بعد اعتقال شقيقه.. هل اقترب «انقلاب» الحرس الثوري على «روحاني»؟ (قراءة)

بعد اعتقال شقيقه.. هل اقترب «انقلاب» الحرس الثوري على «روحاني»؟ (قراءة)

10:30 ص

19-يوليو-2017

العرب مشغولون بأزمة قطر، بين مُؤيّدٍ ومُعارضٍ، بينما تُبدِي مراكز الأبحاث "الإسرائيلية" اهتماماً خاصاً بمعركة تكسير عظام تدور رحاها حالياً بين مؤسسة الرئاسة ومعسكر الإصلاحيين من جانب، والحرس الثوري ومعسكر المحافظين من جانبٍ آخر.

"تكسير عظام".. هكذا يصف مراقبو الشأن الإيراني السجال الدائر حالياً بين الرئيس الإيراني "حسن روحاني" وحكومته من جانب، ومنظومة الحرس الثوري ومن خلفها المؤسستين الدينية والقضائية من جانبٍ آخر.

الطرف الأول يُمثّله تيار الإصلاحيين، الذي حقَّق فوزاً ساحقاً بانتخابات الرئاسة الأخيرة، ومن ثَمَّ باتت الحكومة في صفّه، إضافة إلى قطاع من وسائل الإعلام المعارضة لهيمنة المحافظين على المجال العام.

أما الطرف الثاني فيُمثّله تيار المحافظين، ويتزعّمه المرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية "علي خامنئي"، وهو التيار الذي مُنِي بهزائم انتخابية متتالية بعد التدهور الاقتصادي الكبير الذي خلّفته تجربة الرئيس الإيراني السابق "أحمدي نجاد"، لكنه يُسيطر على أهم مؤسسات النفوذ بالدولة الإيرانية، لا سيما القضاء والمرجعية الدينية، إضافة إلى شريحة واسعة من وسائل الإعلام المختلفة.

وإذا كانت رئاسة الجمهورية هي رأس حربة الإصلاحيين في معركتهم، بعد فوز "روحاني" بالانتخابات، فإن الحرس الثوري في المقابل هو رأس حربة المحافظين في معركتهم التي أخذت شكل "الحرب الباردة" في أغلب فترات ولاية "روحاني" الأولى، ثم ما لبثت أن تحوّلت إلى حرب ساخنة في السنة الرابعة من حكمه.

في هذه السنة بدأ "روحاني" في سبر أغوار واقع السلطة في بلاده على أرض الواقع، وبات على قناعةٍ كاملةٍ بأن الحرس الثوري "دولة داخل الدولة" ويُمثّل تهديداً خطيراً، ليس على المستوى السياسي فقط بفرضه وصاية عسكرية على السلطات المنتخبة، بل على المستوى الاقتصادي أيضاً، عبر هيمنته على قطاع يُمثّل نسبةً كبيرةً من مجمل الاقتصاد الإيراني.

ولاية روحاني الأولى

وإذ يتبنَّى "روحاني" مشروعاً (سياسياً – اجتماعياً) يقوم على إطلاق مساحة أوسع من الحريات المدنية والدينية، وتمديد نطاق تمكين المرأة، يواجه المحافظون ومن خلفهم الحرس الثوري هذه التوجهات بشراسة إعلامية كبيرة، وظلّت الحرب باردة بين الطرفين على حالها نحو 3 سنوات كاملة.

وفي السنة الرابعة، أدرك "روحاني" أن الوقت يمر، وأن عرقلة مشروعه السياسي يُوازيها هيمنة اقتصادية للحرس الثوري تعُوق مشروعه لتحرير الاقتصاد وتمكين نموذج السوق الحر القائم على جذب الاستثمارات، بما فيها تلك الأجنبية، خاصة بعد نجاحه في إبرام الاتفاق النووي مع الغرب.

لكن الحرس الثوري يرى في هذا التوجه الاقتصادي تهديداً لمكتسباته التي حقّقها على مدى أعوام العقوبات الدولية الصارمة (فترة ما قبل الاتفاق النووي)، إذ عهدت إليه الحكومة الإيرانية بأغلب إنشاءات القطاع الاقتصادي، وتحوَّل شيئاً فشيئاً إلى المهيمن الأكبر عليه.

ومن هنا بدأ "روحاني" في السنة الأخيرة من فترة ولايته الأولى "حملةً" ضد الحرس الثوري، شملت انتقاده علانية في الكثير من المناسبات العامة.

وشملت حملة الهجوم، ملفين أساسين، الأول تمثَّل في اعتراض "روحاني" على طابع التدخل الإيراني في سوريا، واتجاه الحرس الثوري لإجراء عمليات عسكرية بمعزل عن قرارات المجلس الأعلى للأمن القومي، الذي يرأسه "روحاني".

استهداف داعش – سوريا

وفي هذا الإطار، علّق "روحاني" على هجوم شنَّه الحرس الثوري بالصواريخ الباليستية، استهدف مناطق في شمال سوريا ضد أهداف لتنظيم "داعش"، كرَدٍّ على العمليات الانتحارية التي نفّذها عناصر التنظيم في طهران، بالقول: إنها "تمت بناء على تعليمات المجلس الأعلى".

وإزاء ذلك، سارع الحرس الثوري لإصدار بيان أعلن فيه أن إطلاق الصواريخ جاء بناء على تعليمات "المرشد الأعلى" "علي خامنئي"، في إشارة إلى تهميش دور السلطات المنتخبة، والتقليل من قيمة منصب رئيس الجمهورية.

وفي كل ما يخُصّ العمليات العسكرية في سوريا، تواصلت "حرب الروايات" بين الطرفين، على النحو السابق، ففي الوقت الذي أكّد فيه وزير الدفاع الإيراني - المرتبط بـ "روحاني" – "حسين دهقان" أن مكتبه هو الذي وفّر المعلومات الاستخبارية التي مكّنت من ضرب أهداف "داعش" في سوريا، زعم الحرس الثوري أن تنفيذ الهجوم جاء بناء على معلومات استخبارية قدّمها فيلق "القدس" التابع له.

إدارة الملف الاقتصادي

أما الملف الثاني فتمثَّل في انتقاد "روحاني" الشديد لإصرار الحرس الثوري على تدشين المشاريع الاقتصادية للدولة والإشراف عليها، بما يتناقض مع أهداف الحكومة الاقتصادية، سالفة الذكر.

وفي هذا الإطار، دأب الرئيس الإيراني على وصف الحرس الثوري بـ "الحكومة المسلحة" في خطاباته، مؤكداً أن سيطرته على الاقتصاد تعيق برامج الخصخصة الضرورية للاستفادة من رفع العقوبات الغربية جزئياً.

وخلال اجتماع عقده "روحاني" مع رجال أعمال في 22 يونيو قال: إن حكومته طالما أكّدت التزامها بالخصخصة، لكن ذلك يبدو غير ممكن؛ "لأن الاقتصاد بيد دولة العسكر"، حسب تعبيره.

الرد النظري جاء سريعاً بإعلان قائد الحرس الثوري "محمد الجعفري" أنه "ليس من العدل أن تعود الحكومة، التي تفاخرت بإدارة الحرس لمشروعات البناء والتنمية خلال فترة العقوبات، لتهاجمه بسبب تدخله في الاقتصاد"، مُؤكّداً أن "تدخُّل الحرس الثوري في الحياة الاقتصادية هو جزء من دوره في الدفاع عن الثورة وإنجازاتها"، حسب قوله.

لكن رد المحافظين "العملي" كان هو الأقوى، عبر إعادة إحياء اتهامات بـ "الفساد" لحكومة "روحاني" بشكل عام، وشقيقه ومستشاره الخاص "حسين فريدون روحاني" بشكلٍ خاص.

ودخلت السلطة القضائية على خط المعركة، منحازة إلى معسكرها التقليدي؛ لتصدر، الأحد (16 يوليو) مذكرة توقيف بحق شقيق "روحاني"؛ ليزاح الستار عن مصيره الغامض منذ أكثر من عامين.

وبعد أن قام بأدوار سياسية مهمة على مدى سنوات، منها عضويته في الوفد الإيراني بالمفاوضات حول الملف النووي، اختفى شقيق الرئيس الإيراني منذ 3 يوليو 2015، عن الأنظار بشكلٍ كاملٍ تقريبًا، ليتضح، في مايو 2016، أنه يخضع لتحقيقٍ قضائي، على خلفية اتهامه بالتورُّط في شبكة فساد واسعة.

وحينها رفض النائب العامّ الإيراني "محمد جعفر منتظري" التعليق على القضية، ما رجَّح التوقعات بشأن سببها الحقيقي ومُبرّر التكتم عليها، وعزَّزَ الترجيحات بأن يكون أمر الاعتقال صادر عن "علي خامنئي" شخصيًّا.

رسالة الحرس الثوري جاءت خشنة هذه المرة، وعبر مؤسسة قضائية تحظى باحترام شعبي كبير، إذ قال المتحدث باسم جهاز القضاء "غلام حسين محسني إيجئي": إن أمراً صدر بإطلاق سراح "فريدون" بكفالة، لكنه أُرسل إلى السجن؛ بسبب "فشله في الالتزام بشروطها، وسيتم إطلاق سراحه في حال وفائه بها".

كان "إيجئي" حريصاً على عدم توضيح قيمة الكفالة والشروط التي تحدّث عنها، في تحركٍ اعتبره مراقبون الأكثر خشونه من جانب معسكر المحافظين (الحرس الثوري تحديداً)، بما يخصم من رصيد مكانة سلطة "روحاني" أمام ناخبيه.

ولاحقاً أعلنت سلطات الادّعاء الإيرانية أن "فريدون" استغل نفوذه لتعيين مُقرّب منه، يُدعَى "علي صدقي"، على رأس مصرف "رفاه"، علماً بأن تهماً بـ "تجاوزات مالية" أطاحت بالأخير من إدارة المصرف.

وكانت وسائل الإعلام المحسوبة على المحافظين قد اتهمت "صدقي" بتقاضي راتب شهري قيمته 60 ألف دولار، بما يُساوي 50 ضعف الحد الأدنى للأجور في إيران.

"فريدون" ينفي اتهامات الفساد الموجهة إليه، لكن "خامنئي" تجاهل عدم حسم القضية حتى الآن بالدعوة إلى "التشدد في مكافحة الفساد المتجسد في الرواتب المرتفعة"، والمطالبة بـ "التحرك بحزم لمعالجة هذا الخلل".

انقلاب استخبارات الحرس

وبالتنقيب عن أصل الجهة التي حرَّكتْ ملف القضية، تكشَّف أنها "استخبارات الحرس الثوري" التي حوَّلتْ معركتها مع "روحاني" من "رد فعل" إزاء انتقاداته إلى "فعل" هجومي خشن تحت عنوان "مكافحة الفساد".

ويتوقّع معهد أبحاث الأمن القومي "الإسرائيلي" تصاعد التوترات بين معسكر "روحاني" والحرس الثوري في الفترة المقبلة، يستخدم فيها الأول نفوذه المحدود في محاولة التأثير على خلافة "خامنئي" التي باتت وشيكة، بحسب تقارير تحدّثت عن تدهور حالته الصحية، فيما يستخدم فيها الثاني أدواته القضائية لتقليم أظافر هامش السلطة المتاح لـ "روحاني"، إضافة إلى نفوذه العسكري عبر "انقلاب"، إنْ تطلَّب الأمر ذلك.

ولن يكون سيناريو الانقلاب، في حال حدوثه، إلا في إطار "تصحيح مسار الثورة" - بحسب التحليل "الإسرائيلي" - وهو ما أشار إليه "خامنئي" صراحةً عندما حذَّر "روحاني" من مغبّة تقسيم المجتمع الإيراني على غرار ما فعله أول رئيس لإيران بعد الثورة "أبو الحسن بني الصدر"، والذي تمّت الإطاحة به عام 1981، واضطر لمغادرة إيران بعد خلاف مع المرشد الأعلى وقائد الثورة "الخميني".

تحذير "خامنئي" اعتبره مراقبون بمثابة "تهديد"، فيما لا يبدو العرب على درجة متابعة عميقة لما يجري في معركة تكسير العظام الإيرانية، في ظل معاركهم البينية المتمثلة في أزمة الخليج، والتمحور حولها.