جولة «تيلرسون» وأزمة الخليج.. تجميد طويل وبوابة حلحلة سعودية (تحليل)

جولة «تيلرسون» وأزمة الخليج.. تجميد طويل وبوابة حلحلة سعودية (تحليل)

06:10 ص

16-يوليو-2017

تكشف جولة وزير الخارجية الأمريكي بالخليج أن واشنطن لا تُريد تفكُّك مجلس التعاون أو تفتيته، ولا ترى مصلحة لها في ذلك، فيما تتجه الأزمة مع قطر إلى حالة من التجميد الطويل، لن يكسرها سوى تنازل السعودية تحديداً عن التصعيد، إذ تبدو أكبر الخاسرين منه على المدى الطويل.

"الحقيقة أننا بعيدون كل البعد عن الحل السياسي المرتبط بتغيير قطر لتوجهها، وفي ظل ذلك لن يتغيّر شيء، وعلينا البحث عن نَسَقٍ مختلفٍ من العلاقات"..

بهذه الكلمات لخَّصَ وزير الدولة الإماراتي "أنور قرقاش" تقييم بلاده لما أسفرت عنه جولة وزير الخارجية الأمريكي "ريكس تيلرسون" في دول الخليج لبحث أزمة مقاطعة السعودية والإمارات والبحرين لقطر.

الجولة المكوكية بدأها "تيلرسون" من الكويت، قبل أن يزور الدوحة، الثلاثاء (11 يوليو)، ثم السعودية الأربعاء (12 يوليو)، ليعود مجدداً إلى الكويت مساء اليوم نفسه، ويختتم جولته بزيارة الدوحة مرة أخرى، حيث غادرها عصر الخميس (13 يوليو) إلى واشنطن، بعدما التقى وزير الخارجية القطري "محمد بن عبد الرحمن آل ثاني" والشيخ "محمد العبد الله المبارك الصباح", وزير الدولة لشؤون مجلس الوزراء وزير الإعلام بالوكالة في الكويت -.

وأسفرت الجولة عن توقيع "تيلرسون" اتفاقاً مع نظيره القطري في مجال مكافحة الإرهاب، ما اعتبره مراقبون نجاحاً قطرياً في الخروج من مأزق وصمها بشراكة الإرهاب، ورفضاً أمريكياً للسير باتجاه التصعيد، الذي تدعو إليه السعودية والإمارات والبحرين، بالاشتراك مع مصر، وهو ما استثمره "آل ثاني" بدعوة دول المقاطعة إلى "الانضمام" إلى الاتفاقية.

وسبق لـ "القصة" تناول دلالات توقيع الاتفاق وارتباطها بردود الأفعال الخليجية ومدى تجاوبها مع دعوة وزير الخارجية القطري للاشتراك في اتفاقية موحدة لمكافحة الإرهاب، في تحليل سابق.

حصاد الجولة

ومع ختام جولة "تيلرسون" تكشَّفَت العديد من الحقائق الجديدة، أهمها أن دول المقاطعة تتمسَّك بمطالبها الـ 13 لإعادة تطبيع علاقاتها بالدوحة، ولا تقبل التوقيع على اتفاقية جديدة معها، حتى وإن كانت بمرجعية الولايات المتحدة.

العنوان الذي صدَّرَتْ به جريدة "الاتحاد" الإماراتية صفحتها الأولى، الجمعة (14 يوليو): "لا تنازل عن المطالب الـ 13"، جاء مُعبّراً عن هذا التوجُّه بوضوحٍ.

هذا يعني أن الدول الأربعة تستهدف إبقاء قطر في حالة عزلة إقليمية لأطول فترة ممكنة، وهو ما عبَّر عنه "قرقاش" صراحةً، وسبق أن توقّعه القطريون أنفسهم حينما صرَّح وزير خارجيتهم بأن دول المقاطعة طرحت مطالبها الـ 13 وهي تعلم أنها مرفوضة ولا يُمكن تنفيذها.

المطلوب إذن, وفق تصور دول المقاطعة, هو استكمال مشروع الترتيبات الإقليمية الجديدة بضمان عزل قطر تماماً عن التأثير في جوارها، فضلاً عن ما هو أبعد من ذلك.

المشروع الذي بدأت ملامحه في الوضوح مع صعود نجم ولي العهد السعودي الجديد الأمير "محمد بن سلمان بن عبد العزيز آل سعود"، وتحالفه الوثيق مع ولي العهد الإماراتي "محمد بن زايد"، وتبنِّي كل منهما لتصفية حركات الإسلام السياسي بالمنطقة وتطبيع العلاقات رسمياً مع "إسرائيل" وتعزيز دعم النظام الحاكم في مصر، يقتضي عدم التجاوب مع أي تهدئة دبلوماسية مع الدوحة، وهو ما ظهر جلياً في رد فعل الدول الأربعة على مبادرة اتفاقية (تيلرسون – آل ثاني).

موقف أمـريكا

ولذلك توقّعت مجلة "فورين أفيرز" أن يتجه الطرفان لحالة من "الشلل الدبلوماسي المتبادل"، لكن ذلك لا يصُبّ بالضرورة في مصلحة واشنطن.

فعدم الاستقرار السياسي بالمنطقة سيُمثّل بيئةً خصبةً لتكرار خلق عنف مسلح في محيطها، وربما يُؤدّي إلى الانتقال إلى "إضرار دائم" بعلاقات قطر مع جيرانها، بما يعني تفكُّك شامل لمجلس التعاون الخليجي، بما يخدم مصلحة إيران في نهاية المطاف، وليس أي طرف آخر.

من مصلحة واشنطن, وفق تحليل المجلة الأمريكية, أن تُحاول احتواء الخلاف القطري الخليجي، ولو ظاهرياً، عبر إعادة العلاقات بين الطرفين، حتى ولو في حدّها الأدنى، وإلا فإن التقاربَ القطري مع إيران مُرشّحٌ للاستمرار؛ ما سيُؤدّي لتحوّلٍ كبيرٍ في القوة بالمنطقة بعيدًا عن تحالف الولايات المتحدة والسعودية، وهذه النتيجة هي عكس ما كانت ترغب في أن تُحقّقه سياسة الحصار.

كما أن استمرار محاولات عزل قطر إقليمياً ربما يُؤدّي إلى اتجاه الدوحة إلى سحب دعمها للحفاظ على قاعدة "السيلية"، وهي مركز انطلاق القوات الأمريكية المشاركة في الحرب الدولية على تنظيم "داعش" في كل من سوريا والعراق.

من هنا جاءت تصريحات المتحدثة باسم الخارجية الأمريكية "هيذر نويرت" في موجز صحفي بواشنطن، بأن استراتيجية بلادها تعتمد على إقناع دول الخليج بالتفاوض مع بعضها "بشكلٍ مباشرٍ" لحلّ الأزمة.

ورغم أن "نويرت" اعترفت بأن الأزمة "قد تستغرق وقتاً طويلاً"، إلا أنها أبْدَتْ تفاؤلها بشأن المحادثات التي أجراها "تيلرسون" مع أطرافها.

الإخوان والسعودية

وربما يعود هذا التفاؤل إلى وجود "بوابة" يمكن العبور إلى صيغة اتفاق ما بين أطراف الأزمة، وهي "الإخوان المسلمون"، الأمر الذي اعتبرته "فورين أفيرز" مرجحاً، بما يضمن تقليل الدوحة لدعمها لهم مع استعادة العلاقات الاقتصادية مع دول مجلس التعاون الخليجي.

ولعل ذلك ما يُفسّر تصريح "تيلرسون" للصحفيين بشأن "الإخوان"، عقب إنهائه جولته الخليجية، قائلاً: "فيما يتعلّق بالإخوان المسلمين، لدينا نحن أنفسنا، الولايات المتحدة، نقاط خلاف مع هذه الأطراف فيما يتعلّق بالطريقة التي ننظر بها لأنشطتهم، كما أن هناك اختلافاً للرؤى بين هذه الأطراف حولهم، وهي أيضاً لا تختلف كثيراً من نواحٍ عديدة عن الاختلافات التي لدينا".

كما أن بعض التباينات في تفاصيل الموقف من قطر بين كل من السعودية والإمارات يُمكن أن تُمثّل بوابة أخرى لحلحلة الأزمة، خاصة في ظل مؤشرات على تخفيف الرياض لقبضة حصارها في الأيام الماضية (طالع تحليل القصة).

فـ "أبو ظبي" الحريصة على الوصول بالتصعيد مع قطر إلى أبعد مدى، لا تبدو مُتضرّرة من هذا التصعيد كما هو الحال بالنسبة للرياض، بل إن تطورات الأوضاع في اليمن تكشف أن مزيداً من التصعيد يعني مزيداً من التورُّط السعودي في أزمات جديدة ومزيداً من المكاسب الإماراتية من وراء الستار، وهو ما سبق أن تناولته "القصة" في تحليل سابق لها عن الشأن اليمني.

ولعل ذلك ما يُفسّر ما نقلته بعض وسائل الإعلام عن مصادر في وزارة الدفاع التركية بأن الوزير "فكري إشيق" اتفق مع ولي العهد السعودي على تعزيز الأنشطة والمشاريع المشتركة بين البلدين في مجالي التدريب العسكري والصناعات الدفاعية، في اتصالٍ هاتفي جرَى بينهما، الأربعاء (12 يوليو).

جموح القيادة السعودية الجديدة لا يبدو مرحَّباً به في واشنطن، بحسب المحلل السياسي البحريني الدكتور "سعيد الشهابي"، الذي يرى أن الرياض لم يكن لديها خطة بديلة في حال فشل الخطة الأولى، فبدأت بالهجوم الشرس على قطر دون أن يكون لديها البديل، وكان في اعتقادها أن هذه الضربة ستكون قاضية، وأن قطر سوف تستسلم أمامها، وهو ما لم يحدث.

فالولايات المتحدة لا تُريد تفكيك مجلس التعاون أو تفتيته، ولا تقبل خروج السعودية, في قيادتها للمجلس, عن الحدود المرسومة أمريكياً، إذ تستطيع أن تُرسّخ علاقاتها مع "إسرائيل" وتصعّد مع إيران، لا أن تُعكّر صفو العلاقات الخليجية وتتصدّى لدولة حليفة لأمريكا مثل قطر.

وربما تستخدم أمريكا وبريطانيا أوراق الضغط بحوزتها على السعودية في قادم الأيام، خاصة أن السعوديين متهمون في الداخل الأمريكي بقانون "جاستا"، الذي يسمح لعائلات ضحايا 11 سبتمبر برفع قضايا ضد المملكة وطلب تعويضات منها، وهو اتهام صريح بالإرهاب، في الوقت الذي تتهم فيه الرياضُ قطرَ بدعم هذا الإرهاب.

أما بريطانيا فلديها تقرير بنتائج تحقيق يُؤكّد أن "السعودية تُموّل مساجد ومراكز إسلامية تُفرّخ الإرهاب في بريطانيا"، والكشف عن تفاصيل هذا التقرير كفيلة بنقل دفة الاتهام بالإرهاب غرباً صوب الرياض.

ولذا فإن بداية حلحلة الأزمة الخليجية ربما تبدأ من السعودية، لكن بعد "وقت طويل" تتمكّن فيه واشنطن من تثبيت نفسها كمرجعيةٍ مباشرةٍ لخلافات دول مجلس التعاون لأول مرة، وتستفيد منه شركات السلاح بمليارات الدولارات، حصيلة صفقات مع كلا الطرفين.

وحتى بعد حلحلة الأزمة فمجلس التعاون الخليجي لن يعود كما كان، وأقصى ما يُمكن توقّعه هو مصالحةٌ ظاهريةٌ بينما تظلُّ الخلافاتُ ناراً تحت الرماد.