«إسرائيل» تغازل السعودية بالتطبيع مقابل تنازلات للفلسطينيين.. فهل تستجيب؟

«إسرائيل» تغازل السعودية بالتطبيع مقابل تنازلات للفلسطينيين.. فهل تستجيب؟

03:12 ص

15-يوليو-2017

رغم الأبعاد والمُبرّرات السياسية والجغرافية للتطبيع بين السعودية و"إسرائيل"، إلا أن البُعد الذي يتلامس مع الدّين يبدو أكثر أهمية ورمزية لدى شعوب المنطقة.

وكأنه عرضٌ للتطبيع، غازلتْ فيه "إسرائيلُ" السعودية بتقديم تنازلات في المفاوضات مع الفلسطينيين، مقابل نقل الحجاج مباشرةً من الأراضي المحتلة إلى الأراضي المقدسة.

اللافت أن الحديث عن التطبيع بين البلدين، ازدادت وتيرته كثيرًا بعد حدثين كبيرين أولهما تنازل مصر رسميًا عن جزيرتي "تيران" و"صنافير" للسعودية، والثاني تولّي الأمير "محمد بن سلمان" ولاية العهد هناك.

الجزيرتان تُجبران السعودية والاحتلال على التنسيق؛ باعتبار مضيق "تيران" مياهًا دولية ستعبر فيه سفن من وإلى الأراضي المحتلة، كما أن وصول "ابن سلمان" لهذا المنصب بالتزامن مع علاقاتٍ مُتطوّرةٍ مع أمريكا شجَّع "إسرائيل" على المُضي قُدمًا في مخططات التطبيع مع بلاد الحرمين.

فهل يُمكن أن تستجيب السعودية الجديدة لمطالب "إسرائيل"؟ وهل أصبحت الذريعة التي ستسوّقها لتجنُّب الغضب الشعبي داخلها وخارجها من عموم العرب والمسلمين، جاهزة؟.

تطبيع مقابل تنازلات

العرض الجديد - إنْ جَازَ التعبير - قدّمه وزير الاتصالات "الإسرائيلي" "أيوب قرا"، الذي كشف أن الاحتلال يسعى لإقناع السعودية بالسماح بتسيير رحلات جوية من مطار "بن جوريون" نحو أراضي المملكة؛ لنقل الحجاج المسلمين الحاصلين على الجنسية "الإسرائيلية" (عرب 48).

التفاؤل بقبولٍ سعودي للأمر كان سمةً بارزةً في تصريحات الوزير، التي نقلتها وكالة "بلومبيرج"، حيث قال: "الواقع قد تغيّر، والوقت الحالي مناسبٌ لتقديم طلبٍ كهذا".

"قرا" أفصح عن المقابل الذي يُمكن أن تُقدّمه بلاده في حال قبلت السعودية، حين قال: إن "تسهيل تنقل الحجاج الذين يحملون الجنسية الإسرائيلية عبر رحلات جوية بدل التنقل بالحافلات، يُشكّل حافزًا لحَثّ إسرائيل على تقديم تنازلات في المفاوضات مع الفلسطينيين".

وبحسب تصريحاته، فإن هناك نحو 6 آلاف حاج من عرب 1948 يُسافرون من الأراضي المحتلة سنويًا، حيث يتنقل أغلبهم بحافلات نقلٍ جماعي، بينما يتوجّه بضع مئات إلى السعودية عبر مطار الملكة "علياء" في الأردن.

الوزير "الإسرائيلي" كشف أنه تحدَّث مع ممثلين عن الحكومة السعودية، ومسؤولين أردنيين وغيرهم بشأن مخطط الحج، وأنهم أعلنوا "استعدادهم للموافقة على هذا الطلب، ولكن الأمر جَدّ حسَّاس ويبقى موضوع مفاوضات".

وسَبَق أن تحدَّثتْ صحيفة "يديعوت أحرونوت" العِبرية عن "اتصالات تجري على مستويات عليا بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية بين السعودية وإسرائيل والسلطة الفلسطينية والأردن من أجل تشغيل رحلات جوية لحجاج فلسطينيين من مطار بن جوريون في تل أبيب إلى السعودية".

الحاجة إلى "باب خلفي"

الأمر المُثير للانتباه، أن الحديث عن التطبيع بين السعودية و"إسرائيل"، دائمًا ما يحتاج إلى "باب خلفي" وألا يكون بشكلٍ مباشرٍ؛ نظرًا لما تُمثّله المملكة من قيمةٍ ومكانةٍ روحيةٍ ومعنويةٍ عاليةٍ لدى العرب والمسلمين في مشارق الأرض ومغاربها؛ باعتبارها مهبط الوحي ومهد الإسلام وبلاد الحرمين الشريفين.

ولهذا كان الحديث يدور في كل مناسبة حول تساؤلٍ هام مفاده: ما الستار الذي سيتخفَّى وراءه التطبيع؟.

المُبرّر الأول الذي انطلق منه القطار الدَّاعِي للتطبيع هو الصراع السُّنِّي الشّيعي بين السعودية وإيران، وما يستلزمه من تقاربٍ سعودي "إسرائيلي"، على قاعدة "عدو عدوي صديقي".

على لسان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، شهد شهر مايو الماضي، تصريحات غاية في الأهمية تُرجّح من احتمالية أن يكون الصراعُ المذهبي بين القوتين الإقليميتين الرياض وطهران بابًا للتطبيع بين السعودية و"إسرائيل".

ولعلها المرة الأولى في التاريخ التي تهبط فيه طائرة بمطار "إسرائيلي" قادمة من الرياض في رحلة مباشرة، حين وصل ترامب إلى مطار "بن جوريون"، 22 مايو الماضي.

في الإطار ذاته، وفور وصوله إلى الأراضي المحتلة، كانت هناك ثَمَّة تصريحات مثيرة للانتباه أطلقها ترامب، حيث قال: إن القلق المتزايد من إيران في المنطقة "قرّب" الدول العربية من "إسرائيل".

"ترامب" الذي كان يقف إلى جانب الرئيس "الإسرائيلي" "ريئوفين ريفلين" أضاف: "ما حدث مع إيران قرَّبَ أجزاءً كثيرة من الشرق الأوسط من إسرائيل".

وتابع أنه "لمس شعورًا جيدًا جدًا حيال إسرائيل" خلال زيارته للسعودية، واصفًا ذلك بأنه "أمر إيجابي للغاية".

التنسيق الذي أصبحت السعودية مُجبرةً عليه مع "إسرائيل"، بعدما آلَتْ إليها تبعية جزيرتي "تيران" و"صنافير"، تُعدُّ مُبررًا ثانيًا للتطبيع تحت غطاء إدارة شؤون الملاحة في البحر الأحمر.

ورغم الأبعاد والمبررات السياسية للتطبيع بين السعودية و"إسرائيل"، إلا أن البُعد الذي يتلامس مع الدّين يبدو أكثر أهمية ورمزية لدى شعوب المنطقة، فكان المبرر الثالث الذي خلط بين ثلاثية التطبيع والقضية الفلسطينية وشعيرة الحج.

هذا الربط يُرجَّح أن يكون الأكثر قبولًا لدى الشعوب فيما يتعلّق بالتطبيع، فالمقابل المتمثل في التسهيل على حجاج بيت الله الحرام ولو كانوا قليلي العدد (6 آلاف)، وتقديم الاحتلال تنازلات في المفاوضات مع الفلسطينيين، شكّل "خلطة سحرية"، من شأنها إيجاء قبول شعبي لطالما عطّل أي حديث عن التطبيع، على مدار عقود.

السعودية حينها، سوف تظهر أمام العالم أجمع على أنها الحريصة على إنهاء أزمة القضية الفلسطينية، والوحيدة القادرة على حل العقدة التي أعجزت الجميع.

تطبيع "على الأرض"

وبينما لم يكن الحديث عن التطبيع بين الرياض و"تل أبيب" وليد اللحظة، فإنه اتخذ خطوات فعلية على الأرض بعيدًا عن الإطار الرسمي.

وكالة "بلومبرج"، كشفت في تقرير لها فبراير الماضي، أن "شموئيل بار" الذي عمل في المخابرات "الإسرائيلية" على مدار 30 عامًا، تواصل مع أحد الشخصيات النافذة للغاية في السعودية؛ لاستخدام تقنية شركته الشبيهة بتقنيات شركة "بلانتير" الأمريكية للتجسس، وذلك من أجل الكشف عمن وصفتهم الشبكة بـ "الجهاديين السعوديين".

السعوديون طلبوا من رجل المخابرات "الإسرائيلي" أن يُؤسّس شركةً ليخفي من خلالها هوية شركته "الإسرائيلية"، الأمر الذي دفع "شبتاي شافيت" رئيس الموساد السابق إلى القول: "في الوقت الراهن، كل شيء أصبح مكشوفًا"، بحسب التقرير.

شكلٌ آخر من التطبيع تَمثَّل في سلسلة تصريحات ولقاءات مُصوّرة من شخصياتٍ سعوديةٍ كان الشخص الأكثر شهرة فيها هو الأمير "تركي الفيصل" - رئيس الاستخبارات السعودية الأسبق ونجل العاهل السعودي الأسبق "فيصل بن عبد العزيز" - حيث نادى مرارًا بضرورة تحقيق السلام مع "إسرائيل".

التصريحات لم تكن الأثر الوحيد وإنما اللقاءات الودية بين الطرفين كانت دليلًا صارخًا على تلك العلاقة التطبيعية وكان أشهرها، المناظرة بين "عاموس يادلين" و"تركي الفيصل" في أحد المؤتمرات بالعاصمة البلجيكية "بروكسل" قبل 3 أعوام.

الشبكة الأمريكية أكّدت أنه كان هناك 5 لقاءات سرية بين مندوبين من السعودية و"إسرائيل" منذ بداية عام 2014 في أماكن مختلفة منها الهند وإيطاليا والتشيك.