الخرطوم مُتردّدة.. لماذا تُريد السودان مودة السعودية وقطر معاً؟ «تحليل»

الخرطوم مُتردّدة.. لماذا تُريد السودان مودة السعودية وقطر معاً؟ «تحليل»

06:00 ص

15-يوليو-2017

لا أحد يفهم الموقف السوداني من الأزمة الخليجية القطرية، وفي نفس الوقت قد تكون الخرطوم نفسها لا تعرف إلى أين تتجه، فالخيوط مُتشابكة والخطوات ليست سهلة في مستنقع هذه الأزمة، حتى محاولة الوقوف على الحياد قد تكون صعبة.

لا أحد يفهم الموقف السوداني من الأزمة الخليجية القطرية، وفي نفس الوقت قد تكون الخرطوم نفسها لا تعرف إلى أين تتجه، فالخيوط مُتشابكة والخطوات ليست سهلة في مستنقع هذه الأزمة، حتى محاولة الوقوف على الحياد قد تكون صعبة.

ما يُمكن أن نُسمّيه الحيرة السودانية من الأزمة ظهرت في لقطاتٍ مُتعدّدةٍ، كان أولها عرض الخرطوم التوسُّط بين أطراف الأزمة، في السادس من يونيو الماضي، بعد اشتعال الأمور بساعاتٍ قليلةٍ، أما باقي اللقطات فمتناثرة، حيث تردَّدتْ أنباء عن إفشال المخابرات القطرية بالتعاون مع تركيا محاولة انقلاب داخل الدوحة بواسطة مرتزقة من الجيش السوداني حرَّكهم "طه عثمان الحسين" - مدير مكتب الرئيس السوداني - والذي تمَّتْ إقالته الشهر الماضي، في ظروفٍ غامضةٍ، وليس انتهاءً بتصريحات لنائب رئيس الوزراء وزير الإعلام السوداني، الخميس 13 يوليو، تضمَّنتْ مغازلة واضحة للنظام المصري.

مغازلة مصر

وخلال لقاء مع الصحفيين والإعلاميين بمقر السفارة السودانية بالقاهرة، بحضور السفير السوداني ومندوبها لدى الجامعة العربية "عبد المحمود عبد الحليم"، قال وزير الإعلام الدكتور "أحمد بلال عثمان": إن أمن مصر المائي خط أحمر، فيما يتعلّق بحصتها المائية، في ظل ما يحدث في ملف سد النهضة، مؤكّداً أن الخرطوم تقف مع القاهرة قلبًا وقالبًا في هذا الملف، نافيًا نفيًا قاطعًا قيام بلاده بدور الوساطة مع إثيوبيا في هذا الشأن.

وشدَّدَ على أن علاقةَ بلاده بمصر علاقةٌ مُقدّسةً وأزليةً، وستظلّ علاقةً أبديةً ويجب تحصينها وتحسين المزاج الشعبي ضد أي محاولات للإساءة للبلدين، مُشدّداً على أن السودان لن يسمح بأن تكون هناك عناصر من "الإخوان" على أراضينا تضُرّ مصر.

وكانت أنباء قد تردَّدتْ عن مهاجمة الوزير السوداني لقناة "الجزيرة" القطرية، لكنه نفى ذلك الأمر، خلال تصريحات الخميس، قائلاً: إنه كان يتحدّث في العموم ولم يُهاجم "الجزيرة" على وجه الخصوص، وأضاف: "لا أؤيد مهاجمة أي قناة لدولة أخرى، ولا أؤيد التدخل في شئون الآخرين".

تصريحات الوزير السوداني تعكس جزءاً من حالة التردّد السوداني تجاه قضايا المنطقة، لا سيما الأزمة الناشبة حالياً، فهو يُجامل مصر بشدّة، ويهاجم "الإخوان"، لكنه يَنفي أن يكون قد انتقد فضائية "الجزيرة".

حزب الاتحاد السوداني

في هذا الإطار، أشار محللون إلى أن تصريحات وزير الإعلام السوداني يجب ألا يُعوَّل عليها في قراءة الموقف السوداني من الأزمة الخليجية القطرية، أو حتى الأزمة السودانية المصرية؛ نظراً لأن الوزير "بلال عثمان" هو عضو في الحزب "الاتحادي الديمقراطي" المعارض، والذي يترأسه "محمد عثمان الميرغني"، الذي يُقيم في القاهرة لأكثر من عشرين سنة؛ وبالتالي فإن مجاملته لمصر قد تكون مفهومة في هذا الإطار، وغير مُعبّرة عن توجهٍ سوداني رسمي.

هذا الرأي مردود عليه بأن التصريحات خرجت من "بلال عثمان" بصفته الرسمية وفي جلسة رسمية، وليس بصفته عضواً في حزب "الاتحاد الديمقراطي"؛ وبالتالي فلا يتصوّر أن تلك التصريحات غير مُتسقة مع توجّهات النظام السوداني الحالية.

وفق تلك التطورات، قد يُقرأ بداية ما يُمكن أن نُسمّيه تحوّلاً مدروساً سودانياً لصالح مُهادنة النظام المصري، ولا يُفهم في هذا الإطار دوافع وأسباب تلك المحاولات دون النظر إلى السعودية كطرفٍ يتبنَّى فكرة محاولة كسب السودان كحليفٍ في المواجهة الإقليمية الحالية، وهو أمرٌ يُفيد النظام المصري أيضاً.

البرلمان العربي

ثَمَّة لقطة أخرى تُشير إلى هذا الأمر، وهي تصريحات رئيس البرلمان العربي "مشعل بن فهم السلمي"، الجمعة 14 يوليو، والتي طالب فيها برفعٍ كاملٍ للعقوبات الاقتصادية التي تفرضها الولايات المتحدة الأمريكية بشكلٍ أُحَادي على دولة السودان.

ومن المعروف أن النفوذَ الخليجي، لا سيما السعودي، كبيرٌ للغاية داخل البرلمان العربي، وعندما يُجدّد رئيسه، السعودي الجنسية، طلب رفع العقوبات عن السودان، فإن هذا يعني أن الرياض لا تزال راضيةً عن الخرطوم، وهو ما يستدعي البحث في موقف الخرطوم من الأزمة مع قطر أيضاً.

تقاعد مريح للبشير

يَنظر البعض إلى تصريح الرئيس السوداني "عمر البشير" الذي قال فيه: إنه يعتزم ترك الحكم في 2020، على أنه أحد الأسباب المهمة لحرص النظام في الخرطوم على إقامة علاقات شديدة التميز والخصوصية مع السعودية، والتي يَنظر البشيرُ إليها على أنها مكانٌ آمنٌ للتقاعد والحماية من مئات الخصوم التي تنتظر لحظة نزوله عن كرسي الحكم، وقد يكون الترتيب لهذه اللحظة تتم مناقشة تفاصيله من الآن، وهو أمرٌ – في عُرف "البشير" – من أولى أولويات توجّهات السياسة السودانية الخارجية حالياً.

من ناحية أخرى، يُمكن النظر إلى ما يُمكن أن نعتبره تنوّعاً سياسياً داخل السودان على أنه إحدى أسباب تردُّد السودان في التعامل مع الأزمة الحالية، صحيح أن هذا التنوّع مسيطر عليه بشكلٍ أو بآخر من النظام، لكنه يبقى مُشكِّلاً لحراكٍ داخلي يَصعب معه اتخاذ موقف موحد وحاسم من معاداة قطر على طول الخط، أو السعودية بشكلٍ عام.

زاوية أخرى للتحليل، تتمثّل في أن السودان يرى أن علاقته الجيدة بكل من السعودية وقطر، هو نقطة قوة يجب ألا يُدمّرها، بانحيازه الكامل لصالح هذه أو تلك، ومن المعروف أن السودان عرض وساطة لاحتواء الخلافات بين السعودية وقطر، قبل قرار المقاطعة في 5 يونيو الماضي، بالنظر إلى العلاقات المميزة التي تجمعها بكلا البلدين.

روسيـا

التقارب الروسي السوداني يُعدُّ إحدى الزوايا التي يُمكن منها قراءة المشهد أيضاً، وتحديداً عند الإشارة إلى الدور الذي لعبته قطر لتحقيق هذا التقارب، وهو أمرٌ كان مهماً للغاية إلى الخرطوم؛ لمحاولة كسر العصا الأمريكية المرفوعة عليها باستمرار، ومن المعروف أيضاً أن العلاقات القطرية الروسية متميزة، وهو ما يعني رغبة سودانية في عدم خسارة قطر، بوابتها إلى موسكو، أو السعودية، بوابتها إلى واشنطن.

التردّد السوداني سيستمرّ، وسينعكس على العلاقة مع مصر، خصوصاً خلال الفترة المقبلة، والتي تحتاج فيها القاهرة لحسم ملفات أفريقية حسّاسة، كَسَدّ النهضة، والعلاقة مع دول حوض النيل، وحتى الدور المصري في الأزمة الليبية.