جهاز لـ«أمن الدولة» في السعودية.. قبضة «ابن سلمان» تتسع للمزيد

جهاز لـ«أمن الدولة» في السعودية.. قبضة «ابن سلمان» تتسع للمزيد

03:30 ص

21-يوليو-2017

يبدو أن تجريد وزير الداخلية في السعودية من سلطاته لصالح الملك المنتظر "ابن سلمان"، يجري على قدم وساق.

في خطوة مثيرة للجدل، أصدر العاهل السعودي الملك سلمان بن عبد العزيز، عددًا من الأوامر الملكية، مساء الخميس، قضى أحدها بإنشاء جهاز باسم "رئاسة أمن الدولة".

وبحسب الأمر الملكي، فإن الجهاز الجديد "يُعنى بكل ما يتعلق بأمن الدولة، ويرتبط برئيس مجلس الوزراء"، أي بالملك مباشرة، وضُم إليه كذلك العديد من القطاعات الأمنية الهامة والمؤثرة التابعة لوزارة الداخلية.

الأوامر التي جاءت بعد شهر من تولي الأمير محمد بن سلمان منصب ولي العهد، أثارت العديد من التساؤلات والتكهنات حول علاقته بها في ظل الحديث عن قرب صعوده على عرش المملكة خلفًا لوالده.

وبعيدًا عن ذلك، فإن الجهاز الجديد ربما يكون الغرض منه التصدي للعديد من المهام الصعبة فيما يتعلق بملفات حساسة مرتبطة بالأمن الداخلي في المملكة.

قبضة حديدية للملك المنتظر

الأمر الملكي نص على أنه تُفصل من وزارة الداخلية كلًا من "المديرية العامة للمباحث"، و"قوات الأمن الخاصة"، و"قوات الطوارئ الخاصة"، و"طيران الأمن"، و"الإدارة العامة للشؤون الفنية"، و"مركز المعلومات الوطني"، وكافة ما يتعلق بمهمات الرئاسة بما في ذلك مكافحة الإرهاب وتمويله، والتحريات المالية، وتضم إلى "رئاسة أمن الدولة".

وعلى الرغم من إشارة الأمر إلى أن القرار يمثل تنفيذًا لمقترح سابق لوزير الداخلية الأسبق الأمير نايف بن عبدالعزيز قبل 5 سنوات، إلا أن اللمحة الأولى فيه تشير إلى أنه مجرد نزع صلاحيات حساسة من وزير الداخلية وربطها بالملك سلمان مباشرة.

ثمة خطوة أخرى على هذا الطريق تمت منتصف يونيو الماضي، وقت أن كان ولي العهد المعزول محمد بن نايف وزيرًا للداخلية، بنقل تبعية هيئة التحقيق والادعاء العام وربطها مباشرة بالملك (الديوان الملكي) بعد تغيير اسمها إلى النيابة العامة.

المؤكد أن الملك في هاتين الخطوتين ليس هو الحالي "سلمان بن عبدالعزيز"، بل نجله المنتظر جلوسه على العرش في وقت قريب للغاية، تتويجًا للعديد من الخطوات التصعيدية له في سلم الحكم بالبلاد.

"محمد بن سلمان" الأمير الثلاثيني الصاعد بسرعة الصاروخ، جمع في يديه حتى قبل أن يتولى عرش البلاد، العديد من الصلاحيات والمناصب الأسطورية، في سابقة تاريخية بالمملكة مع أحد أحفاد الملك المؤسس "عبدالعزيز آل سعود".

"الملك المنتظر" يشغل حاليًا، بجانب ولايته للعهد، مناصب عدة أبرزها: وزير الدفاع، نائب رئيس مجلس الوزراء، رئيس الديوان الملكي، المستشار الخاص للملك، رئيس مجلس الشؤون الاقتصادية والتنمية، رئيس المجلس الأعلى لعملاق النفط "أرامكو"، وغيرها من المناصب.

وعلى الرغم من تلك السلطات المتركزة في قبضته (ابن سلمان) كولي للعهد، إلا أن مساعي بسط سيطرته المستقبلية كملك للبلاد لم تتوقف، بل إن الواقع يشير إلى مزيد من الجهود والخطوات المستمرة في الاتجاه الثاني.

أمن داخلي مضطرب

وبعيدًا عن علاقة "ابن سلمان" بالقرار، فإن ثمة أغرض أخرى من إنشاء جهاز أمن الدولة الجديد، ترتبط بالعديد من ملفات الأمن الداخلي، التي ربما تاهت وسط قطاعات متنوعة بوزارة الداخلية، أفضت إلى إهمال ما أو عدم تركيز على تلك الملفات.

فعلى خلفية الأزمة الخليجية والحصار الذي تفرضه السعودية على قطر، اتخذت العديد من القرارات بمنع دعاة وأكاديميين وسياسيين ورموز مجتمع من السفر خارج البلاد، فضلًا عن استدعاءات تمت بحق بعضهم إلى أجهزة الأمن، وما أثير عن إجبار آخرين على التغريد ضد الدوحة، قيل إن ابن سلمان ورائها.

إذن فإن إحكام السيطرة على مواقع التواصل الاجتماعي، وفي القلب منها "تويتر"، باعتبارها المنفذ الوحيد للسعوديين لإبداء الرأي في القضايا المختلفة، تبدو غرضًا آخر لجهاز أمن الدولة، رغم أن المباحث التابعة للداخلية، كانت تلعب هذا الدور باقتدار لكن بدت الحاجة إلى مزيد من السيطرة.

ولعل المفارقة المرتبطة بهذه النقطة تحديدًا، هي تعيين الفريق أول "عبدالعزيز الهويريني" مدير المباحث العامة رئيسًا لأمن الدولة بمرتبة وزير.

القبضة الأمنية يبدو العنوان الأبرز لمهام الجهاز الجديد، في دولة تجرم المعارضة، ولا مجال فيها لحرية الرأي والصحافة، وتلاحق النشطاء والدعاة، وتواجه تمردًا من حين لآخر من أقلية شيعية تسكن المنطقة الشرقية الغنية بالنفط.

هذا "التمرد" الشيعي يبقى في بؤرة اهتمام القيادة المرتقبة للسعودية، رغم الخفوت النسبي له مؤخرًا منذ اندلاع احتجاجات في أعقاب إعدام رجل الدين الشيعي نمر النمر في يناير 2016، بعد عام من تولي الملك سلمان للحكم، إلا أن المنطقة ذات الأغلبية الشيعية شهدت خلال الشهرين الماضيين 3 هجمات قتل فيها 4 بينهم ضابطي شرطة.

وليس بعيدًا عن الجهاز الجديد، ما تواجهه السعودية من تحديات مرتبطة بالتنظيمات المسلحة كداعش والقاعدة، اللتان تنشطان في البلاد، وكانت أحدث إرهاصات هذا النشاط إعلان المملكة، يونيو الماضي، إحباط هجوم إرهابي كان يستهدف الحرم المكي.

منصب شرفي لوزارة «بلا أنياب»

اللافت أن الأمر الملكي، الذي نزع اختصاصات هامة من وزير الداخلية، يعيد إلى الأذهان ما قيل عند عزل محمد بن نايف من ولاية العهد في 21 يونيو الماضي، وتولية أحد أبناء أخيه (عبدالعزيز بن سعود بن نايف) لمنصب وزير الداخلية.

حينها، رجحت تقارير إعلامية، إن إبقاء الملك سلمان للأمن الداخلي في فرع أخيه نايف، يبدد مخاوف الأسرة المالكة بشأن تعزيز السلطة بشكل متزايد في فرع الملك.

إلا أن نزع صلاحيات وزير الداخلية الهامة ووضعها بيد الملك، كشفت أن الأمر كان مجرد خدعة لتهدئة الغضب الناشب في أوساط الأسرة بعد تصعيد "ابن سلمان" لولاية العهد.

وهكذا أصبح وزير الداخلية منصبًا شبه شرفي على وزارة بلا أنياب حقيقية، بعد فصل القطاعات القوية والمؤثرة منها كقوات الطوارئ وقوات الأمن الخاصة والمديرية العامة للمباحث، وغيرها من القطاعات التابعة لوكالة الوزارة للشؤون الأمنية.

عمليًا لم تعد هناك قطاعات ذات تأثير ونفوذ بيد وزير الداخلية، سوى حرس الحدود والمجاهدين، وبينما ينشغل حرس الحدود بالمعارك الدائرة على الحد الجنوبي مع اليمن، تبقى مهام المجاهدين وتسليحهم ونفوذهم قليلًا إلى حد ما.

وبينما كان منصب وزير الداخلية على مر العهود في المملكة يضاهي وزير الدفاع ويُحسب له ألف حساب ويؤثر على دائرة صنع القرار في المملكة، أصبح الآن في عهد سلمان وابنه، يشرف فقط على قطاعات أخرى مثل الجوازات، والمرور، والأحوال المدنية، ومكافحة المخدرات، والسجون.