يمكن رصد وضع إيران في المركز 15 عام 2015، وفي المركز 14 عام 2014، ثم التقدُّم إلى رقم 12 بعد توقيعها الاتفاق النووي، ثم التقهقر فجأة إلى المركز 23، بعد إعلان مضمون تحقيقات أمريكية مفادها أن طهران متورطة بهجمات 11 سبتمبر.

أما كوريا الشمالية، فجاء جيشها في 36 عام 2015 رغم امتلاكه مستوى نوعياً من التسليح يصل إلى حدّ الرؤوس النووية، في مقابل وضع كوريا الجنوبية في مرتبة مُتقدّمة، رغم اعتمادها بالأساس على دعم الجيش الأمريكي وقواعده في العاصمة (سول) لحمايتها من جارتها الشمالية.

لكن أنصار الاتجاه الأول يردون على هذا التشكيك بالإشارة إلى إعلان الموقع نفسه لمعايير تقييمه، ومنها عدم الاعتداد بالترسانات النووية، إضافة إلى إسهام العوامل الجغرافية، والمرونة اللوجستية، والموارد الطبيعية، والصناعة المحلية، والكثافة السكانية، في التأثير على الترتيب النهائي لكل دولة، وحصول حلفاء "الناتو" على "بونص" طفيف في عملية التقييم.

وأياً ما كانت درجة مصداقية التصنيف الوارد في "جلوبال فاير باور"، فالمؤكد أن الجيش المصري هو الأول عربياً وأفريقياً، ويصل إلى مستوى التنافس الجدّي في سباق نوعية التسلح مع دولة الاحتلال "الإسرائيلي"، لكنه يُعاني فعلياً على مستوى كفاءة العنصر البشري، بما يجعل التهويل والتهوين من قدراته، على السواء، مجرد شعارات جوفاء، يروّجها أنصار الموالاة والمعارضة معاً، لكنها لا تصمد أمام منطق التحليل أو لغة الأرقام، والدليل: سيناء.