مصر بين «إرهاب» يَقتل و«داخلية» تُصفّي.. معركة مفتوحة إلى أين تتجه؟

مصر بين «إرهاب» يَقتل و«داخلية» تُصفّي.. معركة مفتوحة إلى أين تتجه؟

08:30 ص

15-يوليو-2017

فلا دولة قضت على الإرهاب، ولا جناة حقيقيين حُوكموا.. ليستمرَّ نزيف الدماء في مصر بلا توقُّف.

يستيقظون على خبر هجوم إرهابي، ثم ينامون على وقع عملية تصفية.. هكذا أصبح حال المصريين خلال الشهرين الماضيين، فبين إرهابٍ يقتل وداخليةٍ تُصفّي، باتت مصر وسط معركةٍ مفتوحةٍ لا يدري أحد إلى أين تتجه أو متى تنتهي.

أحدث تجلّيات تلك المعركة كتبتها عمليتي طعن سائحتين ألمانيتين في الغردقة، ومقتل أميني شرطة و3 مجندين في البدرشين، الجمعة 14 يوليو الجاري.

ولعل من بين السيناريوهات المطروحة بالنسبة للسلطة مستقبلًا أن تُوسّع من نطاق عمليات التصفية التي تنتهجها - تحديدًا منذ تولّي وزير الداخلية الحالي "مجدي عبد الغفار" مهام منصبه في مارس 2015 - بحق مَن تقول: إنهم متورّطون في أعمال عنف، يُعزّز من ذلك التقارير الحقوقية التي تتحدّث عن عشرات المُختفين قسريًا في مراكز الاحتجاز المختلفة.

وعلى الطريقة السيناوية، يُمكن أن تُكرّر أجهزة الأمن تجربتها في تكوين ودعم ميليشيات مسلحة لمواجهة التنظيمات والمجموعات التي تستهدفها، ربما في حروب شوارع داخل المدن لا تُحسن قوات الشرطة التعامل معها، وإنشاء ما يُمكن أن نُسمّيه جهاز استخبارات شعبي على غرار "المرشدين" لكن بتوسُّعٍ أكبر.

وكما أبناء القبائل في سيناء يملكون ميزة نسبية - رغم ضعف التسليح - عن الجيش، فهم يعلمون الطرق والمنافذ والمخابئ التي يرتكن لها تنظيم "ولاية سيناء" وغيره من المجموعات النشطة هناك، ويستطيعون الوصول لها بسهولة ومن ثَمَّ تكون قوتهم فاعلة ضد عناصره، فإن تلك المجموعات المحتملة داخل المدن والقرى ستكون أداة شبيهة ذات الفاعلية.

وعلى ذِكر سيناء، فإن المُعضلة هناك بالنسبة لأجهزة الأمن أضخم والتحديات أكبر، فنزيف الدم فيها يسيل بغزارةٍ شديدةٍ ويستهدف العديد من العناصر المتميزة في الجيش والشرطة، والمسلحون هناك أكثر عددًا وعدة وتدريبًا وينشطون في بيئةٍ خصبةٍ وجغرافيا شاسعة تُتيح لهم سهولةً في الحركة والتسليح والاستعداد والتنفيذ.

وتبدو عدّة خيارات في التعامل مع الأزمة، يُمكنها أن تتضافر بداية من التعاون مع حركة "حماس" لضبط الحدود ووقف تسلُّل العناصر المسلحة، مرورًا بزيادة التنسيق والتكامل مع القبائل لما تتمتع به من ميزةٍ سَبَق الإشارة إليها، وصولًا إلى تكثيف الضربات الاستباقية والعمليات الاستخباراتية لمواجهة المجموعات المسلحة.

في المقابل فإن التنظيمات والحركات المسلحة وأبرزها (ولاية سيناء، حسم، لواء الثورة) وغيرها أمام واقع يصعب معه استمرارها على قيد الحياة وقدرتها على توجيه الضربات؛ لذا فإن خياراتها تبقى محدودة لمواجهة الخصم.

تطوير التكتيكات والقدرات وتنويع الأهداف وزيادة الجرعة التدريبية للعناصر واقتناء أسلحة متطورة ونوعية، تبدو في طليعة الوسائل التي تُمكّن المجموعات المسلحة من الصمود في وجه الدولة، وبطبيعة الحال فإن أغلبها تُحاول المجموعات تنفيذه حاليًا.

فرصة ذهبية أخرى تلُوحُ في الأُفُق بالنسبة للحركات المسلحة، وهي استقطاب شُبّان جدد للانضواء تحت لوائها؛ استغلالًا لعاملين مهمين، أولهما: الأوضاع المعيشية الآخذة في السوء والتي تُفقد كثيرين انتماءهم وتزيد من رغبتهم في مواجهة السلطة.

العامل الثاني: الانتهاكات التي تُوثّقها منظمات حقوقية ضد الجيش والشرطة على حد سواء بحق المدنيين، والتي تشمل الاعتقالات والاختفاء القسري والتصفية الجسدية لأبرياء، وغيرها من صنوف الانتهاكات.

لكن مع اشتداد الضربات الأمنية المتلاحقة، ربما تُواجه التنظيمات شبح التشرذم والتفكُّك، إلا أن قدرتها على التجمُّع والانقسام إلى مجموعات أخرى صغيرة تبقى مرهونة بما اكتسبته من خبرات تنظيمية وحركية خلال الفترة الماضية.

هنا قد تكون فاعلية المجموعات المُتشرذمة أقوى وأكبر وأكثر اتساعًا من الكتل الكبيرة للتنظيمات الأم، وتُشكّل - إذا أحسنت إعادة ترتيب أوضاعها - صداعًا في رأس السلطة، بينما تَتحلَّل وتبقى عديمة الفائدة وتنتهي تلقائيًا إذا لم تنجح في لملمة أوراقها والانطلاق من جديد.

تبادل الأدوار وتغيير مسرح العمليات، سيناريو آخر مطروح بقوة للتنظيمات والحركات المسلحة مستقبلًا، حيث يُتيح التركيز الأمني على سيناء مثلًا للمجموعات المقاتلة هناك أن تنتقل بعملياتها إلى عُمْق البلاد، وهو ما تكرَّر خلال الفترة الماضية، والتي نجح فيها تنظيم "ولاية سيناء" في تنفيذ عملياته وسط القاهرة (الكنيسة البطرسية بالعباسية)، وفي محافظات الدلتا والوجه البحري (كنيستي طنطا والإسكندرية).

وعلى العكس، فإن تشديد القبضة الأمنية في القاهرة والمحافظات تفتح رئةً جديدةً في أماكن أخرى لا تشهد ذلك، مثل اعتداء "الغردقة" (رغم عدم ثبوت أنه إرهابي)، وحادث "البدرشين"، وكذلك حادث "رفح" الدامي.

وهكذا يكون تبادل الأدوار بين سيناء والمنتجعات السياحية على البحر الأحمر من ناحية، والقاهرة ومحافظات الدلتا والصعيد ووجه بحري من ناحية أخرى، الأمر الذي من شأنه التسبُّب في إرباكٍ شديدٍ لأجهزة الأمن، قد لا يُتيح لها مواجهةً فعّالةً على أكثر من جبهةٍ.

ألمانيا تحذر.. ومصر تتجاهل!

وعلى وقع عمليتين مسلحتين استيقظت مصر أمس الجمعة، ففي "البدرشين" قال مصدر أمني: إن أميني شرطة، و3 مجندين، قُتلوا في هجومٍ على الكمين السياحي بقرية "أبو صير"، صباح الجمعة.

وفي الغردقة قُتلت سائحتان ألمانيتان طعنًا بسكين مجهولٍ، أُلقي القبض عليه لاحقًا، فيما أُصيبتْ 4 آخرين.

تفاصيل الهجوم مثيرة للغاية، حيث أقدَم المتهم على طعن سائحتين بسكين على شاطئ قرية "ذهبية"، ثم انتقل للقرية المجاورة سباحةً، وطعَن سائحين أرميني وتشيكي، قبل أن يتمكّن أمن ونزلاء الفندق المجاور من السيطرة عليه.

اللافت أن الحادث يَكشف قصورًا أمنيًا واضحًا، ليس فقط لتمكُّن المتهم من السباحة لمسافة متوسطة بين قريتين، لكن لأن الهجوم جاء بعد ساعات من تحذير أطلقته الخارجية الألمانية لرعاياها في مصر.

الخارجية الألمانية قالت في تنبيه نشرته على موقعها الإلكتروني: "هناك احتمال متزايد لوقوع عمليات إرهابية، أو اختطاف في مصر".

التنبيه أضاف أن "هذه العمليات يمكن أن تستهدف أهدافًا أجنبية، أو مواطنين أجانب"، ومضت الخارجية قائلة: "يجب توخّي الحذر عند السفر إلى مصر، خاصة للمناطق السياحية في البحر الأحمر".

هذه الجزئية تحديدًا، بقدر ما تُثير اتهامات للسلطات المصرية بالتقاعس في مواجهة الهجمات المحتملة، بقدر ما تُثير تساؤلات عدة حول كيفية حصول ألمانيا على معلومات دقيقة إلى هذا الحَدّ، الذي استطاعت فيه تحديد المنطقة الجغرافية المشمولة بالتحذير من وقوع هجمات إرهابية.

التحذير الألماني أعاد إلى الأذهان التحذيرين اللذين أطلقتهما أمريكا لرعاياها في مصر خلال يونيو الماضي، وتحذير "إسرائيل" مارس الماضي، وما سبقها من تحذيراتٍ أطلقتها دول عدة لرعاياها من السفر إلى مصر أو تجنُّب التواجد في أماكن معينة كالمناطق الساحلية ودور العبادة.

تلك التحذيرات تُوحِي بأن مصر أصبحت مستباحة لجميع أجهزة الاستخبارات التابعة لمختلف الدول، ومُحرَّمة على أجهزتها الأمنية التي إما تفشل في الحصول على تلك المعلومات أو تتراخى في الانتباه لما يُطلَق من تحذيرات.

8 عمليات في أقل من شهرين

وبخلاف هجومي "الغردقة" و"البدرشين"، تعرَّضت قوات الجيش والشرطة في مصر خلال شهر يونيو و14 يومًا من يوليو إلى نحو 8 عمليات مسلحة، بدأت بوتيرة هادئة خلال يونيو وتسارعت بشدّة ودموية أكثر في يوليو.

الشهر الماضي، شهد هجومين أحدهما مقتل أمين شرطة برصاص مسلحين في العريش بشمال سيناء يوم 10 يونيو، والثاني مقتل ضابط شرطة وإصابة 3 مجندين في إطلاق نار على كمين بالطريق الدائري في المعادي جنوب القاهرة يوم 19 من الشهر نفسه.

أما في يوليو فكانت الوتيرة أسرع، حتى كانت الحصيلة إلى الآن 6 عمليات مسلحة في 14 يومًا فقط.

البداية كانت يوم 5 يوليو، حيث قُتل 2 من الضباط المتقاعدين وجندي، في هجوم على محطة تحصيل الرسوم بـ "العياط".

وصباح الجمعة 7 يوليو كان الحادث الأكثر دموية في مصر خلال الفترة الأخيرة، حيث قُتل وأصيب العشرات من عناصر الجيش بينهم قائد الكتيبة 103 صاعقة، في هجومٍ بسيارةٍ مُفخّخة وأسلحة رشاشة على تجمع للكتيبة جنوب مدينة "رفح" بشمال سيناء.

وفي اليوم ذاته، اغتيل ضابط برتبة ملازم أول في قطاع الأمن الوطني بمنطقة "الجبل الأصفر" في القليوبية، وبعدها بيوم واحد قُتل 2 من أفراد الشرطة وأُصيب 9 مجندين، إثر انفجار عبوة ناسفة بمدرعة في حي "الصفا" بالعريش.

تصفية 37 في شهر!

في المقابل، وعلى الجانب الآخر كان سلاح وزارة الداخلية المُشهَر في مواجهة تلك العمليات المسلحة هو التصفية الجسدية لمن تقول بيانات الوزارة: إنهم متورطون في أعمال عنف أو كانوا يُخطّطون لهجمات، بينما أفادت تقارير حقوقية بأن بعض هؤلاء كانوا مختفين قسريًا لدى أجهزة الأمن، وهو الاتهام الذي يُلاحق الداخلية في أغلب الأحيان.

وخلال الفترة من 8 إلى 12 يوليو الجاري أعلنت الداخلية تصفية 26 شخصًا في محافظات القاهرة والإسماعيلية وأسيوط والفيوم والجيزة.

كما صفّت 11 آخرين في أسيوط والجيزة والإسكندرية خلال الفترة من 20 إلى 23 يونيو الماضي فقط.

بين نارين

بين هذا وذاك تقف مصر حائرةً متخبطةً، بين تنظيمات مسلحة تتحدّى الدولة وتقول: إنها تثأر وتنتقم من جرائم السلطة وأجهزتها الأمنية بحق المصريين، وسلطة تبدو عاجزة عن مواجهة الإرهاب وتُواجه اتهامات بتصفية أبرياء تحت مزاعم ارتباطهم بالأعمال المسلحة.

فلا قضت الدولة على إرهاب تعهّدت بمواجهته ودعت المصريين إلى تحمُّل إجراءات اقتصادية غاية في الصعوبة من أجل تلك المعركة، ولا جناة حقيقيين تم تقديمهم إلى العدالة؛ ليستمر نزيف الدماء من الطرفين، مُنذرًا بدخول مصر إلى نفقٍ مُظلمٍ، بين الفعل ورد الفعل.

وفي المنتصف، تبدو الغالبية العظمى من المواطنين مطحونة بين رَحَى أزمة اقتصادية هي الأبشع في مصر منذ سنوات، ارتفعت معها أسعار السلع والخدمات الأساسية على نحو غير مسبوق، ووصل التضخم في الأسعار إلى نحو 30%.

حجم الدّين الخارجي، ارتفع بنهاية العام المالي المنتهي في يونيو 2016، إلى 55.8 مليار دولار، كما ارتفع إجمالي الدّين العام المحلي إلى 2.619 تريليون جنيه في نهاية يونيو الماضي، متجاوزًا الناتج الإجمالي المحلي.

وفي عام 2016، تراجعت إيرادات قناة السويس 3.3% إلى 5 مليار دولار مقابل 5.175 مليار في 2015، رغم إنفاق أكثر من 8 مليارات جنيه على مشروع التفريعة الجديدة للقناة.

وتوقَّف مشروع المليون ونصف المليون فدان، وبَاتَ مستقبل العاصمة الإدارية الجديدة في مَهَبّ الرِّيح، ولم تكن مليارات مؤتمر شرم الشيخ الاقتصادي إلا سرابًا.

إلى أين تتجه؟

ويبدو أن استشرافَ مستقبل مصر بشأن تلك المعركة حافلٌ بالعديد من السيناريوهات أحدها انتهاؤها بانتصار أحد الطرفين، والآخر استمرارها.

استمرار المعركة يقُود إلى اتهام السلطة إما بالعجز والفشل، أو بالتواطؤ والرغبة في اشتعال الأوضاع أكثر وأكثر.

ولعل القوة العسكرية لمصر وقدراتها الأمنية المتعاظمة، وكذا باعها الطويل في المجال المخابراتي، كلها عوامل تُضعف من سيناريو العجز، بحيث تقطع تلك القدرات الطريق على أي حديث عن عجز الدولة.

يُعزّز من هذا الطَّرح ما تحشده السلطة من قواتٍ سواء للجيش أو الشرطة، على خطوط المواجهة بمدن شمال سيناء، وما تُسخّره من إمكانات تزداد يومًا بعد يوم.

ولعل عدم منطقية السيناريو الأول تقود مباشرةً إلى السيناريو الثاني، وهو أن الدولة قادرة على دَحر الإرهاب في وقتٍ قصيرٍ لكنها غير راغبة في ذلك، وتتعمَّد إطالة أمَد الحرب إلى أقصى حَدّ.

وبمثابة الدّم الذي يجري في عروق الإنسان ولا يستطيع أن يَحيا بدونه، فإن الحرب على الإرهاب قد تَمُدّ شرايين السلطة في مصر بالدماء التي تُبقيها على العرش.

فالحالة التي خلّقها نظام ما بعد 3 يوليو 2013، والتي صدّر خلالها للشعب أنه يقود حربًا شرسة على الإرهاب، تحملُ في طيّاتها عوامل استمراره من أجل مواصلة تلك الحرب وإنقاذ البلاد منها.

تلك الحرب التي تحوّلتْ إلى فَزَّاعَة لتخويف الناس من أي شيء يُخالف الوضع الحالي بكل مَساوئه، تحت لافتة: "مش أحسن ما نبقى زي سوريا والعراق"، التي تردّدتْ بكثرة على ألسنة المسؤولين في مصر وفي مقدّمتهم الرئيس عبد الفتاح السيسي.

إذنْ فالحرب على الإرهاب وقودٌ يستمر به النظام من ناحية، ومن ناحية أخرى يَكسب به شعبية ويُخوّف الناس من أيّ بديلٍ، ويُلهيهم عن الظروف المعيشية الصعبة الإجراءات الاستثنائية المتخذة.

خيارات الطرفين!

وفي سياق الحديث عن السيناريوهات المستقبلية، فإنه من المُؤكّد أن المباحث الجنائية وقطاع الأمن الوطني بوزارة الداخلية، على وجه التحديد، سوف تنشط بقوة خلال الفترة المقبلة من أجل ضبط المزيد من المجموعات المسلحة قبل تنفيذ عملياتها.

كما ستواصل حملات الدهم والاعتقال والتصفية، في سبيل القضاء على المجموعات والتنظيمات المسلحة التي تنشط خارج سيناء؛ سعيًا لتفكيكها، مثلما كان توصيف تقارير إعلامية بشأن تعامل الداخلية وما قيل إنه نجاحها في تفكيك حركة "حسم" التي تتهمها السلطة بالتبعية لجماعة "الإخوان المسلمين" والمسؤولية عن العديد من العمليات.