«الأدلجة».. طريقة السلطة لضرب الاحتجاجات الشعبية.. «الوراق» نموذجاً (تحليل)

«الأدلجة».. طريقة السلطة لضرب الاحتجاجات الشعبية.. «الوراق» نموذجاً (تحليل)

12:35 ص

20-يوليو-2017

ستستمرُّ السلطةُ في تطبيق الخطة الناجحة بوصم أي حراكٍ شعبيّ عفويّ بأنه حراك "مُؤدلج ومُنظَّم ومُموَّل" من جهات تُريد ضرب الاستقرار، وأن مواجهته تُعدُّ مواجهةً للإرهاب، فيتمّ قتل الحراك في مهده.

بينما كان محللون وباحثون يعكفون على وضع قراءات تحليلية لأحداث جزيرة "الوراق"، كدليل على نجاعة الاحتجاجات الشعبية غير المؤدلجة وتأثيرها على الرأي العام المحلي والدولي أيضاً، تناثرت الأنباء عن اتهامات سياسيين ومسؤولين وإعلاميين محسوبين على نظام الرئيس عبد الفتاح السيسي لأهالي "الوراق" بأنهم من "الإخوان المسلمين"؛ لتُضيف تساؤلاً جديداً يستدعى البحث في الإجابة:

هل بَاتَتْ أدلجة الاحتجاجات الشعبية وسيلة الدفاع الأولى للنظام ضد كل مَن يُبدي تبرُّماً أو يُعارِض إجراءً؟.

انتفاضة «إخوان»

بعد ساعات قليلة من أحداث "الوراق"، وبينما كان غضب الأهالي هناك في ذروته، خرج وزير الأوقاف "محمد مختار جمعة"، مُتوّعداً الأئمة والمؤذنين الذين طالبوا الأهالي عبر مكبرات الصوت بالمساجد بالصمود أمام قوات الجيش والشرطة التي جاءت لإخلاء الجزيرة، مُعتبراً أنهم من جماعة "الإخوان"، وأنه سيتم طردهم من الوزارة، والإبلاغ عنهم.

تقارير إعلامية لمزت في رَدّ فعل الأهالي، وجميعها صبَّتْ في أن هذه "الانتفاضة" ليست بريئة، وليست فقط للدفاع عن بيوتهم وأراضيهم، التي يقولون: إنهم يملكون أوراقاً رسميةً بحيازتها، وإنما هي مدفوعة من تيار "الإخوان".

وكتفاعل مع هذا الأمر، حفلت صفحات وحسابات على مواقع التواصل الاجتماعي باتهامات لأهالي "الوراق" بالانسياق وراء دعوات "الإخوان" للتصعيد ضد السلطات، وصولاً إلى اتهامهم بأنهم استسلموا لخطة "إخوانية" لإثارة الفوضى في الجزيرة.

المُثير أنه على الجهة المقابلة ظهرت حسابات أيضاً مؤيدة للإخوان والرئيس الأسبق محمد مرسي تُعلن تشفّيها في أهالي "الوراق"، وأن ما حدث جاء عقاباً لهم على تأييدهم للسيسي، واعتداءاتهم على المسيرات التي نظّمها أنصار الجماعة ومُؤيّدي "مرسي" بعد إجراءات عزله في 3 يوليو 2013.

أدلجة فـ «شيطنة»

الواقع يُشير إلى أن الحراك الشعبي الذي خرج لمعارضة تصرُّف حكومي معين، وليس لمعارضة السيسي أو نظامه بشكلٍ عام، تمَّتْ أدلجته؛ كمقدمة لشَنّ حملة شيطنة لأهالي "الوراق"، وهو ما يُشير إلى نية حكومية لاستكمال ما بدأته من خطة تَردَّدَ أنها لإخلاء الجزيرة بالكامل من السكان؛ تمهيداً لتخصيصها عبر الجيش المصري إلى مستثمرين مصريين وخليجيين لإقامة مشروعات سياحية.

أدلجة الاحتجاجات المعارضة للحكومة بسبب أوضاع معيشية تكرَّرَت من قبل، ولا ينسى الكثيرون الاتهام الذي وجهه محافظ بورسعيد اللواء "عادل الغضبان"، عندما اشتكى له مواطن من ارتفاع سعر السكر، فأمسك به المحافظ، قائلاً: "تحفّظوا عليه.. ده إخواني.. والله ما هسيبه".

وفي مارس، عندما انطلقت احتجاجات عفوية في ربوع البلاد؛ بسبب قرار وزارة التموين إلغاء كروت الخبز الذهبية، ظهرت تقارير إعلامية وتصريحات برلمانية ربطت الأمر بتحرك "إخواني" لإثارة الفوضى، وكذلك كان الحال في الاحتجاجات على نقص لبن الأطفال المدعم، في أواخر 2016.

الإعلامي المُقرَّب من أجهزة أمنية "أحمد موسى" اعتبر - خلال إحدى حلقات برنامجه الذي يُقدّمه على فضائية "صدى البلد" - أن احتجاجات الخبز كانت "محاولة إخوانية لإعادة محمد مرسي"، مطالباً المصريين بالتنبُّه والتيقظ لمحاولات "الجماعة الإرهابية" إشعال الفتن في الشارع والتحريض ضد الدولة المصرية، مطالباً المواطنين بأن يضعوا مصلحة الوطن فوق مصالحهم الشخصية، وفق قوله.

الإعلامي "عمرو أديب" - شديد القرب من مؤسسة الرئاسة - بدوره اتهم "الإخوان" بأنهم روَّجُوا لثورة الخبز وانتفاضة التموين، مُتهماً كل متعاطف مع "الإخوان" أو مؤيد لهم بأنه من "الخرفان".

مكاسب السلطة

"أدلجة" أي حراك شعبي تُحقق للسلطة عدداً من المكاسب، منها:

أولاً: تحجيم محاولات التعاطف مع الحراك من أية قطاعات شعبية جديدة، وذلك عبر خلق "فزَّاعَة" بأن الحراك تتبنّاه وتُنظّمه وتُحرّكه جماعات مناهضة للدولة والوطن، وتريد ضرب الاستقرار، وإدخال البلاد في نفقٍ مُظلمٍ، على غرار بلدان أخرى مجاورة.

وبالتالي فإن المشاركة في ذلك الحراك يُعدُّ مؤامرةً على الدولة قد تستوجب ردود فعل عنيفة على المشاركين قد تصل إلى القتل بدمٍ باردٍ، على اعتبار أن الدولة تُواجه حراكاً يقوم به تنظيم إرهابي، وهكذا يُفاجأ المواطن بأنه أمام مصيبة كبيرة، رغم أنه خرج في البداية لا يطلب سوى كبح جماح أسعار سلعة أو خدمة، أو طلباً لجنيهات إضافية على دخله تسمح له بمزيد من الصمود أمام تقلبات الحياة.

ثانياً: منح فرصة لمؤيدي السلطة لمزيد من شيطنة أي حراك شعبي غير مؤدلج في وسائل الإعلام، وهو ما يُؤثّر على درجة التجاوب مع الحراك، من خوف من ردة فعل السلطات بالاعتقال أو القتل، أو عن قناعة بالكلام الذي يُردّده الإعلام، فيظلّ الحراك محصوراً في أماكن مُتفرّقة، وفئات محددة، سرعان ما يخبو، حتى دون تحقيق ما كان يُطالِب به المُحتجّون من أشياء بعيدة عن الصراع السياسي الدائر بين السلطة ومعارضيها السياسيين.

ثالثاً: شيطنة الحراك أمام المجتمع الدولي بتصوير الأمر على أنه إحدى تجلّيات الإرهاب الذي تُحاربه الدولة نيابةً عن العالم، وتحقيق هذا الهدف مرتبط في الحقيقة برغبة المجتمع الدولي في تصديق هذا الأمر من عدمه، فلهذه الدول مؤسسات قياس رأي عام ومراكز حقوقية تستطيع معرفة حقيقة الأمور جيداً، لكن على أية حال لا تعوّل السلطة كثيراً على هذا الأمر، قياساً بعلاقاته المتشعبة، والتي يحرص على تنميتها مع تلك الدول، وفقاً للغة المصالح الاقتصادية في الأساس.

وفق هذا الأساس، ستستمر السلطة في تطبيق الخطة الناجحة بوصم أي حراك شعبي عفوي بأنه حراك "مُؤدلج ومُنظَّم ومُموَّل" من جهات تريد ضرب الاستقرار، وأن مواجهته تُعدُّ مواجهة للإرهاب، فيتم قتل الحراك في مهده، وتُحقّق السلطة هدف ضرب الحراك والحيلولة دون توسعه، علاوة على تحقيق أي هدف من أهدافه.