غموض «الغردقة والقديسين».. محاولة تعتيم؟ أم إدارة بالمؤامرة؟ (تحليل)

غموض «الغردقة والقديسين».. محاولة تعتيم؟ أم إدارة بالمؤامرة؟ (تحليل)

05:05 ص

17-يوليو-2017

حالة من الغموض المريب تغلف تفاصيل حادث الهجوم على السائحات في الغردقة، وسط تعتيم من جانب السلطات الأمنية، يراه مراقبون محاولة للمداراة على واقع الإهمال الجسيم، ويفسره آخرون في إطار "نظرية المؤامرة".

"إهمال جسيم يحوطه غموض مريب".. هكذا يمكن وصف ما جرى خلال الـ 48 ساعة الماضية بعدما أقدم شاب يدعى "عبد الرحمن شمس شعبان كوارة" على طعن سائحتين في أحد المنتجعات في الغردقة، بمحافظة البحر الأحمر.

فعلى مدار يومين كاملين لم تقدم السلطات المصرية أي إفادة رسمية بتفاصيل الحادث، وسط تضارب الروايات الواردة في وسائل الإعلام بشأنه، كما لم تعلن النيابة العامة عن وصولها لأي معلومات، بل ذكرت أنها لم تبدأ التحقيقات بعد.

سبق الحادث بيوم الواحد تحذير ألمانيا لرعاياها من السفر إلى مصر لتحصل سلطاتها على معلومات ترجح شن هجوم إرهابي على السائحين، وللمفارقة تبين أن القتيلتين، ضحية الاعتداء، تحملان الجنسية الألمانية.

ويمثل هذا التحذير بداية طرف الخيط في تتبع حالة إهمال جسيم، ترقى إلى حد الجريمة، بكافة مؤسسات الدولة المصرية إزاء احتمال حدوث مصاب جلل بهذا الحجم.

إهمال جسيم

فوزارة الخارجية لم تتفاعل مع التحذير بأي قدر من الجدية عبر سفاراتها وقنصلياتها بأوروبا، وهو خمول بات معهودا لأداء الدبلوماسية المصرية.

أما الجهات المخابراتية، فانغمست مؤخرا في دهاليز معلومات الأمن السياسي، خاصة بعد تصعيد قضية تيران وصنافير إلى واجهة اهتمام الرأي العام، حيث استهلكت جزءا معتبرا من جهودها في تتبع شباب التيارات السياسية المعارضة والصحفيين ممن يدافعون عن مصرية الجزيرتين، وبدا أن استعدادها لما حذرت منه ألمانيا لم يكن حاضرا.

وواصلت الجهات الأمنية أداءها الضعيف، عبر تنسيق كمائن غير معدة بشكل جيد، ومرتكزات ثابتة، اختفت من العالم كله تقريبا، وهو ما يعرض الجنود للاستهداف بسهولة، وهو ما حدث فعلا في ذات اليوم، وتحديدا في البدرشين، بمحافظة الجيزة، عندما قتل مسلحون 5 من أفراد الأمن بعدما نصبوا "كمينا للكمين".

مقطع الفيديو التي عرضتها وسائل الإعلام المصرية، الموالية للسلطة الحاكمة، والتقطتها كاميرا مراقبة "غير أمنية" تكشف أداء بالغ السوء لقوات الشرطة، وهو ما يراه مراقبون نموذجا مكررا لما يجري في شمال سيناء، ما يؤدي إلى تكرار مقتل عشرات الجنود على يد مسلحين هناك.

وفي حادث الغردقة ارتبطت الخيبة الأمنية بمشاهد عدة، أولها حالة الغياب التام للوجود الأمني التابع للدولة داخل المنتجع الذي وقعت فيه الحادثة، أو حتى بالقرب منه، إذ لم يتصدى للمهاجم سوى أفراد الأمن التابعين لفندق المنتجع، حيث ألقوا القبض عليه ثم استدعوا الشرطة.

كما أن خط سير المهاجم من موقعي الهجوم (من الشاطئ العام إلى شاطئ المنتجع) يكشف عن إهمال آخر، يتمثل في عدم وجود فاصل بين الشاطئين، ولذا استطاع الهرب فعلا من الموقع الأول ليكمل جريمته في الثاني.

وبعد تنفيذ الجريمة ومقتل سائحتين وإصابة 4 آخرين، انتبهت الجهات الأمنية أخيرا إلى الثغرة لتقرر إغلاق شاطئ رقم 5، المجاور للمنتجع، ووضعت لافتة على بابه كتبت عليها: "إغلاق الشاطئ بدءاً من 15 يوليو ولمدة 5 أيام لرفع كفاءة الشارع".

ويرى مراقبون أن هذا الأداء الأمني المترهل هو ما يدفع السلطات لمحاولة التعمية على الحادث وإحاطته بغلاف من الغموض المتعمد، فيما يرى آخرون أن حالة الغموض معبرة عن فشل آخر في تتبع أثر الجريمة، وكلا الرأيين لا تدعمه معلومات موثقة حتى الآن.

أسئلة حائرة

ويرتبط الغموض بوجود العديد من الأسئلة حول الجريمة بلا إجابة من السلطات، ومنها: لماذا اقتصر اعتداء المهاجم على السائحات دون السائحين؟ وإذا كان إرهابيا منتميا لداعش فلماذا لم يستخدم وسائل التفجير والأسلحة المتعارف عليها لدى التنظيم المتطرف في عمليات سابقة خاصة أنه استطاع تهريبها إلى قلب القاهرة نفسها من قبل؟ لماذا ينفذ هكذا هجوم باستخدام سكين؟ ولماذا لم يواصل الهجوم إذا كان "انتحاريا" يحاول استنساخ نموذج هجمات باريس مثلا؟

كلها أسئلة بلا إجابات، الأمر الذي دفع وسائل الإعلام إلى محاولة الوصول إلى المعلومة عبر "مصادر لا تذكر صفتها" أو عبر شهود عيان، دون ذكر هويتهم، ما أفضى إلى حالة من تضارب الروايات بشأن الحادثة.

الغريب أن أغلب هذه الوسائل محسوبة على تأييد النظام الحاكم في مصر، ولها صلات نافذة بـ "الأجهزة"، لكنها نقلت الخبر بعد دقائق من وقوع الهجوم عن "مصدر أمني"، ومفاده أن سائحتين "أوكرانيتين" لقيتا مصرعهما طعنا على يد المهاجم، فيما أفادت وسائل إعلام غربية بالجنسية الحقيقية للسائحتين، وهو ما أكدته وزارة الخارجية الألمانية فيما بعد.

أما تفاصيل الحادث، فرواها الإعلامي، المقرب من رئاسة الجمهورية، عمرو أديب، قائلا إن الشاب، الذي طعن السائحات في الغردقة من محافظة كفر الشيخ ويدرس في جامعة الأزهر ويجيد الألمانية.

الشاب الأزهري، بحسب أديب، تحدث مع ضحاياه قبل أن يقتلهم، فيما قال للمصريين أثناء تنفيذ الجريمة: "مش عايز مصريين ابعدوا عنى!"، مشيرًا إلى أن القتل بالسكين أصبح طريقة معتادة لأعضاء تنظيم داعش.

وباستثناء الجزء الخاص بحديث المهاجم إلى المصريين، فإن رواية أديب تتفق مع ما ذهبت إليه أغلب وسائل الإعلام الغربية، حيث رجحت وقوف داعش وراء الهجوم.

لكن بقاء الأسئلة، سالفة الذكر، بلا إجابات، تقدمها أي إفادة رسمية، دفع وسائل إعلام مصرية إلى نقل شهادات عن من وصفتهم "بشهود العيان" تضمنت تأكيدات بإجراء المهاجم اتصالات هاتفية بعد تنفيذه للجريمة !

بيان النيابة

وأمام هذه الفوضى المعلوماتية، أكدت النيابة المصرية أن دوافع الجريمة "لم تتضح طبيعتها أو دوافعها حتى الآن" ودعت وسائل الإعلام، إلى التوقف عن اللجوء إلى التكهنات والاستنتاجات أو استباق نتائج التحقيقات "التي لم تبدأ بعد".

وذكرت النيابة، في بيان صحفي، السبت (15 يوليو)، أن الأجهزة المختصة تحقق مع المرتكب، للوقوف على هويته وانتماءاته، مشيرة إلى أنه لم يثبت لها، أي توصيف للعمل الذي أقدم الجاني على ارتكابه، سواء أكان عملا فرديا أو حادثا جنائيا أو عملا إرهابيا أو غير ذلك.

هذا يعني أن رواية "الهجوم الداعشي" لازالت محل شك، وهو ما ألمح إليه محمد عبده، عضو لجنة السياحة بمجلس النواب، خلال مداخلة هاتفية في برنامج "بتوقيت جمهورية مصر"، على "التليفزيون العربي"، قائلا إن المهاجم "ربما يكون مصابًا بأمراض نفسية دعته إلى قتل السائحات ويترك السائحين، وربما يكون مختل عقليا، أو لديه عقدة من الستات".

وبهذا التحليل يرجح "عبده" أن يكون هجوم الغردقة "حادثا فرديا يحدث في كل دول العالم" حسب تعبيره، وهو ما لم ينفه بيان النيابة، ليظل احتمالا قائما.

فلماذا جزم أديب بوقوف داعش وراء الهجوم إذن وهو الإعلامي صاحب الصلات النافذة بالجهات الأمنية؟ سؤال آخر بلا إجابة.

وبإضافة أن هجوم الغردقة جاء بعد يوم واحد من إعلان الكنائس القبطية في مصر، إلغاء الرحلات والمؤتمرات الصيفية حتى نهاية أغسطس المقبل، لأول مرة منذ سنوات، بناء على مخاوف أمنية ترجح احتمالات شن هجمات إرهابية، يمكن استنتاج حضور المعلومات، التي حذرت منها الخارجية الألمانية، لدى الأجهزة الأمنية المصرية على الأرجح، لكن من دون قدرة على إجهاض الهجمات الإرهابية المتوقعة.

هجوم القديسين

وزادت حالة الغموض تعقيدا بإعلان القبض على شخص هاجم حارسا بسكين وأصابه بجروح في رقبته بعد أن منعه من دخول كنيسة القديسين" في محافظة الاسكندرية، السبت (15 يوليو).

الحارس قاوم المهاجم، وهو شاب يدعى عادل عبدالله، بحسب وسائل الإعلام المحلية، وساعده آخرون في السيطرة عليه، ليتم القبض عليه واستجوابه، حسبما أفاد "مصدر أمني".

بينما كشفت التحقيقات الأولية عن مفاجأة، وهي أن مرتكب جريمة الطعن "غير متزن عقليا" في الوقت الذي نشرت فيه مواقع إخبارية صورا للحظة الاعتداء على حارس الكنيسة، اقتراب المعتدي من حارس الكنيسة ومباغتته وهو جالس وضربه في وجهه.

مفارقة استهداف الهجوم لـ "القديسين" مع إعلان "عدم الاتزان العقلي" لمرتكبه، تعيد إلى الأذهان تفاصيل التفجير الدامي للكنيسة في عهد الرئيس الأسبق، حسني مبارك، لتوجه نيابة أمن الدولة العليا طوارئ الاتهام، بعد ثورة يناير، إلى وزير الداخلية آنذاك، حبيب العادلي.

لا دليل على نظرية المؤامرة في تحليل تلاحق الأحداث، لكن بقاء الأسئلة بلا إجابات وحالة الغموض المريب حول هجوم الغردقة والقديسين يفتحان الاحتمالات مجددا حول تورط "جهات مخابراتية"، خارجية أو داخلية، أو "أجنحة نافذة بالدولة" في هكذا هجمات.

ولعل في مقارنة هجوم البدرشين بما جرى في الغردقة والإسكندرية مقاربة يمكن الاستناد إليها في محاولة الوصول إلى فك لشفر الألغاز التي تفرضها حالة التعتيم المتعمدة، بحسب مراقبين يرون أنه لا يمكن تصور أن من نفذ الأول يقف وراء الثاني والثالث.