رد الحق وأملاك الدولة وقرارات سيادية.. تعددت أسباب السيسي و«بيع الأراضي» واحد (رصد وتحليل)

رد الحق وأملاك الدولة وقرارات سيادية.. تعددت أسباب السيسي و«بيع الأراضي» واحد (رصد وتحليل)

08:18 ص

17-يوليو-2017

ربما لا يرهق السيسي نفسه في البحث عن مبررات لبيع أراضي مصر، فإن لم يكن قرارًا سياديًا، فاستعادة أملاك الدولة بالقوة أو حتى رد الحقوق لـ "أصحابها".

"رددنا الحقوق لأصحابها".. "محدش يمد إيده ويقول الأرض دي بتاعتي.. مصر مش طابونة".. "قرار جمهوري بتمليك أرض لأجنبي".. صيغ مختلفة لعبارات وردت على لسان الرئيس عبدالفتاح السيسي أو قرارات مُهرت بتوقيعه، إلا أن القاسم المشترك بينها جميعًا هو بيع أراضي مصر.

تلك العبارات شكلت، ما يمكن أن نسميه "مبررات" متنوعة ساقها النظام من أجل إقناع الرأي العام بما يتخذ من قرارات، تتضمن تنازلًا عن أراض مصرية تحديًا لأحكام القضاء مثلما حدث في جزيرتي تيران وصنافير، أو تهجير بقوة السلاح لأهالي عاشوا في أراضيهم عشرات السنين مثلما تشهد جزيرة الوراق المهددة بمصير الجزيرتين، أو حتى قرارات سيادية لرئيس الجمهورية بمعاملة أجانب كالمصريين لتمليكهم أراض متميزة كما حدث مع ملك البحرين مؤخرًا.

الحق عاد لأصحابه

ففي آخر أيام شهر رمضان الماضي، وبالتزامن مع احتفال المصريين برؤية هلال عيد الفطر، زف السيسي للمواطنين، بشرى التنازل عن جزيرتي تيران وصنافير للسعودية بتصديقه على اتفاقية ترسيم الحدود، في توقيت أثار بحد ذاته جدلًا واسعًا موازٍ للجدل الذي سببته الاتفاقية ذاتها.

السيسي استبق مصادقته على تسليم الجزيرتين إلى المملكة بأيام، بتقديم مبرر واضح وإجابة أراد منها إنهاء الجدل بشأن القضية، حينما قال في حفل" width="100%" height="315"> إفطار الأسرة المصرية: "رجعنا الحق لأصحابه والموضوع خلص".

ورغم الحكم القضائي النهائي من المحكمة الإدارية العليا بمصرية الجزيرتين وما قُدم في حيثياته من مستندات ودلائل دامغة، إلا أن السيسي أصر على تأكيد عدم تفريطه في ذرة تراب من أرض مصر، وكأن "على راسه بطحة" بالتعبير الشعبي.

ويبدو أن السلطة تمكنت من امتصاص الصدمة التي أحدثتها الأزمة، إلى حد اختفت معه حتى الحملات الداعية إلى التمسك بمصرية الجزيرتين، لكن أحداث جزيرة الوراق، أحيت القضية، وجددت الحديث حولها.

إخلاء جزر النيل بالقوة

استعادة أملاك الدولة وإزالة التعديات والضرب على المخالفين.. شعار ثان رفعته السلطة في طريق تخطيطها لبيع أراضي الدولة، وطبقته بالقوة في محاولتها تهجير أهالي جزيرة الوراق بالجيزة، الأحد 16 يوليو الجاري.

القصة بدأت في 7 يونيو الماضي، عندما ألمح السيسي إلى الجزيرة في خضم حديثه" width="100%" height="315"> عن ضرورة إخلاء جزر نهر النيل طبقًا للقانون، قائلًا: "في جزيرة موجودة وسط النيل مساحتها أكتر من 1250 فدان مش هقول اسمها وابتدت العشوائيات تبقى وسطها..".

بعدها بأيام كشفت مصادر حكومية أن السيسي كلف وزارة الإسكان وهيئة التخطيط العمراني بإعادة إحياء مخطط تطوير الجزر النيلية الذى تم إعداده عام 2010، على أن تكون البداية جزيرة الوراق بالجيزة، بحيث تصبح مركزًا كبيرًا للمال والأعمال.

تلك التوجيهات قالت تقارير إعلامية إنها بداية مشروع حكومي لإخلاء بعض الجزر ذات المواقع المميزة من سكانها ومنح الأراضي لمستثمرين مصريين وعرب بعد توحيد ولاية التصرف في هذه الأراضي لصالح وزارة الإسكان أو الجيش.

الوراق ليست الجزيرة الوحيدة على النيل الصالحة للاستغلال السكني والسياحي، بل واحدة من 81 جزيرة أبرزها بجانب الوراق جزر: الدهب، القرصاية، محمد، وبين البحرين.

ويبدو أن جزيرة الوراق ليست إلا أولى المحاولات الحكومية لتهجيرها بالقوة بل ستتبعها محاولات أخرى، رغم وجود فوارق شاسعة بين المعتدين على أراضي الدولة والمواطنين المقيمين في هذه الجزر، حتى وإن كانوا مخالفين، فالنسبة الأكبر منهم ولدوا على هذه الأرض، ولا يعرفون غيرها وطنًا ولا يتقنون إلا المهن المرتبطة بطبيعة هذه الجزر، كزراعة الأنواع البسيطة والرخيصة من الخضروات أو الصيد النهري.

ثمة خطة جديدة، بحسب التقرير، يسعى السيسي من خلالها إلى تجنب سيناريوهات جزيرة القرصاية وفشل الدولة في الاستيلاء عليها، وتجنب الصراع بين الجيش من جهة ورجال الأعمال من جهة أخرى.

الخطة تقوم على إدخال الجيش كعنصر رئيسي في إدارة وتأجير أراضي الجزر التي سيتم إخلاؤها، وفي الوقت نفسه استهداف تأجيرها (وليس بيعها) لرجال الأعمال لمصلحة الجيش أو وزارتي الري والإسكان، وذلك حسب الاتفاق بين الجهات الثلاث على تقسيم الأراضي بينها.

رجال الأعمال أو المستثمرين يرجح أن يكونوا من دول خليجية مثل السعودية والإمارات، استكمالًا لرد الجميل الذي يقوم به السيسي للدول التي ساندت نظام ما بعد 3 يوليو 2013 بكل قوة.

ولعل المبرر الجاهز أيضًا في تلك الحالة كان الحرب التي أعلنها السيسي على التعديات على أراضي الدولة، وما تبعته من حملة إعلامية في وسائل إعلام تابعة للسلطة بضرورة استعادة هيبة الدولة في هذا الملف.

هيبة الدولة "عوراء"

اللافت أن الدولة مارست هيبتها على فئة دون أخرى، فالبسطاء الذين لم يخالفوا القانون بالمعنى الحرفي للكلمة ولم يعتدوا على أراضي الدولة، تسير إليهم قوات الجيش والشرطة ويدخلون في اشتبكات يسقط خلالها ضحايا.

أما على الجانب الآخر، نجد "الكبار" يستولون في صمت على آلاف الأفدنة من أفضل وأجود الأراضي، دون أن تتذكر الدولة أن لها هيبة يجب أن تستعيدها من هؤلاء وكأن "على راسهم ريشة".

الجهاز المركزى للمحاسبات، كشف في أحدث تقاريره، أن تخصيص أراض بالحزام الأخضر بمدينة 6 أكتوبر، لشركة 6 أكتوبر الزراعية، وآخرين معظمهم أعضاء بالهيئات القضائية والشرطة، ترتب عليه أضرارًا لحقت بالمال العام بلغت قيمتها نحو 2مليار و888 مليون جنيه.

وبحسب تقرير إدارة مراقبة حسابات هيئة التخطيط العمراني والمجتمعات العمرانية بالجهاز، فإن الهيئة خصصت مساحة 15614 فدانًا، منها 9314 فدانًا لصالح شركة 6 أكتوبر الزراعية و2200 فدان لأعضاء نادى القضاة، و900 فدان لرجال النيابة العامة، و300 فدان لصندوق الخدمات الاجتماعية للعاملين بالمحكمة الدستورية، بجانب تخصيص أراضٍ لضباط قطاع الأمن الوطنى بالقاهرة والجيزة تصل لـ2900 فدان.

عدد القضاة الذين خالفوا الإجراءات القانونية في أراضي الحزام الأخضر بلغ نحو 38 مستشارًا، ورئيس محكمة، وأعضاء من النيابة العامة، وأعضاء بمحكمتي النقض والاستئناف، ونادي القضاة، والمحكمة الدستورية العليا.

قرارات سيادية.. ونصيب الأسد للجيش

القرارات السيادية الصادرة من السيسي شخصيًا كانت وسيلة أخرى، لجأت السلطة خلالها إلى بيع الأراضي أو التنازل عنها، لمستثمرين أجانب.

من محمية السعودي عبدالرحمن الشربتلي في نبق بجنوب سيناء، مرورًا بأراضي "حمود الصالح" على طريق مصر إسكندرية الصراوي، وصولًا إلى تفصيل قرار على مقاس ملك البحرين لتمليكه أراضي ومباني 3 فيلات بمنطقة خليج نعمة بشرم الشيخ، تعددت حالات بيع أراضي الدولة لمستثمرين أجانب بمليارات لا يرى المواطن منها شيئًا.

الجيش لم يكن له فقط نصيب في تلك "التقسيمة" لكنه حاز نصيب الأسد، فقد أصدر السيسي منذ توليه السلطة 9 قرارات جمهورية بتخصيص أراضي لصالح الجيش في العديد من محافظات الجمهورية.

بين إنشاء التجمعات العمرانية والاستزراع السمكي، والاستصلاح الزراعي، واعتبارها مناطق استراتيجية ذات أهمية عسكرية، تنوعت مبررات القرارات الجمهورية التي خُصصت بموجبها مساحات شاسعة من الأراضي لصالح الجيش.