المعركة في سوريا «ليست حربًا أهلية» (تحرير مصطلح)

المعركة في سوريا «ليست حربًا أهلية» (تحرير مصطلح)

07:30 ص

15-يوليو-2017

كما أن استخدام مصطلح "الحرب الأهلية" في هذا المقام يكاد يساوي بين القاتل والضحية، و"ينطوي على تحدٍّ أخلاقي يشرعن في نهاية المطاف الجرائم التي يرتكبها النظام ضد الإنسانية.

يشيع في أوساط المنظمات والحكومات الغربية، وبشكل أوسع في وسائل الإعلام ومراكز الأبحاث الأجنبية، وصف النزاع السوري بأنه "حرب أهلية"، وهو المصطلح الذي يُطلَق أيضًا على ما يحدث في ليبيا واليمن وإن بكثافةٍ أقل.

المشكلة أن هذا الوصف ينطوي على "تبسيط غير دقيق يحفل بالخطورة" على حد وصف الباحثة في معهد واشنطن، حنين غدار، وقد يُستَغَلّ لإعفاء المجتمع الدولي من المسؤولية، ومنح بشار الأسد غطاءً من الشرعية، وتبرئة ذمة روسيا وإيران.

حرب على الشعب

كما أن "وصف هذا الصراع بالحرب الأهلية له تداعيات خطيرة على مستوى الإجراءات الدولية والحلول المستقبلية؛ لأنه يؤمِّن الحماية للأسد، ويعطي الانطباع أيضا بأنه نزاع محلي، الأمر الذي يمنح للقوى الغربية والمنظمات الدولية ذريعة لعدم الانحياز إلى جهة أو لأخرى، بحسب "غدار".

صحيحٌ أن "الحرب الأهلية هي إحدى الطبقات المتعددة التي يتصف بها النزاع السوري، وهناك فصائل محلية تقاتل بعضها البعض"، لكن المقال الذي نشرته صحيفة واشنطن بوست يوم 14 ديسمبر 2016 يلفت إلى حقيقة أخرى هامة هي: "أن هذه حرب يشنّها نظام الأسد وحلفاؤه على الشعب السوري".

التدخل الخارجي

كما أن التدخل الخارجي متعدد الأطراف يطرح عدة أسئلة:

- كيف يمكن حصر هذه المأساة في وصف "حرب أهلية"، برغم هذا القدر الهائل من التدخل الخارجي؟

- كيف يمكن اختزال الصراع في مصطلح "الحرب الأهلية" بينما المعارضة السورية نادرًا ما تقاتل الموالين السوريين للنظام، بل تخوض حربها ضد مقاتلين أجانب على التراب السوري؟

- أي حربٍ أهلية تلك التي تشارك فيها- بشكلٍ أو بآخر- روسيا وإيران والسعودية وتركيا والولايات المتحدة وغيرها من دول حلف الناتو؟

تحدٍ أخلاقي واختزال تاريخي

كما أن استخدام مصطلح "الحرب الأهلية" في هذا المقام يكاد يساوي بين القاتل والضحية، و"ينطوي على تحدٍّ أخلاقي يشرعن في نهاية المطاف الجرائم التي يرتكبها النظام ضد الإنسانية.

بل يختزل تاريخ سوريا الحديث الذي أوصل حافظ الأسد إلى السلطة، في ظل رفض حزب البعث والعائلة الحاكمة السماح لأي فريق آخر في سوريا بالمشاركة في الحياة السياسية".

تفسيرات مضللة

لم تكن "غدار" هي الوحيدة التي رفعت هذا المطلب، بل سبقها أستاذ التاريخ المساعد في جامعة كورنيل، مصطفى ميناوي، بمقالٍ نشره موقع ذا هيل بتاريخ 17 فبراير 2017، ركز على حقيقة أن الحرب في سوريا "صراع عسكري عالمي"، وبالتالي ليس من الدقة اختزالها في وصف "حرب أهلية".

أحد تداعيات هذا الخطأ في توصيف ما يجري هو: تحوُّل كافة الأنظار إلى تنظيم الدولة، والتركيز على هزيمته باعتباره هو المشكلة الرئيسية التي ينبغي التخلص منها. لكن "المصدر الحقيقي للمعاناة ليس داعش، بل وحشية نظام بشار الأسد" والدعم الذي يتلقاه من "الفتوة: بوتين".

يضيف المقال: "دعونا نكون واضحين بشأن المصدر الحقيقي للمشكلة، وهو: النظام السوري المدعوم من روسيا. أما بقية الأمور، بما في ذلك الأهوال التي يرتكبها داعش، هي مجرد أعراض لهذا الصراع. وإنهاء الصراع، لا يحدث ببساطة عن طريق وصف الأعراض".

يقودنا توصيف "حرب أهلية" إلى تفسير مضلل آخر هو: أن ما يحدث في سوريا صراع طائفي بين السنة والشيعة. لكن الانطلاق من هذا التفسير لشرح ما يحدث، والأخطر: لوضع حلول للأزمة ورسم خارطة للمستقبل، ينطوي على تبسيط يعفي الأطراف المعنية من المسئولية عن هذا الصراع، كما يشير الكاتب.

شهادة مجلس السلام الأمريكي

حين عاد وفد "مجلس السلام الأمريكي" من بعثة لتقصي الحقائق في سوريا كانت أحد النقاط الرئيسية التي ركزوا عليها بقوة: "ليس هناك حرب أهلية في سوريا".. هذا سرد كاذب تروج له الحكومة ووسائل الإعلام الأمريكية، حسبما رصده الكاتب الأسترالي فوغان فامولارو.

صحيحٌ أن أعضاء الوفد كانوا يقصدون أن المسلمين والمسيحيين والعلمانيين متحدين خلف الحكومة السورية والرئيس الأسد، وغير منقسمين في كفاحهم ضد "قوات المرتزقة التي غزت أراضيهم بدعم من الخارج".

لكن هذه الشهادة التي يدلي بها طرفٌ مؤيد للنظام، تمثل دليلا إضافيًا على أن المشكلة ليست في "الحرب الأهلية" ولكن في "الصراع الدولي بالوكالة" على التراب السوري، وهو ما يعضد في نهاية المطاف الرؤية التي يطرحها هذا التقرير.

رهان على وعي القارئ

"ليست حربا أهلية"، كان هذا عنوان فيلم" width="100%" height="315"> وثائقي للمخرج هيثم الحلبي، وهي أيضًا الجملة التي انتهى بها مقال واشنطن بوست المذكور آنفًا غير أنه أردف: "لن نتمكن من فهم تاريخ واستراتيجية النظام، والطبقات المختلفة من الشعب السوري، ومصالح الأطراف المتدخلة بالفعل في الصراع الجاري في تلك البلاد، ولا أهمية المساءلة، إلا عندما نتوقف عن تسمية النزاع بـ "الحرب الأهلية".

وبالتالي، يتضح أن العديد من الكتاب والباحثين، سواء المؤيدين لنظام بشار الأسد أو للمعارضة السورية، يعارضون فكرة اختزال الصراع السوري في وصف "حرب أهلية"؛ ببساطة لأنه ضار بحاضر سوريا ومستقبلها.

وفي حين لا يُتَوَقَّع أن تستجيب وسائل الإعلام الأجنبية، فتتوقف سريعًا عن استخدام هذا الوصف، ولا أن يُقلِع المحررون العرب عن الاستسهال والتقليد والنقل بلا تدقيق، يبقى الأمل معقودًا على وعي القارئ العربي أن يُبطِل ما يصنعون.