هل يقضي حادث الغردقة على ما تبقَّى من أمل لعودة السياحة إلى مصر؟

هل يقضي حادث الغردقة على ما تبقَّى من أمل لعودة السياحة إلى مصر؟

10:00 ص

16-يوليو-2017

لأن الحادث جاء في مدينةٍ حسَّاسةٍ وتوقيتٍ خطيرٍ، فإن كل المتابعين يُؤكّدون أن الحادثة هي طعنه قوية في قلب السياحة المصرية.

لا تكاد السياحةُ في مصر تفيقُ من صدمةٍ حتى تدخل في أخرى، وسط عجزٍ كبيرٍ من الدولة في مواجهة مشاكلها المتزايدة.

حادث الغردقة الأخير، كان كالكارثة التي حلَّتْ على السياحة في مصر، دون سابق إنذار، حيث قام شاب مجهول الهوية بطعن 6 سائحات أجنبيات بسكينٍ على شاطئ فندق بالغردقة؛ ما أسفر عن مصرع اثنتين وإصابة 4 أخريات من جنسيات أجنبية مختلفة.

الحادث في بادئ الأمر شكَّكَتْ فيه بعض المصادر الأمنية؛ نظراً لحساسيته وخطورته على وضع السياحة في مصر، إلا أن الأخبار سرعان ما انتشرت وظهرت تفاصيله بشكلٍ كاملٍ.

فماذا جرَى بالتحديد؟ وهل تُمثّل تلك الحادثة خطورة حقيقية على السياحة المصرية؟ ولماذا تضاربت الروايات الأمنية؟ وكيف سيكون شكل السياحة بعد تلك الحادثة؟.

طعن بسكين

بحسب ما نقلته الصحف المصرية فإن الأمور كانت تسير بشكلٍ اعتيادي داخل فندق "ذهبية" بالغردقة؛ وفي حوالي الواحدة ظهراً، مَرَّ المهاجم من بوابات فندق "ذهبية" كغيره من الزائرين، دفع 100 جنيه مقابل تذكرة مُخصَّصة لغير المقيمين بالفندق، تفحَّص المصطافين بطول الشاطئ المُطلّ على البحر الأحمر، ثم أخرج سلاحاً أبيض (سكين) أخفاه في بنطاله؛ ليقوم على الفور بطعن سائحتين تحملان الجنسية الألمانية في الصدر، قبل أن يلقيا حتفهما إثر الطعنات.

أربع طعنات كانت نصيب الأولى وثلاث أودت بحياة الثانية، قبل أن يُصيب المهاجم سائحةً روسية بثلاثة جروح قطعية؛ بالرأس والرقبة والصدر، حسبما يقول "أحمد يحيى" - المدير العام لمستشفى "السلام" بالغردقة -.

وعلى الفور هرَب الجاني إلى آخر حدود الشاطئ بمحاذاة فندق "صني دايز بالاسيو"، ثم نزل إلى شاطئ "صني دايز" مسرعاً ليقوم في طريقة بضرب ثلاث سائحات أخريات بسلاحه الأبيض داخل ماء البحر، لكنه لم يستطع الإفلات حيث قامت قوات الأمن بإلقاء القبض عليه في الماء.

تضارب في الروايات

مضتْ ساعات على الحادث وظلَّت الرواياتُ متضاربةً، حتى خرجت وزارة الداخلية ببيانٍ أكَّدت فيه أن الأجهزة الأمنية بمديرية أمن البحر الأحمر تمكَّنتْ من ضبط أحد الأشخاص قام بالتعدّي على عددٍ من السائحين باستخدام سلاح أبيض "سكين تم ضبطه"؛ مما أسفر عن إصابة عدد (6) سائحات من جنسيات مختلفة، وتم نقلهنّ للمستشفى لتلقّي العلاج.

الداخلية قالت: إن التحرّيات المبدئية أشارت إلى أن ذلك الشخص كان قد تسلَّلَ لشاطئ أحد الفنادق السياحية عبر السباحة من خلال شاطئ عام مجاور، وتمكَّن من الوصول لمكان تنفيذ الجريمة.

مصادر أمنية كشفتْ بعد ذلك أن منفذ الهجوم يُدعَى "عبد الرحمن شمس شعبان" من مدينة "قلين" بمحافظة "كفر الشيخ"، ويبلغ من العمر 28 عاماً، وتخرَّج من كلية التجارة جامعة الأزهر.

وعلى الفور سارعت صحف مصرية بالقول بأن منفذ الهجوم ينتمي لتنظيم الدولة "داعش"، وذلك بالرغم من عدم تَبنِّي "داعش" للعملية حتى اللحظة، فيما نقلت وكالة الأنباء الفرنسية عن مصادر في الداخلية قولها: "إن الرجل - الذي نفَّذ الهجوم على شاطئ أحد الفنادق في الغردقة ثم قفز إلى الماء لتنفيذ اعتداء آخر - اعترف باعتناقه فكر وأيديولوجية تنظيم الدولة الإسلامية "داعش"، رغم أن التنظيم لم يتبنَّ هذه العملية".

تضارب الروايات حول تلك الحادثة أرجعها مراقبون إلى حساسية المنطقة التي جرَتْ فيها العملية، حيث إن الغردقة من أهم المدن السياحية في مصر، ووصول الإرهاب إليها يعني مزيداً من الضربات لقطاع السياحي المُتردّي بالأساس.

ضربة قاضية للسياحة

ولأن توقيت الحادث جاء بالتزامن مع فصل الصيف، فإن كل المتابعين يُؤكّدون أن الحادث طعنةٌ قويةٌ في قلب السياحة المصرية.

وكالة الأنباء الفرنسية وصفت الهجوم على سياح الغردقة بأنه "ضربة قاضية" لصناعة السياحة التي تُعاني منذ سنوات.

فيما أكَّد خبراء في مجال السياحة أن الحادث سيدفع الدول - التي كانت تُفكّر في استئناف رحلاتها السياحية إلى مصر بعد توقُّف دام قرابة العامين؛ بسبب سقوط الطائرة الروسية بسيناء - إلى غلق ذلك الباب، وعدم التفكير فيه مرة أخرى، والبحث عن دول أكثر أمانًا من مصر؛ حفاظًا على مواطنيها.

ويرى مختصّون أن ألمانيا ربما ستتخذ إجراءاتٍ شديدة الحزم فيما يتعلّق بالسياحة المصرية، وربما تعمل على إجلاء رعاياها من مصر، كما فعلت روسيا سابقاً.

وتحسباً من وزارة السياحة المصرية لخطوات إلغاء الرحلات السياحة، كشف مصدر مسؤول بوزارة السياحة، أنه تم تكليف مديري المكاتب الخارجية التابعة لهيئة تنشيط السياحة، برصد ردود الأفعال لوسائل الإعلام وصُنّاع القرار السياحي بالخارج، على خلفية الحادث.

وحسب مصادر في وزارة السياحة فإنه لا يُمكن قياس رد الفعل الحادث خارجياً إلا بعد مرور 3 أيام حتى تتضح الرؤية كاملة، وتكون لدينا مؤشرات أولية يمكن البناء عليها، وتحديد آليات المعالجة على المستوى الداخلي والخارجي.

رخيصة لكنها ليست آمنة

وبالرغم من أن مصر احتلَّتْ المركز الثاني في قائمة أقل دول العالم غلاءً في مجال السفر والسياحة، وفقًا لمؤشر المنافسة في السفر والسياحة، الذي أصدره المنتدى الاقتصادي العالمي مؤخرًا، إلا أنها أيضا احتلّت العام الماضي مكانةً متأخرةً بقائمة الدول الأكثر أمنًا وسلامةً، واحتلَّت المركز 136 من إجمالي 141 دولة.

وتُعانِي مصر من انهيار كبير في قطاع السياحة منذ عزل الرئيس الأسبق "محمد مرسي" في الثالث من يوليو 2013 وحتى اليوم، إلا أن هذا الانهيار زادتْ حدّته نهاية عام 2015، بعد سقوط طائرة روسية بسيناء عقب إقلاعها من مطار "شرم الشيخ"، في حادثةٍ وُصفت بالعمل الإرهابي وتبنَّاها تنظيم الدولة "داعش".

ومنذ ذلك الحين ويُعاني قطاع السياحة المصرية بشدة من انكماش شديد بنسبة 22.7% حدث في التسعة أشهر الأولى من 2015-2016، مقابل تحقيقه نموّاً بنحو 34.6% في الفترة المناظرة للعام السابق، بحسب بيانات وزارة التخطيط.

بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء المصري أظهرت أن عدد السياح الذين زاروا مصر خلال يوليو الماضي تراجع بنسبة 41.9% مقارنة بنفس الشهر من العام 2015.

حـوادث مكررة

ويُعاني قطاع السياحة في مصر من ضرباتٍ متلاحقةٍ أدَّتْ إلى انهياره بالكلية.. ومن بين الحوادث التي أضرَّت بقطاع السياحة بعد الثالث من يوليو تفجير حافلة سياح كوريين في "طابا" في فبراير 2014؛ ما أدى لقتل سائحين كوريين وإصابة آخرين، وكذلك تفجير انتحاري نفسه في معبد "الكرنك" 2015؛ ما أسفر عن مقتل اثنين من المسلحين المهاجمين على الأقل، وإصابة جندي، وهو الحادث الذي أثار مخاوف العديد من سفارات الدول الغربية بالقاهرة.

أيضاً قُتل - في سبتمبر 2015 - 12 سائحًا مكسيكيًا بالخطأ في الصحراء الغربية على يد قوات أمن مصرية خلال قيامهم برحلة سَفَاري، وهي تُعدُّ واحدةً  من الكوارث التي قصَمَتْ ظهر قطاع السياحة المصري.

ولم يكد قطاع السياحة المصري يلتقط أنفاسه بعد واقعة مقتل السائحين المكسيكيين حتى جاء حادث سقوط طائرة روسية فوق منطقة "الحسنة" بسيناء والذي راح ضحيته 224 راكباً؛ ما زاد من أوجاع ذلك القطاع وقرَّرتْ بعدها شركات الطيران في العالم - ومنها الروسية - تغيير مسارات رحلاتها؛ لتفادي الطيران فوق الجزء الشمالي لسيناء، في خطوةٍ احترازيةٍ سبَّبتْ كارثةً كبيرةً أضرَّت بالسياحة المصرية.

وفي يناير 2016 أحبطت الأجهزة الأمنية هجوماً على فندق بالغردقة، فيما وقع في فبراير 2016 حادث "ريجيني" الإيطالي، والذي أضرَّ بسُمعة مصر السياحية أيضاً.