من ينتصر في «جزيرة الوراق»؟.. «الأهالي» أم «مطامع الحكومة ورجال الأعمال»؟

من ينتصر في «جزيرة الوراق»؟.. «الأهالي» أم «مطامع الحكومة ورجال الأعمال»؟

12:50 ص

17-يوليو-2017

مساحة الجزيرة الشاسعة وموقعها المتميز جعلها مطمعا للحكومة ورجال الأعمال على طول الوقت، فمن ينتصر في معركة الأرض .. الأهالي أم الحكومة ورجال الأعمال؟

كر وفر واشتباكات أسفرت عن مقتل وإصابة العشرات، من سكان وأهالي "جزيرة الوراق بالجيزة" وذلك أثناء قيام قوات الشرطة والجيش بحاصر الجزيرة منذ الساعات الأولى من صباح الأحد 16 يوليو 2013 لتنفيذ قرارات إزالة تعديات  على الجزيرة.

"مظلومون" أم "معتدون" تساؤلات لم تتوقف على مواقع التواصل الاجتماعي، منذ اشتعال الاشتباكات بين الأهالي وقوات الأمن، لتعيد الواقعة إلى الأذهان مشاهد مشابهه جرت مع سكان مناطق مختلفة كتهجير أهالي رفح وسكان جزيرة الصيادين بدمياط ومثلث ماسبيرو بالقاهرة، ومنطقة زين العابدين بالسيدة زينب وغيرها من الأماكن.

فما هي التفاصيل الحقيقة لما يجري في جزيرة الوراق؟ وهل للأهالي أحقية في تلك الأرض والمباني؟ ولماذا تسعى الحكومة لإخلاء الجزيرة؟ وما علاقة رجال الأعمال بذلك؟

القـصة من البداية

أزمة جزيرة الوراق ليست وليدة هذه الفترة فحسب، بل ترجع لحكومات سابقة، منذ أن أصدر الدكتور عاطف عبيد رئيس الوزراء في عهد مبارك، قراراً بتحويل جزيرتي الوراق والدهب إلى منافع عامة، الأمر الذي دفع الأهالي لرفع دعوى قضائية حصلوا فيها على حكم عام 2002 بأحقيتهم في الأرض.

وبمرور الوقت واصل سكان الجزيرة في العيش في حالة صراع مع الحكومات المتعاقبة، لإثبات أحقيتهم في منازلهم، الذين توارثوها أبا عن جد.

الحكومة تدعي دائما أن الأهالي استولوا على تلك الأراضي بوضع اليد، وأن لها الأحقية في استردادها، وإقامة مشاريع استثمارية وسياحية عليها، بينما يرى الأهالي أن تلك الأراضي ملكهم وملك لأولادهم من بعدهم وأن لديهم ما يثبت ذلك.

ويبلغ عدد سكان جزيرة الوراق حوالي 90 ألف مواطن، وتمتد الجزيرة على مساحة 1600 فدان، وتعد هي الأكبر مساحة من بين 255 جزيرة على مستوى الجمهورية.

وكانت  الجزيرة تشتهر قديماً بالزراعة حتى تحولت إلى كتلة سكنية، ويعتمد سكانها على الزراعة والصيد كمصدر دخل رئيسى لهم، بينما تعد العبارة هي وسيلة ربطهم بالحياة حيث يعبرون بها إلى ضفاف النيل.

مـطمع

توسط الجزيرة في قلب مياه النيل، وموقعها المتمير، جعلها مطمعا للحكومة ورجال الأعمال على طول الوقت، وجعل الحكومات المتعاقبة على مصر تنظر إليها نظرة الطامع.

ورغم أن الحكومة وفقا لسندات الملكية الموجودة مع الأهالي لا تملك من أرض الجزيرة سوى 60 فداناً فقط تعد أملاكا للدولة، منها 30 فدانا تابعة لوزارة الأوقاف، وأن نسبة التعديات عليها قليلة، فإن الأهالي أكدوا أن الحكومة لا تنوي فقط إزالة التعديات لكنها ستتخذها ذريعة لإخلاء الجزيرة بالكامل.

وكغيرها من المشاريع الاستثمارية التي كانت تصب فقط في صالح رجال الأعمال، أجهضت ثورة 25 يناير 2011، محاولات من بعض رجال الأعمال، لإخلاء الجزيرة من الأهالي؛ لإقامة منتجع استثماري سياحي عليها، وجاءت الثورة وأوقفت كل شيء، وظن الأهالي أن الأمور قد استقرت لهم.

لكن الأزمة بدأت مع وصول الرئيس عبد الفتاح السيسي لسدة الحكم، وتحديدا حينما ألمح في أحد مؤتمراته إلى الجزيرة وأن سكانها تعدوا على أرض أملاك دولة، وأنها تحولت إلى منطقة عشوائية، تصرف مخلفاتها فى النيل، وأنها تعتبر من المحميات الطبيعية وفقاً لقرار الدكتور كمال الجنزوري.

السيسي وجه وقتها المهندس شريف إسماعيل رئيس الحكومة إلى ضرورة أن تكون أولوية للحكومة في التعامل معها، وأن يكون هناك مخطط لتطويرها، ودخول رجال الأعمال فيها لتحويلها إلى منطقة استثمارية.

في أبريل الماضي نفذت وزارة الموارد المائية والرى، حملة إزالات موسعة ومفاجئة على البر الشرقى لجزيرة الوراق، وتضمنت الإزالات نحو 12 منزلاً.

الأهالي تصدوا وقتها لحملة الإزالات، لكنها سرعان ما توقفت من قبل الحكومة، واليوم فوجئ الأهالي بعودة من جديدة لقوات الجيش والشرطة في محاصرة الجزيرة، بهدف هدم عشرات المنازل التي قالت الحكومة إنها ضمن إطار التعديات على الدولة.

بعد حديث الرئيس السيسي عن الجزيرة، وجد من كانوا يريدون الجزيرة قبل الثورة ضالتهم، وتوجه بعض النواب الحاليين للأهالي، زاعمين أنهم توجهوا لحل مشكلاتهم، ولكن الحقيقة أنهم بدأوا مشوار إقناعهم بترك الجزيرة، وإخلائها؛ أملًا في إحياء المشروع الاستثماري الذي أجهضته ثورة يناير 2011.

محور روض الفرج

معاناة أهالي جزيرة الوراق، لم تكن فقط في مطامع الحكومة ورجال الأعمال في أراضيهم وبيوتهم، لكنهم فوجئوا أيضا في 2015،  برياح لم تشتهيها سفنهم، حين قررت الحكومة تحويل مسار كوبري محور روض الفرج ليمر من فوق الجزيرة وهو ما تطلب تبوير عشرات الأفدنة من أراضي الجزيرة وبعض منازل الأهالي.

الحكومة من جهتها قالت إنها عوضت كل المتضررين من محور روض الفرج تعويضا مناسبا، وأنها خصصت 3 مليار جنيه للمتضررين، لكن الأهالي أكدوا أن التعويضات كانت قليلة بالنسبة للخسائر التي لحقت بهم، وأن الحكومة كعادتها استخدمت معهم منطق القوة الجبرية في الاستيلاء على أراضيهم.

أزمة ثقة

 الأزمة الكبرى في عملية تهجير أهالي "جزيرة الوراق" هي في الثقة المنعدمة بين المواطن والحكومة، حيث يعبر الأهالي دائما عن تخوفهم من تلاعب الحكومة والمستثمرين ورجال الأعمال بهم إذا ما قرروا الاستسلام لقرارات الإخلاء والهدم، مؤكدين أن الدولة لن تعوضهم شيئا وستتركهم في العراء.

ما يؤكد تلك المخاوف والشكوك هي التجارب السابقة الخاصة بتطوير العشوائيات في مصر، حيث لا تتوقف الاحتجاجات بين الحين والآخر لمواطنين أخلت الدولة أراضيهم بالقوة وهدمت منازلهم بحجة التطوير أحيانا وبدافع استرداد أراضي الدولة أحيانا أخرى ثم ما تلبث أن تتركهم في العراء بلا مأوى.

سكان منطقة "منشأة ناصر" وسكان منطقة الدويقة، وسكان وأهالي عشوائيات عزبة الصفيح بمحافظة السويس، وغيرهم كثيرون لا يزالون يعانون المرار في البحث عن وحدات سكنية آمنة، بعد أن قامو بتسليم بيوتهم وعششهم التي كانوا يسكنون فيها للدولة، على وعد أنها ستقوم بتطويرها وتسليم وحدات سكنية آمنة لهم.

ربما كانت أزمة الثقة تلك هي سبب أساسي في الاشتباكات التي اندلعت اليوم بين الأهالي وقوات الجيش والشرطة التي كانت تهدم عددا من منازلهم ما أسفر عن مقتل مواطن وإصابة العشرات بالاختناق جراء إلقاء قنابل الغاز.

وخلال تشييع جثمان الشاب «سيد حسن على الجيزاوي»، طاف الأهالي به عبر شوارع الجزيرة مرددين هتافات «بالروح بالدم نفديك يا شهيد»، و«لا إله إلا الله الشهيد حبيب الله»، إلا أن الهتاف الأغرب على الإطلاق كان في قولهم " "اقتل واحد اقتل مية .. الجزيرة دي مصرية".

هتاف الأهالي كشف عن قناعتهم بان الحكومة قد تبيع أراضيهم للمستثمرين ورجال الأعمال في مقابل ملايين ومليارات تضخ في خزينة الحكومة، وربما في صندوق تحيا مصر الذي يشرف عليه الرئيس عبد الفتاح السيسي.