حجب وتسريح وآخرون يُواجهون العمى بالسجون.. ماذا يريد السيسي من الصحفيين في مصر؟

حجب وتسريح وآخرون يُواجهون العمى بالسجون.. ماذا يريد السيسي من الصحفيين في مصر؟

06:30 ص

15-يوليو-2017

إلى أي اتجاهٍ تُريد السلطة في مصر أن تسير الصحافة بها؟ ولماذا كل هذا الكَمّ من التضييق؟ وإن كانت السلطة تُضيّق على الصحفيين في خارج السجون، فلماذا تترك مَن هم بداخلها يتعرَّضُون للعَمَى وربما الموت البطيء؟.

على موقع التواصل الاجتماعي "فيس بوك"، ناشدت الدكتورةُ "منار الطنطاوي" النظامَ في مصر؛ للتدخل الفوري لإنقاذ زوجها الصحفي المعتقل "هشام جعفر" من العمى، وذلك بعد أن تدهورت حالته الصحية داخل سجن "العقرب"، وبدأ العد التنازلي لـ "فقدان بصره".

وعلى نفس الموقع وفي نفس الفترة الزمنية "اضطر عشرات الصحفيين لمناشدة زملائهم العاملين في المؤسسات المختلفة أن يبحثوا لهم عن فرص عمل بعدما تم تسريحهم من المؤسسات التي يعملون بها، بعدما قامت السلطة بحجب تلك المواقع، وضغطت أمنياً على تلك المؤسسات لتسريح العاملين".

المناشدتان وإن اختلفا في المضمون إلا أنهما يُعبّران عن واقع الصحافة والصحفيين في مصر.

فالصحفيون المعتقلون باتوا يُعانون إهمالاً طبياً غير مسبوقٍ، وأصبح بعضهم مُهدّداً بالعمى وآخر بالعجز، أما الصحفيون الطّلقاء، من غير القابعين في السجون، فباتوا يتعرّضون لتضييقٍ شديدٍ في أرزاقهم، وأصبحت البطالة تستشري فيهم بعد أن أقدمت السلطة على حجب مواقعهم وممارسة ضغوط على مؤسساتهم لتسريحهم.

فإلى أي اتجاهٍ تُريد السلطة في مصر أن يسير الصحفيون؟ ولماذا كل هذا التضييق؟ وماذا سيفعل شباب الصحفيين مع انتشار البطالة الصحفية في مصر؟.

الحجب على هوى السيسي

كل الشواهد تُؤكّد أن عملية حجب المواقع الصحفية في مصر والتي طالت نحو 100 موقع، كانت بداية لحملة قوية من قبل السلطة تسعى من خلالها لمنع أي صوت معارض لتوجهات الدولة من الكتابة، كما تعمل على تسريح أكبر عدد من الصحفيين لتأديبهم بعيداً عن السجون والاعتقالات.

الحجب وإنْ بدأ في أول الأمر بنحو 21 موقعاً أغلبها مواقع لها علاقة بدولة "قطر" حسبما يرى النظام، إلا أنه استمر وتصاعد يوماً وراء يوم ليشمل كافة المواقع غير المحسوبة على السلطة، من مواقع تابعة لجماعة "الإخوان المسلمين" ومواقع تابعة للحركات اليسارية، ومواقع مستقلة، وأخرى اقتصادية، ووصل الحجب ليطال بعض المواقع التابعة للدولة ذاتها كموقع "إيجي نيوز" الذي يتبع ماسبيرو.

وبرغم مرور قرابة الشهرين على الحجب، إلا أنه وحتى اللحظة لا يعلم أحد مَن هي الجهة التي قامت بحجب تلك المواقع، وعلى أي أساس اختارتها، في ظل مباركة وتأييد من قبل نقابة الصحفيين والمجلس الأعلى للصحافة وباقي المؤسسات الصحفية في مصر.

وتُشير العديد من التحليلات إلى أن عملية حجب المواقع كانت بطلبٍ مباشرٍ من السيسي لجهات سيادية، حيث بَاتَ الرجل منزعجاً بشكلٍ كبيرٍ من الأصوات المعارضة والتي لا يرغب في سماع صوتها، خصوصاً وأنه عبَّرَ عن ذلك صراحةً في أكثر من خطاب، وأبدى استيائه من أداء وسائل الإعلام والصحافة.

ومما زاد من غضب السيسي على وسائل الإعلام والصحافة، حالة الهجوم التي وجّهت ضده بعد تنازله عن جزيرتي "تيران" و"صنافير" للملكة العربية السعودية، وهو الأمر الذي تصدَّتْ لها الصحافة المعارضة.

رغبة السيسي في إسكات صوت المعارضين لاتفاقية "تيران" و"صنافير"، تزامَن معها رغبته الشديدة في أن تمُرّ قراراته الاقتصادية الصعبة بهدوءٍ تامٍّ.

وعلى هذا الأساس فإن صانع القرار المنزعج من أصوات المعارضة لم يكن أمامه إلا أمرين: فإما أن يعتقل كل الصحفيين الذين يعملون في مؤسسات لا تسير وفقاً لهواه، أو أن يقوم يحجب تلك المواقع، فقرَّر اللجوء للحل الثاني تجنّباً فقط لانتقادات حقوق الإنسان وحرية الرأي والتعبير المتزايدة ضد السلطة منذ وصول السيسي للحكم.

حُجبت المواقع، وسكَتَ الصحفيون.. أو على الأقل لم يعد الناس قادرين على سماع صوتهم، فهدأت السلطة، وبدأت في اتخاذ قراراتها الصعبة، بدءاً من يوليو الجاري، فرفعت أسعار البنزين والكهرباء والجمارك وبعض السلع التموينية وغير ذلك.

تسريح الصحفيين

وشيئاً فشيء تصاعدتْ أزمة حجب المواقع، لتنتقل من تكميم الأفواه، إلى تسريح العاملين في مجال الصحافة، وهو على ما يبدو هدف آخر سعت إليه السلطة من خلال الحجب.

ولجأت العديد من المؤسسات التي تم حجب مواقع لها إلى تسريح عدد كبير من العاملين بها وتخفيض رواتب الآخرين؛ بسبب تراجع مشاهدات الموقع، وضغوط أمنية لم تُعلن عنها صراحة تلك المؤسسات.

"عادل صبري" - رئيس تحرير موقع "مصر العربية" - أكّد في تصريحات صحفية أنه قرَّر تسريح نصف العاملين بالموقع؛ بسبب توقف حركة العمل منذ شهرين تقريبًا، كما قرَّر تخفيض رواتب العاملين للحد الأدنى.

وأوضح "صبري" أنه اضطر للقيام بذلك؛ بسبب توقف عمل الموقع منذ فترة؛ الأمر الذي أثَّر بالسَّلْب على الظروف الاقتصادية به، ومن ثَمَّ تخفيض العمالة وتقليل الرواتب، مشيرًا إلى أنه عرض الموقع للبيع، إلا أن هناك تخوفاً من شرائه؛ بسبب الأوضاع الخاصة به وحجبه ونسب اتهامات إليه.

"جمال سلطان" - رئيس تحرير جريدة «المصريون» - صرَّح هو الآخر بأن الإدارة تدرس حالياً تقليص النفقات، وسيجرى عقد اجتماع لهيئة التحرير بحضور رؤساء الأقسام ومديري التحرير؛ لتحديد الخيارات المطروحة في سبيل تنفيذ ذلك، والاستقرار على ما سيتم اتخاذه من إجراءات.

"البديل" و"البداية" و"بوابة يناير" "ورصد" "والبورصة نيوز" "وبوابة القاهرة" و"ديلي نيوز" و"محيط" وغيرها من المواقع التي تم حجبها بدأت هي الأخرى في مراجعة أعداد الصحفيين العاملين بها، وعمل إدارة هيكلة جديدة بحسب مصادر صحفية تعمل بها؛ الأمر الذي زاد من عدد البطالة الصحفية في مصر.

المُزعج في الأمر بالنسبة للصحفيين، أن عمليات تسريح الصحفيين في مصر لم تكن بدايتها حجب المواقع، حيث تُعاني الصحافة المصرية خلال العامين الأخيرين من تسريح مئات الصحفيين المصريين من المواقع كما حدث مع صحفيي "البوابة نيوز، و"دوت مصر"، وموقع "المصري اليوم"، وبوابة "الشروق" وغيرها.

السبب المُعلَن دائماً لعمليات التسريح هو الأزمات المادية التي واجهت مُلاَّك تلك المواقع وجعلتهم غير قادرين على توفير رواتب الصحفيين، في حين أن تلك المؤسسات لا تقترب من كبار الصحفيين بها ولا من رواتبهم والذين غالبا ما يكونون أكثر انسجاماً مع توجّهات السلطة.

احذروا مصير المعتقلين

وبالتزامن مع الحجب والتسريح، طفَتْ على السطح ظاهرة أخرى، قد تُرعب الصحفيين المعارضين للسلطة، وتدفعهم للصمت أو الاتجاه للعمل في مواقع تُؤيّد السلطة وتُبارك قراراتها.

تلك الظاهرة تتمثّل في انتهاكات صعبة يتعرَّض لها الصحفيون المعتقلون، وسط تجاهل تام من قبل السلطة لتلك المعاناة، وكأنها تُباركها وتُشرف عليها.

الصحفي المعروف "هشام جعفر" - البالغ من العمر 53 عاماً والمحبوس احتياطياً منذ أكتوبر 2015 - يُعاني من مشاكل صحية متراكمة منذ فترة، إلا أن تضييقاً شديداً يتعرَّض له هذه الأيام ومنع من الزيارة والدواء، أوصله إلى شبه فقدان لبصره، وتعرُّضه لفشلٍ كلوي، وسط إضراب سابق له عن الطعام من أجل تلقّي العلاج لكن من دون جدوى.

المُثير أن استمرار "هشام جعفر" منذ حوالي 21 شهراً في الحبس الاحتياطي، لا يعرف أحد أسبابه، سوى أنه قدَّم جهوداً بحثية في مجال تعميق المجال الديمقراطي بمصر، لِتُوجّه بعدها له تُهم الانضمام لجماعة محظورة، وتلقِّي أموالاً من جهات أجنبية مقابل تقديم معلومات اعتبرتها أجهزة الأمن «تمس الأمن القومي».

"هشام جعفر" ليس وحده المُهدَّد بالعمى داخل السجن، لكن الصحفي الشاب "أسامة البشبيشي" الذي تم اعتقاله مؤخراً على خلفية اتهامه بالانضمام لجماعة محظورة، يُعاني أيضاً من تدهورٍ حَادٍّ في صحته وقصورٍ شديدٍ في النظر، وسط تعنُّت من قبل إدارة سجن "طرة" في نقله لمستشفى سجن "الليمان".

"مجدي حسين" - الصحفي المعروف ورئيس تحرير جريدة "الشعب" - يُعاني هو الآخر من تدهورٍ حَادٍّ في صحته وآلامٍ مُبرِحة بالعمود الفقري؛ نتيجة انزلاق غضروفي مُزمن ويتدهور يومياً؛ مما يُسبّب الضغط على عصب الرجل ويعيق قدرته على المشي بشكلٍ طبيعي وقد يُهدّده ذلك بالعجز، فيما لم تُفلح حتى الآن ومنذ 3 سنوات كل المناشدات المطالبة بالإفراج عنه.

وفي ظل اعتقال أكثر من نحو 100 صحفي ومُصوِّر في مصر منذ الثالث من يوليو 2013 وحتى اليوم، وتجاهل السلطة كل المناشدات الحقوقية المحلية والدولية للإفراج عنهم، باتت رسالة تعرُّض الصحفيين المعتقلين للإهمال الطبي بهذا الشكل واضحة للجميع، ومفادها: "إلى كل الصحفيين في خارج السجون.. الزموا الصمت أو سَبِّحُوا بحَمْد السلطة، وإلا مصيركم السجن والإهمال".